قايمة زواج حكايات رومانى مكرم 1

خطيبي جاب قايمة فاضية ومضي علي بياض وقال لأبويا أكتب اللي تحبه علشان اللي شاري مابيفرقش معاه الحاجات دي

ياعيني كان فاكر ابويا هايقوله لا يابني احنا بنشتري راجل ومش بيفرق معانا الكلام ده

راح ابويا كاتبله قايمه 5مليون جنيه وخطيبي عرف الموضوع ده وحصل مشكله بينه وبين أبويا

 

في صالون بيتنا القديم، كانت ريحة القهوة ممزوجة ببرود غريب في الجو. “رائف” كان قاعد حاطط رجل على رجل، بابتسامة مرتاحة وثقة عمياء، مطلع ورقة “القايمة” البيضاء من جيبه، وحطها على الترابيزة قدام أبويا.

بص لأبويا وقال بنبرة كلها فخر:

— “يا عمي، دي قايمة فاضية ومضيت عليها على بياض تحت اهي.. اكتب اللي تحبه، واللي يعجبك اكتبه. أنا شاري بنتك، واللي شاري مابيفرقش معاه الحاجات دي.. إحنا بنشتري ناس مابنشتريش عفش.”

أنا كنت واقفة ورا الباب، قلبي دق بفرحة وفخر. قولت في نفسي: “يا عيني يا رائف، أنت طيب أوي ومش عارف أبويا كويس!”.. كنت فاكرة، زي ما رائف كان فاكر بالظبط، إن أبويا هيرجع الورقة بابتسامة ويقوله: “لا يا بني، إحنا كمان بنشتري راجل، والورقة دي تتقطع، إحنا مالناش في الكلام ده”.

لكن ملامح أبويا مالتش للطيبوبة خالص. عينيه لمعت بنظرة غريبة، نظرة صياد شاف فريسته بتقدم نفسها على طبق من فضة. أبويا راجل ناشف، طول عمره تاجر بيحسب كل خطوة بالقرش، والكلمة الكبيرة والمشاعر مابتأكلش معاه عيش.

أبويا سحب القلم من جيبه ببطء شديد، وفتح الغطا بتاعه وصوته كان هادي بشكل يرعب:

— “ماشي يا رائف يا بني.. طالما دي رغبتك وأنت واثق فينا، سيب الورقة وأنا هبقى أكتب اللي فيه النصيب، والـمأذون يكتب اللي فيه الخير.”

رائف ابتسامته وسعت، افتكر إن الموضوع خلص وإنه كبر في نظر أبويا. سلم عليه ونزل وهو حاسس إنه ملك زمانه، وإنه دخل البيت من أوسع أبوابه بـ “لقطة” ابن الأصول.. رائف مكنش مسترخصني، بالعكس، ده شقته لوحدها وتجهيزه ليها مكلفينه 2 مليون جنيه، يعني دافع دم قلبه ومأسس بيت محترم جداً، وكان فاكر إن الحركة دي هتخليه يكبر في نظرنا أكتر.

أول ما الباب اتقفل، دخلت الصالون وأنا وشي منور:

— “شفت يا بابا؟ شفت رائف بيحبني وشارينا إزاي؟ ده صارف 2 مليون جنيه على الشقة ومستخسرش فيا يمدي على بياض!”

أبويا ماردش عليا. قعد على مكتبه، وفرد الورقة البيضاء اللي في آخرها إمضاء وبصمة رائف. مسك القلم، وبدأ يكتب.. مكنش بيكتب قايمة عفش، كان بيكتب “حكم إعدام” لعلاقتي برائف.

بدأ يكتب ويحط أرقام فلكية مش موجودة في الشقة ولا حتى في أحلامنا، لحد ما قفل المجموع تحت خالص وكتب بالخط العريض:

**”إجمالي القيمة: 5,000,000 جنيه (خمسة ملايين جنيه مصري لا غير)”.**

أنا شهقت والصدمة لجمت لساني:

— “خمسة مليون جنيه يا بابا؟! حرام عليك! ده رائف شقته كلها بـ 2 مليون ومكلفها ومظبطها، يعني مش مقصر! أنت كدة بتخرب بيتي!”

