طفله حكايات اسما السيد 3

بعد زيارة أمي بأسبوع تقريبًا بدأت الحياة ترجع لشبه الطبيعي. سلينا كانت بتروح جلسات العلاج الطبيعي مرتين في الأسبوع، وأنا بقيت أرتب شغلي على مواعيدها مهما كانت عندي اجتماعات أو قضايا مهمة. الغريب إن الإصابة قربتنا من بعض بطريقة ما حصلتش من سنين. بقت تحكيلي كل حاجة. كل تفصيلة. كل إحساس. كل خوف كانت بتخبيه علشان ما تزودش همومي.

وفي إحدى الليالي كنت بدخل أوضتها علشان أطمن عليها قبل النوم، فسمعتها بتتكلم في التليفون بصوت واطي. أول ما دخلت قفلت المكالمة بسرعة.

ابتسمت وقلت:

“مين؟”

احمر وشها وقالت:

“صاحبتي.”

ما ضغطتش عليها.

لكن بعد يومين عرفت الحقيقة.

المدرسة اتصلت بيا.

في البداية افتكرت إن الموضوع يخص غيابها بسبب العلاج.

لكن الأخصائية الاجتماعية قالت جملة خلتني أتوتر:

“مدام… إحنا قلقانين على سلينا.”

قلبي انقبض فورًا.

“ليه؟”

قالت:

“في بنت في الفصل قالت إن سلينا بقالها فترة بتقعد لوحدها في الفسحة وبتقول إنها ما بقتش تثق في حد.”

سكتت.

ثم أضافت:

“وقالت كمان إنها لو وقعت أو تعبت محدش هيساعدها.”

قفلت المكالمة وأنا حاسة إن حد ضغط على صدري.

لأن الكسر كان بيخف.

لكن أثر اللي حصل كان لسه عايش جواها.

في نفس اليوم أخدتها بالعربية بعد المدرسة بدل السائق.

فضلنا ساكتين شوية.

ثم قلت بهدوء:

“إنتِ زعلانة؟”

هزت كتفها.

“عادي.”

عرفت فورًا إنها مش عادي.

قلت:

“الأخصائية اتصلت بيا.”

سكتت.

ثم بصت من الشباك.

وبدأت دموعها تنزل.

من غير صوت.

من غير بكاء.

بس دموع.

وقالت:

“أنا كنت فاكرة جدو وتيتة بيحبوني.”

الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.

قلت بسرعة:

“هما بيحبوكي.”

هزت رأسها.

“اللي بيحب حد ما يسيبوش وهو بيتوجع.”

ما عرفتش أرد.

لأن جزء مني كان حاسس إنها عندها حق.

وصلنا البيت.

وقعدنا في الجنينة الخلفية.

وكان أول حوار حقيقي بينا عن اللي حصل.

قالت إنها فضلت طول الرحلة تحاول تقنع نفسها إنهم أكيد هيودوها مستشفى بعد شوية.

وبعد ساعة كانت بتقول أكيد بعد الغدا.

وبعد الغدا كانت بتقول أكيد لما نرجع الفندق.

وبعد الفندق كانت بتقول أكيد بكرة.

لكن بكرة ما جاش.

وكل مرة كانوا يرفضوا كانت بتحس إن قيمتها أقل.

إن راحتها أقل أهمية.

إنها عبء.

وفي اللحظة دي فهمت ليه الموضوع أكبر من مجرد كسر.

لأن اللي اتكسر كان إحساسها بالأمان.

وبدأت من يومها أوديها جلسات مع أخصائية نفسية.

في الأول رفضت.

قالت إنها مش مجنونة.

لكن بعد عدة جلسات بدأت تتكلم.

وبدأت ترجع تضحك.

وبدأت ترجع للبنت اللي أعرفها.

أو على الأقل نسخة جديدة منها.

أقوى شوية.

وأوعى شوية.

لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها إن أثر الرحلة ما كانش خلص.

لأن بعد شهر تقريبًا وصلتني رسالة إلكترونية من إدارة المدرسة.

وكان عنوانها:

“واقعة تنمر خطيرة تستدعي حضور ولي الأمر.”

وأول اسم قرأته في التقرير خلاني أتجمد مكاني.

كريم.

ابن خالها.

كان قدام المدرسة.

وكان سبب مشكلة جديدة هتقلب العيلة كلها من أول وجديد.أول ما قريت اسم كريم حسيت معدتي اتقبضت. في البداية افتكرت إن الموضوع مجرد خناقة مراهقين أو مشادة عادية في المدرسة. لكن لما وصلت مكتب المديرة وعرفت التفاصيل، فهمت إن المشكلة أكبر من كده بكتير.

سلينا كانت قاعدة في مكتب الأخصائية الاجتماعية. وشها شاحب وعينيها حمرا من العياط. أول ما شافتني قامت وحضنتني بقوة.

قلت بهدوء:

“إيه اللي حصل؟”

الأخصائية تنهدت وقالت:

“كريم جه المدرسة النهارده.”

اتجمدت.

“جه هنا ليه؟”

قالت:

“قال إنه جاي يعتذر.”

بصيت لسلينا.

فقالت بصوت مبحوح:

“أنا ما كنتش عايزة أشوفه.”

الأخصائية كملت:

“في البداية كان الكلام هادي. بعدين حصلت مشادة.”

مدتلي ورقة مطبوعة.

كان تقرير من كاميرات المدرسة.

شغلت الفيديو.

وشفت كريم واقف قدام سلينا في الفناء.

كان بيحاول يكلمها.

وهي بترفض.

وبعدين سمعته بيقول جملة خلت دمي يغلي:

“إنتِ اللي خربتي العيلة كلها.”

سلينا كانت واقفة مكانها.

واضح عليها الصدمة.

أما كريم فكمل:

“من ساعة اللي حصل وكل الناس بتبصلي كأني مجرم.”

“جدو مبقاش يكلمني.”

“بابا كل يوم يزعقلي.”

“إنتِ السبب.”

في اللحظة دي شفت بنتي بتلف وتمشي.

لكن كريم مسك دراعها.

ثانية واحدة بس.

لكنها كانت كفاية.

سلينا صرخت.

صرخة قوية.

صرخة خارجة من خوف متراكم بقاله شهور.

ووقعت على الأرض وهي بتعيط.

—

قفلت الفيديو وأنا بحاول أسيطر على نفسي.

قلت:

“هو فين دلوقتي؟”

المديرة قالت:

“أبوه أخده.”

خرجت من المدرسة وأنا حاسة إن النار بتاكلني من جوا.

لكن أول ما بصيت لسلينا عرفت إن غضبي مش هو المهم.

المهم هي.

ركبنا العربية.

وفضلت ساكتة طول الطريق.

لحد ما قالت فجأة:

“هو ليه بيكرهني؟”

وقفت العربية على جنب.

وبصيتلها.

قلت:

“هو ما بيكرهكيش.”

قالت:

“أمال ليه بيعمل كده؟”

تنهدت.

لأن الحقيقة كانت أصعب من أي إجابة بسيطة.

قلت:

“في ناس لما تغلط غلطة كبيرة ما بتعرفش تواجه نفسها.”

“فتدور على أي حد تلومه.”

“وكريم اختارك إنتِ.”

سكتت شوية.

ثم قالت:

“بس أنا ما عملتش حاجة.”

مديت إيدي ومسكت إيدها.

وقلت:

“عارفة.”

“وأهم حاجة إنك إنتِ تعرفي كده.”

—

في نفس الليلة رن تليفوني.

كان طارق.

رديت.

وصوته كان مكسور بشكل ما سمعتوش منه قبل كده.

قال:

“أنا تعبت.”

سكت.

ثم قال:

“مش عارف أتعامل مع كريم.”

لأول مرة ما كانش بيتكلم كأخ متعصب.

كان بيتكلم كأب مرعوب.

قال إن كريم بطل يخرج من أوضته.

وبطل يلعب كورة.

وبقى عصبي طول الوقت.

وإن المدرسة استدعته أكتر من مرة.

وإن الولد كل ما حد يجيب سيرة الرحلة ينهار.

ثم سكت لحظة طويلة وقال:

“أنا فاكر إني كنت بحميه.”

“لكن يمكن أنا اللي ضيعته.”

الجملة دي فضلت ترن في دماغي ساعات.

لأنها كانت الحقيقة.

من أول يوم وقع فيه سلينا.

ماحدش وقف كريم قدام غلطه.

كلهم حاولوا يغطوا عليه.

ويقللوا اللي حصل.

ويبرروا.

ولما الطفل ما بيتحاسبش…

بيتعلم إن المشكلة مش في اللي عمله.

المشكلة في اللي كشفه.

—

بعد أسبوعين حصل شيء ما كنتش متوقعاه.

كنت راجعة من الشغل.

ولقيت ظرف أبيض تحت باب الشقة.

من غير اسم مرسل.

فتحته.

وجوا كان فيه جواب بخط إيد كريم.

خط طفل مرتبك.

وفي أول سطر مكتوب:

“أنا عارف إن حضرتك يمكن تكرهيني.”

وقفت مكاني أكمل القراءة.

“أنا ما كنتش عايز أوقع سلينا كده.”

“كنت غيران.”

“وكنت فاكر إن مجرد زقة صغيرة مش هتعمل حاجة.”

“ولما وقعت خفت.”

“ولما خفت كذبت.”

“ولما كذبت بقيت بخاف أكتر.”

“وكل يوم كنت بصحى أتمنى أصحى ألاقي اللي حصل ما حصلش.”

دموعي نزلت وأنا بكمل.

لأن لأول مرة من شهور…

حد من العيلة كلها كان بيقول الحقيقة كاملة.

من غير تبرير.

من غير أعذار.

من غير كلمة “هزار”.

ولا “قضاء وقدر”.

ولا “بطلوا تكبير للموضوع”.

بس الحقيقة.

وفي آخر الجواب كانت جملة واحدة:

“لو سلينا عمرها ما سامحتنيش أنا هتفهم… بس قوليلها إني آسف بجد.”

قفلت الخطاب.

وبصيت ناحية أوضة بنتي.

وعرفت إن القرار المرة دي مش قراري أنا.

القرار كان قرارها هي.

هل هتسامح؟

ولا الجرح لسه أعمق من كده؟

ولأول مرة من يوم الرحلة…

كنت مستعدة أسيب الإجابة كلها في إيدها.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *