دخل غرفة العمليات3

وقع تليفون المكتب من إيد ماجد. الكوارث عمالة تِخبط فوق راسه ورا بعضها زي الموج. ولاء هربت وهي لسه جرحها مفتوح وممكن ينزف في أي لحظة، والنيابة بره في الاستقبال بتحقق في بلاغ تزوير وإهمال!

ماجد أخد نفس عميق، حاول يجمع ثباته الانفعالي اللي بيتميز بيه في الأزمات. دخل الاستقبال بخطوات ثابتة ووش خالي من التعبير. لقى وكيل النيابة قاعد على مكتب الاستقبال وحواليه اتنين من مفتشين وزارة الصحة، ومعاهم مدير المستشفى اللي كان وشه جايب ألوان.

“أنا دكتور ماجد، استشاري النساء والتوليد. خير يا فندم؟” قالها ماجد بنبرة هادية ورزينة.

وكيل النيابة بص له بنظرة فاحصة وقال: “جايلنا بلاغ رسمي من شخص يدعى (فريد عبد المولى)، بيتهمك فيه باستغلال منصبك في المستشفى الحكومي، وتوليد حالة طوارئ دخلت الصبح باسم وهمي بدون تذكرة دخول أو تسجيل رسمي، والتستر عليها، وتزوير أوراق رسمية لنسب طفل مش ابنك عن طريق مأذون شرعي جبته جوه المستشفى بدون علم الإدارة.”

مدير المستشفى اتكلم بسرعة: “يا دكتور ماجد، الكلام ده صحيح؟ المأذون دخل هنا فعلاً؟”

ماجد ابتسم ابتسامة ثقة مفيش وراها غير بركان شغال جوه صدره، وقعد على الكرسي قدام وكيل النيابة: “يا فندم البلاغ ده كيدي 100%، والأستاذ فريد ده لسه خارج من عندي بعد ما سددت له ديون تخص المريضة، وجاي ينتقم. أولاً، الست اللي ولدت دي تبقى (ولاء محمد)، بنت عمي وزوجتي شرعاً وقانوناً، وده دفتر الرد الرسمي اللي لسه المأذون كاتبه من نص ساعة والشهود دكاترة زمايلي من المستشفى.”

طلع ماجد قسيمة الرد وحطها قدام وكيل النيابة: “ثانياً، المريضة دخلت حالة طوارئ قصوى (انفصال مبكر في المشيمة ونقص أكسجين للجنين)، والطب والقانون بيلزموني كطبيب أتدخل فوراً لإنقاذ حياة الأم والجنين بدون انتظار أي إجراءات ورقية.. التذكرة كانت بتتكتب في نفس اللحظة اللي أنا جوه العمليات بنقذ فيها طفل من الموت، وتقدروا تراجعوا دفتر الطوارئ وجهاز المونيتور في الحضانة اللي بيثبت إن ابني (يحيى) كان بيموت ولحقته.”

وكيل النيابة فحص الورق بتمعن، وبص لمفتشين وزارة الصحة اللي هزوا راسهم بالموافقة على كلام ماجد الطبي. وكيل النيابة قفل محفظته وقال: “الأوراق الرسمية للرد صحيحة يا دكتور، وحالة الطوارئ مثبتة. البلاغ كده هتحفظ إدارياً لعدم صحته وكيديته.. بس في مشكلة صغيرة.”

ماجد قلبه انقبض: “مشكلة إيه يا فندم؟”

وكيل النيابة: “إحنا ومفتشين الصحة لسه مرينا على الأوضة رقم 4 عشان نسأل المريضة ونقفل المحضر، الأوضة لقياها فاضية تماماً والمريضة مش موجودة. إزاي حالة بالخطورة دي تخرج من المستشفى بعد قيصرية بكام ساعة ومن غير إذن خروج طبي؟ ده إهمال جسيم من تمريض الدور، وإخلاء مسؤولية لازم تثبته فوراً.”

ماجد وقف ورجليه بالعافية شايلينه، بس تظاهر بالجمود: “المريضة هربت يا فندم.. للأسف في خلافات عائلية سابقة وهي اتسللت من الباب الخلفي. أنا لسه مطلع قوة تمريض تدور عليها، وبطلب من سيادتك إثبات حالة الهروب لحمايتها وحماية المستشفى، لأن جرحها خطر.”

بعد ساعة من التحقيقات وإثبات حالة هروب ولاء في دفاتر المستشفى، انصرفت النيابة. ماجد رجع مكتبه، رمى كل حاجة على المكتب وزعق من قاع قلبه.. الوجع والخوف عليها وعلى ابنهم كان بياكل في ضلوعه.

تليفونه رن.. لقى رقم غريب. فتح الخط بسرعة: “ألو! ولاء؟”

جاله صوت خشن وضاحك بسخرية: “لأ مش ولاء يا دكتور.. أنا فريد.”

ماجد عروق رقبتة برزت وصوته بقى زي الرعد: “انتي فين يا كلب؟ ولاء معاك؟”

فريد ضحك: “معايا؟ لأ مش معايا.. بس أنا شوفتها وهي بتجري زي الفرخة المذبوحة هي والست التانية وراكبين ميكروباص رايح موقف المنصورة عشان يهربوا على دمنهور. أنا قولت أبلغك بس عشان تعرف إن اللعب معايا خسارة، والبلاغ اللي عملته في النيابة كان قرصة ودن، والمرة الجاية هكون واخد روحي وروحي في إيدي.. سلام يا دكتور.”

الخط قفل. ماجد مأداش لنفسه فرصة يفكر. جرى على أوضة الحضانات، بص على يحيى لقى الممرضين مهتمين بيه جداً والدكتور المقيم متابعه خطوة بخطوة.

“أنا خارج وراجع الصبح.. يحيى في رقبتكم، لو جراله حاجة هطير فيها رقاب.” قالها ماجد للدكتور المقيم اللي هز راسه برعب.

ماجد نزل، ركب عربيتة وطار بيها على طريق دمنهور. المطر كان بينزل بغزارة، والمساحات مش ملاحقة على الإزاز، وعينيه كانت بتدور وسط الميكروباصات اللي على الطريق.. كان سايق بسرعة جنونية، وعقله مبيفكرش غير في شكل ولاء وجرحها اللي ممكن ينزف تحت هدومها من مجهود الحركة والميكروباص وهز الطريق. “سامحيني يا رب.. احميها واحمي ابني.” كان بيدعي والدموع في عينيه.

وصل دمنهور بعد حوالي ساعتين ونص. راح علطول على العنوان اللي كان مكتوب في وصلات الأمانة بتاعة فريد. منطقة شعبية، البيوت فيها قريبة من بعضها والشوارع ضيقة.

نزل من العربية وجرى وسط المطر والوحل لغاية ما وصل للبيت. طلع السلم بسرعة لغاية الدور الثالث زي ما الجارة كانت قايلة له. لقى الباب موارب وسامع صوت همس جوه.

زق الباب وقام داخل.. لقى ولاء قاعدة على كنبة قديمة، وشها أصفر كأنها ميتة، وجارتها قاعدة جنبه وبتحط لها كمادات مية دافية على راسها، والست كانت بتعيط. ولاء أول ما شافت ماجد واقف عند الباب وهدومه مبلولة ومتبهدل، عينيها اتفتحت بـ زهول وخوف.. وحطت إيدها على بطنها بألم رهيب.

“ماجد..” نطقت اسمه بصوت طالع بالعافية.

ماجد قرب منها وجثا على ركبه قدام الكنبة، ومد إيده لقى حرارتها عالية جداً، وبص على العباية بتاعتها لقى في بقعة دم بدأت تظهر مكان الجرح.

“انتي مجنونة؟” صرخ ماجد بدموع مكتومة وهو بيمسك إيديها المرتعشة: “كنتي هتموتي نفسك؟ بتهربي مني وتضيعي حياتك عشان العند؟ الجرح بينزف يا ولاء! وعندك حمى نفاس هتبدأ من مجهود السفر!”

ولاء بكت بكسرة ودموعها نزلت على خدها الأصفر: “أموت يا ماجد.. أموت أحسن ما أرجع للراجل اللي كسرني.. سيبني في حالي.. أنا مش عايزة منك حاجة.. سيبني أموت هنا.”

ماجد حضن إيديها وضغطهم على جبهته وهو بيبكي: “مش هتموتي.. مش هسيبك تموتي وتضيعي مني تاني. أنا شيلت ذنبك مرة ومش هشيله تاني طول عمري.”

التفت للجارة وزعق: “جهزي لها أي هدوم تقيلة حالا.. هخدها على المستشفى عندي في المنصورة.”

ولاء حاولت تزقه بضعف: “مش هروح معاك.. مش هروح..”

وفجأة.. الباب الخارجي للشقة اتزق بعنف، ودخل تلات رجالة ماسكين في إيديهم شوم وأسلحة بيضاء، ووراهم كان واقف فريد وبيرمش بعينيه بشر وشماتة:

“أهو الدكتور اهو يا رجالة.. الراجل اللي جه لغاية عندنا عشان يستعرض عضلاته ويهددني في أكل عيشي. انزلوا فيه ضرب وكسروا له العربية اللي بره دي.. عشان يعرف إزاي يمد إيده على فريد عبد المولى في بلده!”

ماجد وقف ببطء، ولف ضهره للرجالة، ووقف قدام الكنبة اللي عليها ولاء كأنه حيطة سد.. وعينيه اتغيرت 180 درجة مفيهاش غير الغضب الأعمى.

الرجالة هجموا جوه الشقة الضيقة، والمكان اتقلب لمصيدة موت. ماجد مكنش بيفكر في نفسه؛ كان باصص لولاء اللي صرخت من الرعب وحطت إيديها على راسها، وجارتها لمت نفسها في زاوية الأوضة وبتصوت.

أول واحد قرب من ماجد رفع شومة خشب تقيلة وكان نازل بيها على دماغه، ماجد تفادى الضربة بلمح البصر، الشومة خبطت في كتفه بقوة حس معها إن عضمنه بتتفتت، بس الوجع ولّع جواه غريزة وحش جريح. مسك الشومة من إيد الراجل وبكل قوته ضربه بـ “روسية” في وشه عمته، ولف بالشومة وضرب التاني في رجله وقعه الأرض يصرخ.

فريد واقف عند الباب وشه اتقلب، مكنش متخيل إن الدكتور اللي لابس قميص وبنطلون ومتبهدل من المطر ممكن يقاتل بالشراسة دي. زعق في الراجل الثالث اللي معاه مطواة: “خلص عليه يا غبي!! مستني إيه؟!”

الراجل قرب من ماجد وبدأ يلوّح بالمطواة، ماجد كان بيرجع لورا عينه مش مِفارقة السلاح، وفي لحظة خاطفة، الراجل هجم، ماجد مسك إيده اللي فيها المطواة وحاول يلويها، السلاح جرح إيد ماجد ونزل دم بغزارة، بس ماجد مسبش الإيد، وبكل غله زق الراجل بكل قوته ناحية الحيطة، خبط دماغه وقعد في الأرض دايخ.

التفت ماجد لفريد وهو بينهج، والدم سايل من إيده ومن كتفه، وعينيه مفيهاش أي رحمة. فريد ركب الرعب في ركبه، لقى نفسه لوحده، والرجالة اللي جايبهم مرميين في الأرض. لَف ضهره وجرى على السلم زي المجنون.

ماجد مقدرش يجري وراه؛ جثا على ركبه تاني قدام ولاء اللي كانت بتترعش ومنهارة من العياط والخوف. مسك وشها بإيده اللي مش مجروحة: “ولاء.. بصيلي.. أنا كويس.. متخافيش.. طول ما أنا فيا النفس مفيش كلب هيلمسك.”

ولاء شافت منظره، دمه اللي سايح، كتفه اللي مش قادر يحركه، ومع ذلك عينه مفيهاش غير الخوف عليها هي. بكت بصوت مسموع: “إيدك بتنزف يا ماجد.. انت هتموت بسببي.. امشي وسيبني.”

ماجد ابتسم وسط تعبه وباس جبينها: “أموت في حضنك ولا أعيش من غيرك يا بنت عمي. فوقي معايا.. الجرح بتاعك فتح أكتر ولازم ننزل حالا.”

شاور للجارة اللي كانت بتترعش: “ساعديني نقومها.. لازم نخرج من هنا قبل ما الكلاب دي تفوق.”

شال ولاء بالراحة على إيده السليمة وسندها، وجارتها لمت شنطة الهدوم ونزلوا السلم بسرعة. ركبوا العربية، ماجد ساق بإيد واحدة وهو بيضغط على جرح إيده بالدريكسيون عشان يوقف الدم. المطر كان لسه بيرزع في الأرض، بس طريق الرجوع للمنصورة كان أسرع لأن الخوف كان بيدي ماجد طاقة مرعبة.

وصلوا المستشفى على الفجر. المستشفى اتقلبت طوارئ لما شافوا الاستشاري بتاعهم داخل متبهدل ودمه سايح وشايل طليقته اللي هربت.

دخلوا ولاء العمليات فورا عشان إعادة تنظيف وتقفيل الجرح، وماجد رفض يتخدر كلي؛ خلى دكتور زميله يخيط له جرح إيده ويربط له كتفه بنج موضعي، وكان واقف فوق راس الدكتور اللي شغال في ولاء يتابع كل غرزة بنفسه لحد ما اطمن إن الرحم سليم ومفيش نزيف داخلي، وإن حرارتها بدأت تنزل بالمحاليل والمضادات الحيوية الشديدة.

على الساعة سبعة الصبح، ولاء اتنقلت أوضة العناية المركزة المتوسطة عشان تفوق، وماجد كان قاعد على الكرسي جنبها، رابط إيده ورقبتها سانداها إشاعة بتقول إن كتفه فيه جزع شديد.

فتحت عينها ببطء، لقت النور الخفيف بتاع الصبح داخل من الشباك، ولقت ماجد قاعد باصص لها وعينيه منفوخة من قلة النوم والتعب.

“يحيى..” كانت أول كلمة تنطقها.

ماجد اتنفس براحة وقام وقف بصعوبة، قرب منها ول مسك إيدها: “يحيى فوق في الحضانة، لسه مكلم الدكتور المقيم، قالي الأكسجين بقى 98% وشالوا من عليه الأنبوبة تماماً، وكمان ساعتين هيخرج من الحضانة وييجي في حضنك.”

دموعها نزلت، بس المرة دي دموع راحة. بصت لشاش إيده وكتفه المربوط، وقالت بصوت واطي: “شكراً يا ماجد.. شكراً إنك أنقذتني وأنقذت ابني.. أنا مكنتش هعرف أعيش لو حصله حاجة.”

ماجد قعد على طرف السرير ونزل راسه: “متشكرينيش يا ولاء. أنا كنت بعوض جزء من قذارتي معاكي. أنا مش طالب منك نرجع نعيش كزوج وزوجة حالا، الورقة بتاعة الرد معاكي، وانتي على ذمتي قدام ربنا والناس عشان اسم ابني وعشان محدش يلمسك، بس الشقة هتقعدي فيها معززة مكرمة، وأنا هقعد في أوضة في المستشفى أو هأجر مكان تاني.. لحد ما قلبك يصفالي.. لو صِفى في يوم من الأيام.”

ولاء بصت له بنظرة طويلة، مكنش فيها الغل بتاع امبارح، كان فيها تعب وهدوء: “أنا محتاجة وقت يا ماجد.. الوجع بتاع سبع شهور مش بيروح في ليلة.”

ماجد ابتسم: “معاكي العمر كله يا أم يحيى.”

في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخلت الممرضة وهي شايلة لفة بين إيديه، لفة بيضاء صغيرة.. يحيى.

الممرضة ابتسمت: “البطل خرج من الحضانة وبقى زي الفل وجاي يشوف بابا وماما.”

ولاء اتعدلت بلهفة وإيديها بتترعش، الممرضة حطت يحيى في حضنها. أول ما لمس صدرها، السكون حل في الأوضة. ولاء بدأت تبوسه وتعيط، وماجد انحنى وباس راس الولد وراس أمّه، وحس لأول مرة من سبع شهور إن روحه رجعت لـ جسمه.

لكن الفرحة مكملتش ربع ساعة..

الباب خبط، ودخل رئيس تمريض المستشفى وراه تلاتة من رجال الشرطة بملابس مدنية، وواحد منهم طلع كارنيه النيابة وبص لماجد بولاء:

“دكتور ماجد.. مدام ولاء.. إحنا معانا أمر ضبط وإحضار ليكم انتوا الاتنين من النيابة الكلية بالمنصورة.. بناءً على محضر رسمي متقدم من ساعة واحدة بس من وزارة الصحة، بعد ما فحصوا ملف المريضة وجهاز البصمة الإلكتروني.. واكتشفوا إن الفصيلة المسجلة في أوراق المستشفى باسم “ولاء محمد” والدم اللي اتنقل لها، فيه كارثة طبية تانية تقلب القضية جنائية وتثبت إن الولد ده.. مستحيل يكون ابنك يا دكتور!”

وقعت الكلمة في الأوضة زي صاعقة نسفت كل لحظات الفرحة. ماجد وقف مكانه، حاسس إن الأرض بتهتز تحت رجليه. بص لظابط المباحث وبص للورقة اللي في إيده، وبعدين بص لولاء اللي اتسمرت في مكانها والدم هرب من وشها وهي حاضنة يحيى بكل قوتها كأنهم هيخطفوه منها.

“انت بتقول إيه؟” صرخ ماجد وصوته طلع مخنوق من الصدمة: “أوراق إيه وكارثة إيه؟! أنا استشاري التحاليل وبنك الدم هنا، الدم اللي اتنقل لولاء كان فصيلة O سلبية بناءً على حالتها الحرجة وعينات المعمل!”

الظابط بملامح جامدة: “يا دكتور ماجد، المحضر مش طالع من المستشفى هنا، ده تقرير لجنة من وزارة الصحة فحصت عينات الدم الموثقة للمريضة في المعمل الإقليمي، والتقرير بيقول إن فصيلة دم المدام ولاء هي (AB) إيجابي، والطفل يحيى فصيلة دمه (O) سلبي. وطبقاً لقوانين علم الوراثة والطب الشرعي، مستحيل أم فصيلتها (AB) تخلف طفل فصيلته (O) تحت أي ظرف طبي في العالم! البلاغ بيتهمكم بتبديل أطفال في المستشفى أو تزوير نسب الجنين، واتفضل معانا من غير شوشرة.”

ماجد حس إن عقله هيطير. الكلام اللي بيقوله الظابط صح من الناحية الطبية العلمية؛ AB مبيخلفش O نهائي، لأن جينات الأم لازم تورث إما A أو B. بص لولاء بعينين مليانة رعب وحيرة، لقاها بتبكي بانهيار وبتصرخ: “والله العظيم ابني! والله ما لمسني راجل غيرك يا ماجد! أنا ولدت قدام عينيك.. انت اللي مخرجه بإيديك من بطني! إزاي مش ابني؟!”

“اهدي.. اهدي يا ولاء” ماجد قعد على ركبه قدامها، وبص في عينيها مباشرة. غريزة الدكتور والراجل اللي لسه مخلص معركة عشانها ثبتته. هو ولّدها بنفسه، وشاف المشيمة والحبل السري، مفيش مجال لتبديل أو تزوير. في حلقة مفقودة.

التفت للظابط وقال بحسم وثبات: “أنا هأجي معاكم، والمدام هتيجي بس في عربية إسعاف لأن حالتها متسمحش بحجز أو حركة. وأنا بطلب رسمياً تحويلنا للطب الشرعي وعمل تحليل بصمة وراثية (DNA) فورا.. ده الفيصل الوحيد.”

بعد 48 ساعة من القلق والتحقيقات، والتحفظ على ماجد وولاء في المستشفى تحت حراسة الشرطة، ظهرت نتيجة تحليل الـ DNA من مصلحة الطب الشرعي بالقاهرة.

في مكتب وكيل النيابة الكلية، كان ماجد واقف وكتفه مربوط، وولاء قاعدة على كرسي ودموعها جفت من كتر الخوف، ويحيى نايم في لفته بين إيد جارتها اللي مصممتش تسيبهم.

وكيل النيابة فتح المغلف المغلق بختم الشمع الأحمر، وبص في الورق بتركيز طويل، وملامحه الصارمة بدأت تتغير لدهشة وذهول. رفع عينه وبص لماجد وولاء:

“الطب الشرعي النهاردة باعت لنا تقرير غريب جداً.. تقرير بيتقال إنه مبيمرش على الدكاترة والمحاكم غير مرة كل كام مليون حالة.”

ماجد قدم خطوة: “خير يا فندم؟ النتيجة إيه؟”

وكيل النيابة قرا من واقع التقرير: “تحليل البصمة الوراثية أثبت بما لا يدع مجالاً للشك إن الطفل يحيى هو الابن البيولوجي الشرعي للدكتور ماجد.. والابن البيولوجي الشرعي للمدام ولاء بنسبة 99.99%.”

ولاء صرخت صرخة فرحة وهزت الأوضة: “الحمد لله! يا رب انصرتني! الحمد لله!”

ماجد اتنفس الصعداء وحس إن روحه رجعت، بس سأل وكيل النيابة بذهول دكتور: “طب وإزاي الفصائل يا فندم؟ علمياً ده مستحيل!”

وكيل النيابة ابتسم وطلع تقرير طبي مرفق مأمي عليه من أطباء وراثة بجامعة القاهرة: “التقرير الطبي المرفق بيفسر ده بحالة طبية نادرة جداً اسمها (بومباي فينوتايب – Bombay Phenotype) أو الفصيلة البومبائية القنبلة. المدام ولاء فصيلتها جينياً مش AB، هي فصيلتها الحقيقية طفرة نادرة بتظهر في التحاليل العادية كأنها AB أو B، لكنها مابتورثش الجينات دي، وبتسمح بظهور فصيلة O في الأطفال. وبناءً عليه، القضية اتقفلت تماماً، والبلاغ اتحفظ، وانتم أحرار.”

خرجوا من مبنى النيابة، الشمس كانت طالعة والجو دافي بعد ليلة المطر الطويلة. ماجد كان ماشي جنب ولاء، وجارتها شايلة يحيى ووراهم.

وقفوا قدام العربية، ماجد التفت لولاء وبص لها بحب واحترام كبير: “ولاء.. ربنا برأك وبصم على معجزته قدام الدنيا كلها. الطب اللي أنا كنت مغرور بيه وقف عاجز ومفسرش اللي حصل غير بعد ما بهدلنا. أنا اتعلمت الدرس.”

ولاء بصت ليحيى اللي فتح عينيه الصغيرين للشمس، وبعدين بصت لماجد.. النظرة المرة دي مكنش فيها خوف ولا رفض، كان فيها هدوء وبداية تراجع للجرح القديم.

“أنا لسه منسيتش يا ماجد” قالتها بصوت هادي: “بس يحيى محتاج أمان، ومحتاج أبوه اللي دافع عنه وعن أمه بدمه.”

ماجد ابتسم ودموعه لمعت: “وأنا مش عايز غير إني أكون الأمان ده. الشقة جاهزة، هتوصلوا بالسلامة ترتاحي، وأنا هقعد في شقة تانية قريبة منكم.. لغاية ما يحيى بنفسه يطلب من أمه ترجع لـ بابا.”

فتحلها باب العربية، ركبت وجنبها يحيى وجارتها، وماجد ركب ودار العربية، ومشيوا في طريق جديد.. طريق مفيش فيه قسوة ولا غرور، طريق بدأ بصرخة طفل رجع يحيي الحياة في قلبين ماتوا من سبع شهور.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *