حفيدي حكايات زهره الربيع 1
مرات ابني سابت حفيدي معايا وراحت تزور امها، ولسوء حظي الولد وقع على دراعه واتكسر، يومها سمعت أوسخ كلام من أمه قدام ابني اللي سكت شوية وبصلي وقال: “ماما ارجعي بيتك يكون أفضل، انتي مش نفعانا بحاجة”.. منزلتش مني دمعة واحدة، وفعلاً رجعت بيتي… واللي عملته بعدها طير برج من دماغه هو ومراته!!!!!
الحكاية بدأت من سنة كاملة، يوم ما شريك عمري وسندي في الدنيا مات. جوزي سابني وفارق الحياة، ومن يومها وأنا دخلت في حالة اكتئاب حاد. الحيطان بقت بتنطق من الوحدانية، والبيت اللي كان مليان دفا بقى زي القبر. مكنتش قادرة أتحمل قعدتي لوحدي، وفي لحظة ضعف، قولت لـ “عامر” ابني الوحيد: “يا بني، أنا تعبانة والوحدة هتموتني، ينفع أجي أعيش معاك كام شهر لحد ما أشد حيلي؟”
عامر وافق، بس وافق بضيق وحرج، ملامحه كانت بتقول “انتي هتبقي حمل علينا”. ومراته “هبة” مكنتش حابة وجودي نهائي، وده كان واضح زي الشمس في كل تصرفاتها.
الضحكة الصفرا والشغل اللي مبيخلصش
أول ما عامر كان يقفل باب الشقة وينزل على شغله، تلاقي هبة اتديرت لي ووشها اتقلب، تجيب ابنها “ياسين” اللي عنده 4 سنين وتقولي بنبرة باردة:
”خلي بالك منه يا طنط معلش، مش هأخر، أصل ماما تعبانة ولازم أروحلها”.
كل يوم عذر شكل، وكل يوم تخرج وتسبلي الواد والشقة تضرب تقلب. كنت بنظف، وبغسل، وبطبخ الأكل اللي بيحبوه، وبشيل الواد على راسي. مكنتش بضايق، بالعكس، كنت بقول في نفسي “أهو على الأقل بشغل وقتي وبنسى حزني، والواد حفيدي بيسليني وبيلعب معايا وبحبه من كل قلبي”. كانت ترجع بليل قبل ما جوزها يوصل بنص ساعة، تلاقي البيت قشطة والأكل جاهز، وتعمل نفسها ست البيت الشقيانة ومكنتش بعترض ابدا ده انا كنت بستنى الكام ساعه اللي بنتلم فيهم ونتكلم سوا .
وفي اليوم كنت مع ياسين لوحدنا زي العاده وجالي وقالي: “تيتا، أنا جعان وعايز آكل رز بوش لبن من إيدك”. دخلت المطبخ وفرحت إنه طلب حاجة مني، وقولتله بحزم: “يا حبيبي اقعد هنا قدام التلفزيون ومتقومش من مكانك، وم تخرجش الجنينة إلا لما أخلص وأطلع معاك”.
هز رأسه، شقاوة الأطفال.. مفيش خمس دقايق والواد اتسحب وخرج الجنينه، ركب على المرجيحة وحدف نفسه جامد، ويشاء القدر المرجيحة تفلت بيه ويقع على دراعه. صرخة الواد زلزلت الشقة، جريت حافية وأنا بصرخ، شيلته ودموعه مغرقة وشه ودراعه ملووح. خدته بتاكس على اقرب مستشفى وانا مرعوبه وبحضنه وبتصل على امه وعلى عامر ابني
مفيش دقايق، و عامر جه جري وامراته وراه، والدكتور قال كسر مضاعف ومحتاج جبس سريع. أول ما الدكتور دخل بالواد، هبة اتديرت لي قدام عامر والممرضين، وبأعلى صوت عندها بدأت تصرخ فيا:
“انتي مخلتيش بالك منه ليه؟! انتي إزاي سيباه؟! الحق عليا أنا اللي افتكرت إنك هتحافظي عليه وتراعيه، طلعتي ست مهملة! إحنا شايلينك أكل وشرب وعايشة على قفانا، وأقل حاجة تقعدي مع عيل مش عارفة تعمليها!”
الكلام كان زي السكاكين بتنزل في صدري. بصيت لعامر، ابني، حتة من كبدي، دموعي كانت محبوسة في عيني وبتمنى يقول كلمة واحدة، يزعق لمراته، يقولها “دي أمي احترمي نفسك”. قولتله بصوت مرعش: “أنت سامع مراتك بتقول إيه يا عامر؟”
عامر بص للأرض شوية، وبعدين رفع عينه في عيني، وبكل جحود وبرود قال:
”ماما كفاية كده.. أنا رأيي تمشي ترجعي بيتك يكون أفضل، انتي مش نفعانا بحاجة، وبابا بقاله كتير ميت وانتي بقيتي أحسن، ارجعي بيتك كفاية اللي حصل بسببك!”
في اللحظة دي، حسيت بصوت شرخ جوه قلبي. لو مت وقتها كان اهون من اللي حسيته
المحبة اللي كانت جوايا حل محلها غضب أسود. مأناقشتش، منزلتش مني دمعة واحدة قدامهم، اتديرت وخرجت من المستشفى من غير ما أبص ورايا، ولا حتى أطمن على حفيدى.. رجعت بيتي، قفلت الباب ورايا بالمفتاح. ودخلت أوضتي القديمة، جيبت شاكوش وكسرت بلاطة معينة في أركان الأوضة أنا عارفاها كويس. حفرت شوية وطلعت قماشة قديمة ملفوفة ومتربة.
بصيت للقماشة اللي في إيدي وأنا عارفة هعمل إيه كويس. مش هعيط، ولا هقول خسارة تربيتي فيك يا عامر، لأن اللي يهين أمه قدام الغريب ويسيبها تتهان يبقى مترباش.. بس ملحوقة، جيه وقت تربيته بطريقتي.!!!!!
فتحت القماشة القديمة وأنا إيديا بترتعش، مش من الخوف، لأ.. من كتر الغل والصدمة اللي كلت قلبي. جوا القماشة دي كان فيه دفتر شيكات قديم لسه على بياض، وعقد ملكية البيت الكبير اللي عامر ومراته عايشين فيه، وعقد تاني لقطعة أرض في وسط البلد تسوى ملايين. عامر طول عمره فاهم إن والده الله يرحمه مات ومحيلتوش غير معاشه البسيط، وميعرفش إن أبوه قبل ما يموت كتب كل أملاكه باسمي “بيع وشراء” عشان كان حاسس بجحود ابنه، وقالي: “يا نوال، الفلوس دي أمانة معاكي، متظهريهاش إلا لو الزمن جار عليكي والواد ده اتقلب عليكي”.
وفعلاً، الزمن جار عليا من ابني نفسه.
لميت الورق كله في شنطتي، ومسحت تلات سنين من الحزن والاكتئاب في ثانية واحدة. الصبح طلع، لبست أحسن طقم عندي، ورحت على مكتب أكبر محامي في المنطقة، ودخلت وقعدت وحطيت العقود قدامه على المكتب وقولتله بنبرة حديد: “عايزة أرفع قضية طرد لعامر المحمدي ومراته من بيتي، وعايزة الحجز على محله اللي شغال فيه.. المحل ده قايم على أرضي أنا، ورخصته منتهية وباسمي”.
المحامي بحلق في الورق وقالي بذهول: “يا حاجّة، ده ابنك الوحيد! وقضية زي دي هتخليه في الشارع هو وعياله في خلال أسبوعين بالكتير، لأن العقود سليمة ١٠٠٪ والبيت ملكك لوحدك”.
بصيتله وعيني مفيهاش نقطة رحمة وقولتله: “نفذ وأنت ساكت، واللي تطلبه من مصاريف هيجيلك حالا”.
بعد تلات أيام بالظبط..
كان عامر قاعد في صالة بيته، ومراته هبة عمالة تأكله في ودنه وتدعي عليا والواد ياسين نايم ودراعه في الجبس. فجأة، الباب خبط بقوة. عامر فتح، لقى محضر واقف قدامه ومعاه ورقة رسمية.
عامر أخد الورقة وقرأها، والدم هرب من عروقه، وشه بقى أزرق وزي الأموات. هبة جريت عليه وقالتله بخضة: “في إيه يا عامر؟ مالك اتسمرت كده ليه؟!”
عامر صوت حشرج في زوره وقال وهو مش مصدق: “أمي.. أمي رافعة علينا قضية طرد من الشقة، وكمان حجز على المحل بتاعي! ومكتوب هنا إن البيت كله ملكها والمحل قايم على أرضها!”
هبة ضحكت بسخرية وقالت: “ملكها إيه وأرض إيه؟ دي ولية غلبانة وعايشة على معاش أبوك! تلاقيها بتخرف ولا حد ضاحك عليها.. اطلبها هزأها وقولها تلم الدور”.
عامر مسك التليفون وإيده بترحف، واتصل بيا. كنت قاعدة في صالون بيتي، بشرب شاي بالياسمين في هدوء تام، والتليفون رن. فتحت الخط وحطيته على ودني من غير ما أنطق بحرف.
سمعت صوت عامر وهو مرعوب وبيعلو: “أمي! إيه الجنان اللي الممسوح ده؟ محضر جايلي يطردني من بيتي ويقفل محلي؟ إنتي جرا لمخك حاجة؟!”
رديت عليه بكل برود، نبرة صوتي كانت غريبة عليه، مسمعهاش مني طول حياته: “الجنان ده هو اللي هيعلمك الأدب يا عامر. البيت اللي أنت ومراتك قاعدين فيه بتاعي، والمحل اللي بياكلك عيش بتاعي. قدامكم بالظبط ٤٨ ساعة، تلموا هلاهيلكم وتطلعوا برا بيتي، والمحل هيتقفل بالشمع الأحمر من بكرة الصبح”.
صوت هبة طلع من وراه وهي بتصرخ وتخطف التليفون: “إنتي اتجننتي يا ولية يا كركوبة؟ بتطردينا إحنا؟ طيب وربنا ما هنسيب البيت، وأعلى ما في خيلك اركبيه، هنشوف مين اللي هيطرد مين!”
قومت واقفة، وقولت بضحكة هزت الشقة: “هنشوف يا بنت أمك.. الـ ٤٨ ساعة بدأوا من دلوقتي، ولو مخرجتوش، هتيجوا تتفرجوا عليا وأنا برمي حاجتكم في الشارع بالشرطة.. سلام يا فالحين”.
قفلت السكة في وشهم، وأنا شايفة في خيالي شكل عامر وهو برجه بيطير من دماغه، ومش مستوعب إن الأم الطيب الغلبانة اللي كانت بتنظف ورا مراته، هتبقى هي السبب في دمار مستقبله.