أبويا بصلي ببرود وقال:

— “هو اللي جابها لحد عندي ومضى على بياض عشان يعمل فيها شهم ويركبنا الدلدلة.. الراجل اللي يبيع نفسه بالرخيص في أول قعدة عشان اللقطة، يتأمن بالغالي عشان مايفكرش يلعب بديله بعدين. الشقة بـ 2 مليون؟ كتر خيره، والـ 5 مليون دول بقى حبل المشنقة اللي هيخليه يمشي تحت الحيط.”

الخبر مأخدش وقت طويل عشان يوصل. ابن عم رائف شغال في المحكمة اللي أبويا راح يوثق فيها صيغة الورقة بشكل قانوني عشان تضمن جدية المبالغ. الصدمة كانت كفيلة تخلي ابن عمه يتصل برائف فوراً:

— “الحق يا رائف.. حماك كتب في القايمة اللي على بياض خمسة مليون جنيه! أنت بقيت مديون بضعف تمن شقتك اللي صارف عليها دم قلبك وأنت لسه مادخلتش بأختك!”

الدنيا اتقلبت في لحظة. تليفون أبويا مابطلش رن، ورائف مكلمنيش أنا.. كلم أبويا علطول. صوته كان طالع في التليفون عالي وجايب لآخر الصالة من كتر الغضب والعصبية:

— “جرى إيه يا عمي؟! خمسة مليون جنيه؟! أنا شقتي مكلفاني 2 مليون جنيه وواقفة عليا بدم قلبي ومستخسرتش في بنتك حاجة، وأدخل بيتك بأصولي وبحسنيتي، تقوم تستغل إمضائي وتكتب رقم يوديني السجن؟! أنت بتبيعلي بنتك ولا بتاجر فيا؟!”

أبويا رد بكل برود وثقة:

— “والله يا بني أنت اللي قولت اللي شاري مابيهمهوش.. وأنت مش ناوي تطلقها وتزعلها صح؟ يبقى الرقم ده مش هيضرك في حاجة.. ولا أنت كنت ناوي على غدر من أولها وفلم المأذون والشهامة ده كان تمثيلية؟”

رائف قفل السكة في وش أبويا.. وكانت دي أول مرة حد يعملها مع أبويا.

#الكاتب_رومانى_مكرم

بعد ساعتين بالظبط، الباب خبط خبطات قوية ورا بعض.. خبطات كلها غضب. فتحت الباب وأنا جسمي بيلتفت من الخوف، لقيت رائف واقف، وعينيه حمرا زي الدم، وورا منه أبوه وأعمامه الكبار، ووشوشهم مابتفسرش غير بحاجة واحدة بس: “الحرب قامت”.

 

دخل رائف الصالون وهو مش شايف قدامه، وخطواته كانت بتهز الأرض. أبوه، الحاج “صلاح”، دخل وراه بوقار وجلال الشيوخ، وعلامات الغضب محفورة على وشه، وجنبه أعمامه اللي كانوا باصين لأبويا بنظرات لو كانت رصاص كانت قتلته في مكانه.

أبويا كان قاعد في مكانه ورا مكتبه، حاطط رجل على رجل، وبيشرب قهوته بكل برود، وكأن الناس اللي داخلة دي جاية تبارك مش جاية تولع في البيت.

رائف وقف في نص الصالون، صوته كان مرعش من كتر الغل وهو بيشاور بصباعه في وش أبويا:

— “لحد هنا وخلاص يا عمي! أنا دخلت بيتك بالـمستندات والأصول، وأنت قابلت أصولي بغدر وتجارة.. أنا عايز ورقتي حالا، القايمة دي تتقطع قدام عيني!”

أبويا نزل فنجان القهوة ببطء شديد، وبص لرائف من تحت لفوق وقال بنبرة هادية ومستفزة:

— “الورقة مبقتش معايا يا رائف يا بني.. الورقة بقت في الحفظ والصون في المحكمة، وبتتوثق عشان كل حق يرجع لأصحابه. وبعدين أنت زعلان ليه؟ مش أنت اللي جيت وركعت تحت رجلي بالورقة وقولتلي اكتب اللي تحبه؟ أنا كتبت اللي يأمن بنتي.. ولا أنت كنت بتضحك علينا بكلمتين؟”

هنا اتقدم الحاج صلاح، أبو رائف، وخبط بعصايته على الأرض خبطة قوية خلت الكل يسكت. بص لأبويا وقال بصوت جهوري مليان عتاب شديد:

— “جرى إيه يا حاج متولي؟ جرى إيه يا راجل يا طيب؟ إحنا جينا نشتري نسب ونناسب ولاد أصول، مأجبرناش ابننا يمدي على بياض، هو اللي عمل كدة من كرم أخلاقه وحبه لبنتك. تقوم أنت تستغل طيبته وتكتب 5 مليون جنيه؟ ده لو جايبين بنت الملك مش هنكتب الرقم ده! أنت كدة مابتأمنش بنتك، أنت كدة بتلوي دراع راجل!”

أبويا وقف، وسند بإيديه على المكتب، وعينيه لمعت بالشر:

— “يا حاج صلاح، في السوق مفيش حاجة اسمها طيبة وأصول.. في السوق في ورق وعقود. ابنك دخل عليا بلقطة عشان يبان فيها سيد الرجالة ويخليني محرج ومكتبش حاجة، فكنت لازم أعرفه إن البيوت ليها أسياد وبنات الناس مش لعبة. الشاب اللي يدخل يرمي إمضته بالسهولة دي، لازم يعرف إن الكلمة ليها تمن.. والـ 5 مليون دول هما تمن بنتي عندي.”

رائف حس إن الدم غلي في عروقه، اتقدم خطوة وكان شكل المشاجرة هيتطور بالإيد، لولا إن أعمامه مسكوه. زعق رائف بأعلى صوته:

— “بنتك على عيني وراسي، وأنا صارف 2 مليون جنيه على شقة مفيش زيها في المنطقة كلها! لكن أنت مش هتدبحني.. لو الورقة دي مانزلتش للمبلغ الحقيقي اللي موجود في الشقة، مفيش جواز، والبيت ده مش هدخله تاني!”

أبويا ضحك ضحكة عالية، ضحكة خلت قلبي يتنفض من الخوف وأنا واقفة ورا الستارة بعيط:

— “تنزيل مش هينزل مليم واحد يا رائف.. والباب يفوت جمل. لو عايز تفركش، اخرج برا، بس افتكر إن الورقة ممضية ومبصومة، وخلال أيام هتكون جنحة تبديد عفش، وهتدخل السجن قبل ما تعتب باب شقتك اللي فرحان بيها!”

أعمام رائف اتدخلوا، والصوت بدأ يعلى والشتائم والتهديدات بقت متبادلة بين الطرفين. الجيران بدأت تتجمع على الصوت، والوضع في الصالون بقى زي القنبلة الموقوتة اللي خلاص هتنفجر.

في وسط الزيطة دي، رائف بصلي ورا الستارة، عينه جت في عيني.. كانت نظرة مليانة خذلان وكسرة نفس، وكأنه بيقولي: “ده أبوكي اللي وافقت أدخل بيته؟”

أبو رائف شد ابنہ بغضب وقال لأبويا:

— “ماشي يا متولي.. إحنا كنا فاكرينك تاجر أمين، لكن طلعت بتاجر في لحمك قبل ما تتاجر فينا. إحنا خارجين دلوقتي، والحديث الجاي مش هيكون في الصالونات.. هيكون بلغة تانية خالص أنت مش هتحبها.”

أخدوا بعضهم وخرجوا، ورزعوا الباب وراهم رقعة هزت حيطان البيت كله.

أنا جريت على أبويا وأنا بنهار من العياط:

— “حرام عليك يا بابا! بوظت جوازتي وخربت حياتي! رائف مش هيرجعلي تاني، أنت دمرت كل حاجة!”

أبويا بصلي بكل قسوة وجفاء، ولم حاجته من على المكتب وقال وهو خارج من الصالون:

— “اسكتي يا عبيطة.. الراجل اللي يفرط في حقه في أول قعدة، مش راجل يعيش معاكي.. وأنا كسبت 5 مليون جنيه بجرّة قلم، لو جه ووطى على راسي ورضي بالقايمة، يبقى هيمشي زي الألف.. ولو مشي، هحبسه وأخليه يدفع التمن غالي.”

قعدت في الأرض وأنا حاطة إيدي على وشي وببكي بحرقة.. التليفون في إيدي اتهز، بصيت لقيت رسالة مبعوتة من رائف. فتحتها وأنا إيدي بترتعش، وكان مكتوب فيها:

“أنا كنت شاري ومستعد أعمل أي حاجة عشانك.. لكن أبوكي اختار الحرب، وأنا في الحرب مبرحمش. استني شلة المحاكم اللي هتحصل في أبوكي وفي بيتكوا كله من بكرة الصبح.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *