أوضة المستشفى حكايات رومانى مكرم 2

 

نظراتي اتسمرت على شاشة التليفون اللي عمال يتهز ويرن بصوت مزعج فوق التربيزة. جدي إبراهيم لاحظ برقت عيني وصدمتي، وعقد حواجبه وبص للتليفون وقال بنبرة حذرة: “في إيه يا بنتي؟ مين اللي بيرن على تليفون الواد ده وخلاكي تتخطفي كده؟”

مديت إيدي المرتعشة، ورفعت التليفون عشان جدي يشوف الاسم اللي مكتوب على الشاشة الكبيرة.. الاسم كان: **(الحاج محمود الديب – صاحب المعرض)**.

جدي إبراهيم لما قرا الاسم، ملامح وشه اتغيرت تماماً، وعينيه الحادة ضيقت كأنه بيفتكر حاجة.. وقال بصوت واطي: “محمود الديب؟ مش ده الراجل اللي حمادة كان بيموت نفسه عشان يشتغل عنده، وقالك إنه رفضه عشان ‘الحال واقف’؟”

هزيت راسي ببطء الصدمة كانت بتخليني أربط الخيوط ببعضها.. افتكرت قبل تمن شهور لما حمادة جالي بالليل وشه باهت، وقال لي: *”يا منال، أنا روحت للحاج محمود الديب، صاحب أكبر معرض عربيات وأراضي في المحافظة، وبست إيده يشغلني عنده بأي مرتب عشان الحمل ومصاريف الولادة، بس الراجل طردني وقالي مشغلش ناس فاشلة!”*.. يومها أنا عيطت عشانه، وحسيت بالذنب إني حمل تقيل عليه!

جدي إبراهيم سحب التليفون من إيدي بسرعة، وفتح الخط وفتح المايك (الاسبيكر) من غير ما ينطق ولا كلمة.

فجأة، طلع صوت راجل وقور بس نبرته فيها عتاب وغضب مكتوم: “إيوه يا حمادة يا ابني.. مبروك ما جاك، عرفت إن مرأتك ولدت بالسلامة.. بس أنا عتبان عليك، بقالي أسبوع بكلمك عشان نخلص ورق (قطعة الأرض) والشقة اللي أنت اشتريتهم كاش الشهر اللي فات باسم والدتك الحاجة نوال، وأنت مابتجيبش سيرة! ده أنا حتى قولتلك هعملك خصم عشان خاطر جد مرأتك، الحاج إبراهيم، الراجل الطيب اللي خيره مغرقنا.. أنت فين يا راجل ومش بترد ليه؟”

الكلام نزل عليا زي الصاعقة.. الأوضة بدأت تلف بيا تاني، وابني بدأ يعيط كأنه حاسس بنار قايدة في صدري.

أرض؟! وشقة؟! وباسم حماتي نوال؟! وكاش؟!

جدي إبراهيم اتنفس بعمق، وصوته رجع قوي وثابت زي الرعد وهو بيرد في التليفون: “الله يبارك فيك يا حاج محمود.. أنا الحاج إبراهيم معاك.”

الراجل على الناحية التانية صوته اتغير تماماً للترحاب والاحترام: “يا مرحب يا حاج إبراهيم! عاش من سمع صوتك يا راجل يا طيب، ألف مبروك المولود الجديد، يتربى في عزكم.. بس هو حمادة فين؟”

جدي بصلي بنظرة كلها غضب وتصميم، وقال للراجل: “حمادة في مكان يليق بيه يا حاج محمود.. بس قولي، الأرض والشقة دول تمنهم كام بالظبط؟ وحمادة دفعهم إزاي؟”

الحاج محمود استغرب النبرة بس رد بحسن نية: “تمنهم يا حاج إبراهيم اتنين مليون ومية ألف جنيه.. وحمادة كان بيجيلي كل أول شهر، يدفع متجمد 100 ألف جنيه كاش، ويقولي ‘دي تحويشة عمري وشقايا أنا وأمي ومحدش يعرف عنها حاجة عشان العين’.. ولما كمل المبلغ الشهر اللي فات، كتبنا العقود الابتدائية باسم والدته نوال زي ما طلب.. هو في حاجة ولا إيه يا حاج؟”

جدي إبراهيم رد بصوت مرعب: “مفيش حاجة يا حاج محمود، العقود دي متسلمهاش لحد، وأنا والمحامي هانكون عندك في المكتب بكره الصبح.. سلام يا صاحبي.”

قفل جدي التليفون، وبصلي ولقى دموعي نازلة في صمت.. سنة كاملة وأنا باكل مش وعيش حاف، سنة كاملة وأنا بمنع نفسي من اللقمة النضيفة عشان “الحال واقف”، وهو بياخد الـ 100 ألف جنيه اللي جدي بيبعتها كل شهر من ورايا، ويروح يشتري بيها عقارات وأملاك ويكتبها باسم أمه!

جدي وقف بكل طوله، ومسك عكازه وضغط عليه بقوة وقال: “بقوا يسرقوا فلوسنا ويشتروا بيها طوب وأطيان ويكتبوها باسم نوال؟ فاكرين إنهم شاطرين وهيهربوا بالفلوس؟”

طلع جدي تليفونه تاني واتصل بالمحامي وهو بيزعق في الممر بتاع المستشفى: “إيوه يا متر.. اقلب الدنيا، مش عايز بس قضية خيانة أمانة.. أنا عايز حجز تحفظي على كل أملاك نوال وابنها، وعايز بلاغ كسب غير مشروع.. العيلة دي لازم تتنفض وميطلعش منهم صاغ سليم!”

في نفس اللحظة، والضجة مالية الممر، لقيت ممرضة داخلة تجري وبتقول بخوف: “يا حاج.. يا مدام منال.. الحقوا! جوزك وأمه عملوا قلبان تحت في الاستقبال، وأمه غمي عليها والشرطة مش عارفة تسيطر عليهم وحمادة بيصرخ وعايز يطلعلكوا!”

 

 

جدي إبراهيم متهزش من كلام الممرضة، بالعكس، عينيه لمعت بتحدي أكبر. بص للممرضة بوقار شديد وقال لها بصوت رصين: “خليهم يعملوا قلبان يا بنتي، الجاني لما بيتخنق بيفرفر.. روحي أنتي لشغلك ومتقلقيش.”

وبعدين لف ليا، وطبطب على كتفي بحنان وقال: “أنا نازل أشوف المحامي اللي بره والضابط، وخليكي أنتي هنا مع ابنك، متتحركيش من السرير.. حقك وحق ضناكي بيرجع بالمليم يا منال، والمرة دي مش بس فلوس، ده هيدفعوا تمن كل دمعة وكل لقمة حاف كلتيها بسبب غشهم.”

خرج جدي وسند الباب وراه، والهدوء رجع للأوضة للحظات.. مكنش مسموع فيها غير صوت نفس ابني الصغير وهسيس مروحة السقف القديمة. بصيت لسقف الأوضة الباهت وأنا مش قادرة أستوعب كمية الغدر؛ البني آدم اللي شاركته اللقمة، اللي كنت ببكي في حضنه من قلة الحيلة وهو يطبطب عليا ويقولي “معلش يا بنت الأصول بكره تفرج”، كان بياخد شقى جدي وفلوس ورثي من أبويا يشتري بيها أراضي وشقق ويكتبها باسم أمه! كان بيبني مستقبله ومستقبل عيلته على أنقاض صحتي وتجويعي أنا وابنه!

مرت حوالي نص ساعة، والصوت تحت في الاستقبال بدأ يهدأ تدريجياً، لحد ما الباب اتفتح بالراحة..

كنت فاكرة جدي اللي راجع، بس اتفاجئت بـ حمادة!

دخل والأفارول بتاعه متبهدل، وشه شاحب زي الموتى، وعينيه حمرا من العياط والخوف. مكنش معاه شرطة، وواضح إنه استغل حالة الهرج والغمام اللي حصلت لأمه عشان يفلت من إيد أمين الشرطة ويطلعلي الأوضة في غفلة من الكل.

قفل الباب وراه بسرعة وسنده بضهره وهو بنهج، وبصلي بنظرة رعب واستعطاف غريبة، وجري قعد تحت رجلي عند السرير وبدأ يتكلم بسرعة وبكاء هيستيري:

“منال.. هبوس رجلك يا منال اسمعيني! أنا غطست وغلطت وشيطاني عماني، أمي هي اللي وزتني وقالت لي أأمن نفسي وأأمنها، وقالت لي إن جدك غني ومش هيحس بالفلوس دي! والله العظيم الأرض والشقة دول بتوعك أنتِ وابنك، أنا كنت هكتبهم باسمك بس كنت مستني لما تطلعي من الولادة وتفوقي عشان نعملها مفاجأة!”

بصيت له بقرف ملوش أول من آخر، وقولت له بنبرة جامدة مفيهاش أي رحمة: “مفاجأة يا حمادة؟ والمكالمة اللي لسه سامعاها من وراك مع الحاج محمود الديب؟ العقود الابتدائية مكتوبة باسم نوال والدتك! لسه بتكدب وأنت رجلك في القبر؟”

حمادة شهق وبكى وزحف لحد ما مسك إيدي اللي مش شايلة بيها الواد: “سامحيني.. أنا مستعد أنزل معاكي بكره الصبح للشهر العقاري، وننقل كل حاجة باسمك، الأرض والشقة، وحسابي في البنك هتنازل لك عنه.. بس بلاش حبس يا منال! لو اتحبست مستقبلي ضاع، وأمي هتموت فيها، والناس هتاكل وشنا.. امضي على إقرار بالتنازل عن المحضر، قولي لجدك يوقف المحامي.. أبوس إيدك عشان خاطر ابنائنا اللي لسه مشافش الدنيا!”

في اللحظة دي، شيلت إيدي من بين إيديه بقوة، وبصيت لابني اللي بدأ يتحرك بقلق، وقولت له بصوت واطي بس حاد زي الموس: “ابننا مش هينور الدنيا بأب حرامي وخاين أمانة يا حمادة. اخرج بره، اخرج بره بدل ما أصرخ وألم عليك المستشفى كلها.”

حمادة لما لقى إن مفيش فايدة من المسكنة، وشه اتقلب فجأة، وعينيه املت بشر وغِل مش طبيعي.. وقف على حيله، وبصلي وبص للبيبي اللي في حضني بنظرة خلت قلبي يتنفض من الرعب، وقال بنبرة فحيح الأفاعي:

“ماشي يا منال.. مش هترحمي وترجعي في كلامك؟ تمام.. بس وعهد الله، لو رجلي خطت باب السجن، ما هسيبك تتهني بالواد ده ولا بالفلوس، وهحرق قلبك وقلب جدك عليه.. وأنا هعرف آخد حقي إزاي وبطريقتي!”

وقبل ما أستوعب تهديده، مد إيده بسرعة وخطف التليفون بتاعه من على التربيزة، وفتح الباب وجري في الممر.. وفي نفس اللحظة، سمعت صوت جدي والممرضات بيصرخوا بره: “امسكوه.. الحرامي هرب من السلم الخلفي!”

جسمي كله اتجمد، والتهديد بتاعه رن في وداني، وحسيت إن الكابوس مخلصش.. بالعكس، ده لسه بيبدأ!

الجزء السادس والأخير:

خرج حمادة يجري زي الفأر المذعور على السلم الخلفي للمستشفى، وصوت جدي إبراهيم والتمريض كان بيهز المكان. دقايق مرت وكأنها سنين، لحد ما الباب اتفتح ودخل جدي وساند على عكازه، ونفسه عالي، ووراه الضابط والمحامي.

جدي بص لوشي المخطوف وقرب عليا بسرعة: “جرى إيه يا بنتي؟ الواد ده دخل هنا؟ عملك حاجة؟”

دموعي نزلت وكنت بضم ابني لصدري لدرجة إنه بدأ يعيط، وقولت بصوت مرعش: “هددني يا جدي.. قال لي لو دخل السجن هيحرق قلبي على ابني، ونظرة عينيه كانت تخوف.. أنا خايفة على ضنايا يا جدي، خايفة يعمل فيه حاجة!”

جدي إبراهيم خبط عكازه في الأرض بقوة وعينيه رجع فيها بريق الصقر: “يحرق قلب مين والشرطة وراه في كل حتة؟ ده عيل فرفور وآخره الكلام.. اهدي يا بنتي، طول ما فيا نفس في الدنيا دي، محدش يقدر يمسك ولا يمس شعرة من ابنك.”

التفت جدي للضابط اللي قال بشديد الحسم: “يا فندم، إحنا عممنا اسمه وأوصافه، ووالدته الحاجة نوال تم التحفظ عليها في القسم بتهمة التستر والاشتراك في تبديد أموال والاستيلاء عليها.. وحمادة مسألة وقت ومش هيعرف يخرج بره المحافظة، خصوصاً بعد ما الحاج محمود الديب جاب العقود بنفسه وقدم بلاغ رسمي مع محامي الحج إبراهيم.”

مرت 48 ساعة، ومخرجتش من المستشفى غير لما جدي أمنّ لي عربية خاصة حراسة لحد بيته الكبير.. وفي نفس اليوم بالليل، جالي المحامي وبشرنا إن الشرطة قبضت على حمادة وهو مستخبي في عشة قديمة على أطراف البلد، كان مرعوب وجعان ومتغرق بالتراب، ومبقاش فيه حيل حتى ينطق بكلمة.

المحكمة أخذت مجراها بسرعة البرق؛ وبفضل العقود الابتدائية اللي قدمها الحاج محمود الديب وتأكيد التحويلات البنكية، حكمت المحكمة برد ملكية الأرض والشقة باسمي (منال)، وحبس حمادة 3 سنين مع الشغل والنفاذ بتهمة خيانة الأمانة والاستيلاء، وحبس أمه نوال سنة بتهمة الاشتراك والتزوير. وجاءت ورقة طلاقي لحد عندي وأنا رافعة راسي في بيت جدي.

قعدت في بلكونة أوضتي الواسعة في بيت جدي، شمس الصبح كانت دافية، وابني “إبراهيم” (سميته على اسم جدي) نايم في سريره الجديد الغالي والمريح، لابس نضيف ومتبخر.

بصيت للسماء واتنفست براحة عمري ما حسيت بيها.. افتكرت الأيام اللي كنت بستخسر فيها اللقمة في بطني، واكتشفت إن الوجع مكنش بسبب قلة الفلوس، الوجع الحقيقي كان بسبب “قلة الأصل” والعيشة مع بني آدم بيشوف دموعك وهوانك ويتغذى عليهم.

دخل عليا جدي إبراهيم وباس راسي وقعد جنبي، وبص للبيبي وقال: “عرفتي يا منال ليه مكنتش بقولك على الفلوس؟ كنت عايز أشوف معدن الراجل اللي اؤتمنته على عرضي.. بس للأسف، طلع معدن صَدي، والحمد لله إن الحقيقة ظهرت في أولها.”

### 💡 الحكمة من هذه القصة:

* **الأصل لا يُشترى بالمال:** مهما بلغت درجة حبك لشخص، ومهما قدمتِ من تضحيات، فإن “ابن الأصول” يظهر في الشدة، والندل تظهر حقيقته عند أول اختبار للأمانة.

* **التضحية الزائدة تُقلل من قيمتكِ:** تنازل المرأة عن حقوقها الأساسية (مثل الأكل، والراحة، والصحة) بحجة “الوقوف بجانب زوجها” دون تقدير منه، لا يثمر إلا استغلالاً. الحب مشاركة وليس إلغاء للذات.

* **يمهل ولا يهمل:** الظلم ظلمات، وأكل أموال الناس بالباطل ودعوة المظلوم (خصوصاً في لحظات ضعفها مثل الولادة) سهم لا يخطئ أبدًا. الله يُظهر الحق ولو بعد حين، ويجعل تدبير الخائن في تدميره.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *