انهت عملها فى الأرض 1
انهت عملها فى الأرض و عادت لتجد امها فى انتظارها كما اتفقتا. ذهبت لتستحم و تغير ملابسها التى اتسخت من عملها فى الأرض, ثم عادت لتشرب الشاى مع امها, فقد اعتادت نهله ان تتناول غذائها مع الفلاحين فى الأرض و لا تتناول عشاء غالبا لتحافظ على لياقتها و صحتها لتستطيع العمل فى الأرض بنشاط.
جلست مع امها و بدأ الحديث بينهما.
الأم: عملتى ايه فى الأرض النهارده؟
نهله: كله تمام و محصول الطماطم كويس أوى السنه دى.
الأم: الحمد لله. ربنا يقويكى. انا كمان خدت القسط اللى كان فاضل عند التجار.
نهله: طيب كويس بس متوهينيش و قوليلى ايه الموضوع المهم اللى كنتى عاوزه تتكلمى معايا فيه, انا طول اليوم مخى ما هديش من التفكير.
الأم: النهارده جالى تليفون من عيلة ابوكى الله يرحمه.
تغيرت ملامح نهله فجاه و ظهر عليها الغضب و الإمتعاض.
نهله: خير إن شاء الله. ايه اللى فكرهم بيا.
الأم: البقاء لله جدك اتوفى.
نهله: و نعم بالله. مش هكدب عليكى يا ماما مش قادره اتأثر انتى عارفه انا مشوفتوش من امتى, دا انا حتى نسيت شكله.
الأم: نهله انا مربتكيش على كدا, طريقة كلامك فيها قسوة انا مش متعوده عليها منك.
نهله: و لما مسألش عنى الفتره اللى فاتت دى كلها مكنش قاسى.
الأم: انتى عارفه انه كان عاوز ياخدك يربيكى عنده و انتى صغيره بس انا مرضيتش.
نهله: اسمها كان عاوز يبعدنى عن امى و انا طفله صغيره.
الأم: خلاص يا حبيبتى انا مش بدافع عنه بس هو دلوقتى راجل ميت ميجوزش عليه غير الرحمه.
نهله: اديكى قولتى هو بين ايدين ربنا دلوقتى و هو بقى اللى يحاسبه و يسامحه.
الأم: اه بس مش دا بس اللى عاوزه اقولهولك.
نهله: امال فى ايه تانى؟
الأم: جدك كاتب وصيه و بعد يومين هيفتحوها و ابن عمك كلمنى عشان لازم تكونى موجوده و المحامى بيفتحها.
نهله: و انا مالى بالكلام دا كله. انا مش عاوزه منه حاجه و من زمان شايلاهم كلهم من حساباتى.
الأم: أيوا بس لازم تروحى لإن دى وصية ميت.
نهله: و أبويا لما طلب منه يهتم بيا كانت برضو وصية ميت.
الأم: و عشان خاطر ابوكى هتروحى لإنه لو عايش كان هيطلب منك كدا.
نهله: ماما متضغطيش عليا مش هروح مش عايزه اشوفهم و لا اتعامل معاهم جايين يفتكرونى دلوقتى.
الأم: حبيبتى دا هو يوم واحد و هترجعى على طول.
نهله: و لا دقيقه يا ماما اقدر استحملها معاهم.
الأم: عشان خاطرى و عشان خاطر ابوكى الله يرحمه.
نهله: ماما متضغطيش عليا الله يخليكى.
الأم: حبيبتى انا مش هعيشلك العمر كله و لازم تعرفى اهلك, ريحى قلبى عشان ابقى مطمنه عليكى.
و بدأت امها فى البكاء. أم نهله تعرف جيدا انها نقطة ضعفها و انها لا تستطيع ان تغضبها و بالفعل حققت مرادها و استجابت لها…
**الجزء الثاني: المواجهة المؤجلة**
ارتمت نهله في أحضان والدتها، تمسح دموعها بقلب مثقل. لم تكن الدموع س..لاح الأم الأقوى فحسب، بل كانت الحقيقة المرة التي تتهرب منها نهله دائمًا: *أنها قد تبقى وحيدة يومًا ما*.
نهله (بتنهيدة طويلة وهي تقبّل يد أمها): “خلاص يا أمي، عشان خاطرك وخاطر بابا الله يرحمه هروح. بس أرجوكي، متطلبيش مني أكتر من إني أحضر قراية الوصية وأمشي فورًا.”
الأم (تمسح دموعها بابتسامة حانية): “ربنا يرضى عنك يا بنتي ويهدي سرك. دا الصح، والدم عمره ما يبقى ميه.”
## السفر إلى الماضي
مرّ اليومان كأنهما دهر على نهله. كانت تعمل في الأرض بنشاط مضاعف، كأنها تحاول تفريغ شحنات الغضب والقلق في التربة. وفي صباح اليوم الموعود، ارتدت ملابس رسمية بسيطة لا تشبه ثياب الأرض التي اعتادتها، واستقلت السيارة متجهة إلى بيت جدها في المحافظة المجاورة.
طوال الطريق، كانت الذكريات الباهتة تطاردها؛ صور مشوشة لبيت كبير، وصوت رجل جهوري كان يمثّل “السلطة” التي حرمتها من الدفء بعد وفاة والدها.
## في بيت الجد: الوجوه الباردة
وصلت نهله إلى السرايا القديمة. كان المكان يعج بالحركة، لكنها شعرت برغبة عارمة في الالتفاف والعودة. حسمت أمرها ودخلت بخطوات ثابتة وثقة اكتسبتها من قسوة العمل في الأرض.
استقبلها ابن عمها “طارق”، شاب في أواخر العشرينيات، يرتدي جلبابًا أنيقًا ويحمل في عينيه نظرة تفحص وفضول.
* **طارق:** “البقاء لله يا بنت عمي. نورتي بيتك اللي هجرتيه من سنين.”
* **نهله (ببرود وثبات):** “ونعم بالله. أنا جاية بناءً على رغبة والدتي ووصية الجد، ياريت ندخل في الموضوع علطول عشان وقتي.”
تحركت مع طارق إلى غرفة الصالون الواسعة، حيث كان يجلس أعمامها الثلاثة والمحامي. ساد الصمت فجأة عند دخولها. نظرات الأعمام كانت مزيجًا من العتاب، الفضول، والترقب… وربما الخوف على نصيبهم من الميراث.
## فتح الوصية: المفاجأة الصادمة
جلس الجميع حول طاولة خشبية عتيقة. بدأ المحامي، رجل وقور بنظارات طبية سميكة، بفتح المظروف المغلق بالشمع الأحمر بعد قراءة الفاتحة على روح المتوفى.
المحامي: “بناءً على رغبة الحاج (عبد الرحمن) رحمة الله عليه، دي وصيته الشرعية المسجلة، وهبدأ بقراءة البند الخاص بالابنة (نهله) بنت ابنه الراحل (أحمد).”
اعتدل الجميع في مجالسهم، وحبست نهله أنفاسها وهي تشعر بالندم على مجيئها. بدأ المحامي في القراءة:
> “وأما بخصوص ابنة ابني الغالي أحمد، (نهله)، والتي حُرمت من رؤيتها طوال سنوات بسب كبريائي وعنادي… فإني أقر وأعترف بأنني أخطأت في حقها وحق والدتها. وكتعويض مادي، لا يغني عن الحق المعنوي، يؤول إليها…”
>
توقف المحامي لحظة، ونظر إلى الأعمام الذين بدأت علامات التوتر تظهر على وجوههم، ثم تابع:
> “… يؤول إليها ثلث مساحة الأراضي الزراعية التابعة للعائلة في زمام البلدة، بما فيها البيت القديم، بشرط واحد… **أن تتولى هي بنفسها إدارة وإشراف هذه الأراضي لمدة عام كامل قبل أن يحق لها البيع أو التصرف، وفي حال رفضها، تذهب الأرض لإدارة أعمامها مجتمعين.**”
>
## اشتعال الفتيل
وقع الكلمات على الحاضرين كالصاعقة. انتفض عمها الأكبر “عامر” واقفًا:
عم عامر: “الكلام ده مش منطقي يا متر! الأرض دي إحنا اللي بنزرعها وبنديرها من سنين، كيف تيجي بنت من برا، بقالها أكتر من 15 سنة مشفناش وشها، تاخد تلت الأرض وتتحكم فينا؟”
التفتت الأنظار كلها نحو نهله. في هذه اللحظة، لم تعد نهله تلك الفتاة الخائفة أو المترددة. نظرت إلى عمها عامر، ثم إلى المحامي، وابتسمت ابتسامة ثقة هزت ثبات الموجودين. طاقة التحدي التي بداخلها، والتي صقلتها الشمس والأرض، بدأت تظهر الآن.
نهله (بصوت حاسم وهادئ): “الأرض؟…”
هل ترغب في الانتقال إلى الجزء الثالث لمعرفة رد فعل نهله النهائي ومواجهتها مع أعمامها، أم تود تعديل مسار الأحداث في هذا الجزء أولًا؟
