تلات سنين حكايات رومانى مكرم 1

تلات سنين جواز، وتلات سنين كعب داير على الدكاترة. ده يقول أشعة، وده يقول تحاليل، وده يكتب على أعشاب ووصفات، وفي الآخر كله يقول نفس الكلمتين العيب مش في حد.. دي إرادة ربنا.. بس مين يرحم؟ حماتها كانت كل ما تشوفها في الرايحة والجاية ترميلها الكلام زي السم: *”إيه يا أم السعد.. مش هنفرح بـ حتة عيل يملى البيت؟ ولا المكنة معطلة؟

 

رضوى ما بخلتش. لما شافت أحمد حاله واقف، والقرش في إيده شاحح، وعينه مكسورة قدام القريب والغريب، هانت عليها نفسها وما هانش عليها جوزها. فتحت دولابها، جابت مكافأة شغلها اللي طفحت فيه الدم، على قرشين ورثتهم عن أبوها الله يرحمه، وحطتهم في حِجره وقالتله بقلب أبيض لسه على عماه:

* “خد يا أحمد.. الفلوس دي تجيب فيزا الإمارات. سافر يا ابن الناس واصلب طولك، والقرشين اللي يفيضوا منك ابعتهم عشان نعمل بيهم عملية حقن.. أنا مش عايزة من الدنيا دي غيرك أنت وحتة عيل يشيل اسمك.”

يومها أحمد اتصعبن، وباس إيدها وراسها وحلف بـ غلاوتها عنده: *”والله يا رضوى ما هنسى جميلك ده طول ما فيا نفس.. أنتِ ضهري وسندي، ولما أرجع هحطك فوق راسي وهعوضك عن كل ليلة شقى”*.

سافر أحمد.. والدنيا دارت، والوجوه اتقرصت.

 

في الأول، كان التليفون ما بيفصلش، كلام حب وشوق ووعود من اللي تأكل عقل الطير. بس اللعبة اتغيرت لما الواد شق طريقه في دبي، والقرش جرى في إيده، وبدل ما كان بيمشي بـ الملوخية، بقى بيمسك دراهم ودولارات وعينه تعبت من العز.

صوته على التليفون اتقلب. بقى يتكلم من طرف مناخيره: *”مش فاضي يا رضوى”*.. *”عندي شغل يا رضوى”*.. وكل ما تفتح معاه سيرة العلاج أو إنها تسافر تقعد معاه، يرميلها عظمة ويسكتها: *”المصاريف هنا نار.. اصبري لما أثبت رجلي”*!

وهي صابرة وقايدة صوابعها العشرة شمع، ومستحملة تريقة أهلها: *”سفرتيه بفلوسك وورثك وسايباه لوحده في بلاد بره؟ الرجالة مالهمش أمان وعينهم زايغة!”*، فترد عليهم بـ عشم وثقة عميا: *”أحمد ده جوزي وابن حلال، وصان لقميشي، ومش هيغدر بيا أبداً”*.

بعد سنتين كاملين، رن تليفونها وقالها: “أنا نازل إجازة أسبوعين”. رضوى طار عقلها من الفرحة، قلبت الشقة، وغسلت الحيطان، وبخرت البيت بـ مستكة وجاوي، ونزلت جابت حتة قماش تفصيل عشان تبقى عروسة في عينيه لما يدخل.

دخل أحمد الباب.. بس ما كنش أحمد الغلبان اللي سافر بـ جلابية وشنطة قماش. دخل لابس ماركات، وساعة مذهبة في إيده بتبرق، وجسمه ردت فيه الروح، وعينه بتبص لـ شقة الإيجار البسيطة بـ قرف وتقول: “إيه الضيق ده؟!”

 

أول أسبوع عدى زي السم الخارق. أحمد طول النهار صايع مع صحابه الجدد اللي بقوا من توبّه، وماسك التليفون ليل نهار يضحك ويداري الشاشة. ولما يقعد معاها، يفضل بوز شبرين، ولا كأنها مراته اللي شقيت عشان توقفه على رجليه.

وفي الليلة الحادية عشر.. البركان ضرب.

رضوى كانت عامله له صينية عشا ملوكي يحبها قلبك، ودخلت الصالة تبتسم وتقول بحنية وعتاب خفيف:

* “يا أبو حميد، الإجازة بتجري بينا واحنا لسه ما روحناش للمركز اللي قولتلك عليه.. أنا حجزت مع الدكتور بعد بكره عشان نعمل التحاليل وتلحق تخلصها قبل ما تسافر بالسلامة.”

أحمد رمى المعلقة في الصينية خلى الأكل يتهز، وبص لها بنظرة فيها كمية غل وجحود تكفي بلد، وقال بصوت ناشف زي الحجر:

* “أنا مش رايح لدكاترة تاني يا رضوى.. والموضوع ده انسيه خالص من دماغك.”

رضوى اتصدمت وقالت واللقمة وقفت في زورها:

* “أنساه إزاي يا ابن الناس؟ ده احنا بقالنا سنتين بنرتب لليوم ده! والفلوس اللي كنت بتبعتها كنا شايلينها عشان العملية دي!”

وقف أحمد، وحط إيده في جيبه بـ تناكة، وقال الكلام اللي نزل على قلبها زي مية النار:

* “الفلوس اللي كنت ببعتها دي شقايا وعرقي هناك، ومش هرميها في الأرض على وهم! أنا راجل وبقيت مالي مركزي، ومن حقي أفرح بـ عيل يشيل اسمي ويهز طوله ورايا.. وأنتِ؟ أنتِ أرض بور! كل الستات بتحمل وتخلف من الهوا، إلا أنتِ.. عاقر ومعيوبة! مش مشكلتي إنك ما بتخلفيش، أنا بفلوسي اتجوز ست الستات تملى عليا البيت عيال، والشرع محللي أربعة!”

 

رضوى كأن حد ضربها بقلم على وشها فوّقها من الحلم. صينية العشا وقعت من إيدها، الأطباق اتفشكلت مية حتة على البلاط، زيها زي قلبها اللي اتهان واتداس عليه بجزمة الغدر.

* “أنا؟ أنا اللي بقيت عاقر ومعيوبة يا أحمد؟ بعد ما صرفت عليك وخليتك بني آدم؟!” تنطقت وهي شفايفها بتترعش من القهرة.

رد عليها وهو بيلبس جاكتته ورايح يفتح الباب بكل ندالة:

* “آه.. دي الحقيقة اللي مش عايزة تشوفيها في المراية. أنا راجل سليم ومفيش فيا عيب، والفلوس في جيبي والخير كتير.. أنا نازل أسهر مع الرجالة، ولما أرجع مش عايز نكد وسيرة في الموضوع ده تاني.”

#الكاتب_رومانى_مكرم

قفل الباب وراه برزعة هزت البيت كله، وسابها واقفة وسط الأكل المدلوق والزجاج المكسور.. بس الدموع اللي نزلت من عينيها المرة دي، ما كانتش دموع ضعف.. دي كانت بداية نار الغل اللي هتحرق “أحمد” وتعرفه مين هي بنت الأصول لما تقلب وشها.

*

نزلت رنة الباب على ودن رضوى وزلزلت الحيطان، بس زلزلت معاها حاجة جوه قلبها. وقفت وسط الزجاج المكسور والأكل المدلوق، وبصت للأرض.. شافت شقاها، شافت ورث أبوها، وشافت كل ليلة نامت فيها مكسورة الخاطر من كلمة حماتها وهو بعيد بيتمطى في دبي. دموعها نزلت سخنة، بس مسحتها بكف إيدها بحدة، ولأول مرة عنيها تلمع بنظرة مفيهاش ضعف.. فيها جبروت ست اتغدر بيها وهي في قمة أصلها.

وطت على الأرض، لمت القزاز المكسور حتة حتة، وكل حتة كانت بتجرح إيدها كانت بتقوي قلبها. دخلت غسلت وشها، ولبست عبايتها ونزلت في نص الليل.. ما راحتش لبيت أهلها عشان ما تسمعش كلمة “مش قولنالك؟”، راحت لشخص واحد بس هي عارفة إنه الوحيد اللي معاه مفتاح السر.. الدكتور “شريف” اللي كانوا متابعين معاه من سنتين ونص قبل ما أحمد يسافر.

تاني يوم الصبح، كانت واقفة في العيادة. الدكتور شريف بص في الملف القديم وقالها بأسف:

* “يا مدام رضوى، أنا قولتلك أنتِ وجوزك زمان.. التحاليل والأشعة بتاعتك سليمة 100%، العيب كان عند الأستاذ أحمد.. نسبة الحركة والعدد عنده كانت ضعيفة جدًا وصعب يحصل حمل طبيعي من غير علاج مكثف وعملية، وهو كان عارف ده كويس، وأنا منبه عليه ما يقطعش العلاج.”

رضوى هنا حست بضحكة مرار طلعت من قلبها. أحمد عارف! عارف إنه هو اللي “العيب” منه، ورايح يرمي بلاه عليها ويقولها “أرض بور” عشان يداري عيبه بفلوسها! شكرت الدكتور وطلبت منه نسخة مختومة وموثقة من التحاليل القديمة بتاعته، وحطتها في شنطتها زي اللي ماسكة حبل المشنقة.

رجعت الشقة، لقت أحمد نايم ولا على باله، بيشخر ومرمي على السرير بتناكة. قعدت في الصالة مستنياه يصحى، والبرود مالي ملامحها. أول ما فتح عينه وخرج يتبغدد، وبص لها بقرف وقال: “عملتي إيه في النكد بتاع امبارح؟”

رضوى قامت وقفت، وحطت إيدها في وسطها وبصتله من فوق لتحت وقالتله بصوت هادي يرعب:

* “النكد خلص يا ابن حميدة.. وبدأ الجد. الفلوس اللي في جيبك وساعتك الدهب دي، تمنها هيتدفع حتة واحدة.. هنا والآن.”

أحمد ضحك بسخرية: “أنتِ اتهبلتي يا بت ولا إيه؟ فلوس إيه؟ أنتِ ليكي عندي إيه أصلاً؟ ورث أبوكي ده بح! طار في الهوا، ومعندكيش ورقة واحدة تثبت إنك اديتيني مليم، الفيزا والمصاريف كلها باسمي، يعني قانوناً أنتِ مالكيش عندي قشرة بصلة، وموتوا بغيظكم!”

رضوى ابتسمت ثقة: “والله؟ طب والقانون برضه بيقول إيه في حوار إنك مأمن على فلوسك وشغلك في بنك دبي؟ والشركة اللي أنت شغال فيها هناك؟”

أحمد ملامحه اتمطت وخاف: “أنتِ عرفتي منين؟ وأنتِ مالك بالشركة؟”

رضوى قربت منه وقالت بثقة تهز جبل:

* “أنا ماليش.. بس حكومة دبي والشركة هناك ليها. تفتكر لو الإيميل الرسمي بتاع شركتك، والصفحة الرسمية لوزارة الموارد البشرية هناك وصلهم فلاشة عليها فيديوهات وصور وتسجيلات بصوتك وأنت بتعترف لأصحابك في التليفون -اللي كنت بتداري شاشته- إنك بتلعب بالحسابات، وبتدخل سبوبة من ورا ضهر الكفيل؟ تفتكر هيعملوا فيك إيه؟ أسبوعين سجن، طرد، وبلاك ليست من دخول الإمارات كلها.. والفلوس اللي في البنك تجميد!”

أحمد وشه جاب ألوان، وجسمه بدأ يرعش: “أنتِ.. أنتِ بتخرفي إيه؟”

رضوى طلعت التليفون وورته فيديو صغير كانت سجلتهوله وهو بيتكلم في البلكونة تالت يوم الإجازة مع صاحبه وبيتباهى بنصباية عملها هناك في الحسابات:

* “أنا مبخرفش يا أحمد.. أنا كنت مأمناك، بس طلعت واطي. والورق التاني بقى.. ده.”

طلعت من الشنطة ملف التحاليل القديمة، ورامته في وشه:

* “ده ورق عيبك اللي كنت بتداريه وتقولي يا عاقر. تفتكر لما أصور الورق ده مية نسخة وأوزعه في منطقتك، وعلى العروسة الجديدة اللي أمك بتنقيلك فيها، وأعرف البلد كلها مين فينا اللي ‘ما بيخلفش من الهوا’.. شكلك هيبقى إيه وسط الرجالة اللي رايح تسهر معاهم؟”

أحمد وقع على الكنبة، النفس انقطع من صدره، وبص لرضوى وكأنه بيشوفها لأول مرة. البنت الغلبانة اللي كانت بتبوس إيده اتدفت في نيران غدره، وبقت وحش كاسر واقف قدامه.

أحمد بلع ريقه وبدأ صوته يرعش ويتودد:

* “رضوى.. يا بنت الأصول.. إحنا عشرة عمر، أنا كنت بهزر معاكي امبارح من ضغط الشغل.. شيطان ودخل بينا..”

رضوى قاطعت كلامه برفع صباعها في وشه، وقالت بكلمات زي الرصاص:

* “شيطانك ده هتقصقصه بإيدك. قدامك 24 ساعة.. ورث أبويا ومكافأة شغلي يرجعوا دهب وفلوس كاش بأسعار النهاردة، ومؤخر صداقي ونفقتي يندفعوا لآخر مليم.. والطلاق يتم في هدوء عند المأذون.”

وقفت عند الباب، وبصتله النظرة الأخيرة وقالت:

* “لو فكرت تلف وتدور، أو تسافر من ورايا.. الفلاشة هتوصل دبي قبل ما طيارتك تقلع، وفضحتك هتبقى على كل لسان في البلد.. وريني بقى بفلوسك هتداري عيبك وسرقتك إزاي!”

طلعت رضوى ورزعت الباب وراها، وسابت أحمد في وسط الصالة، وشه أصفر زي الليمونة، وحواليه كل الحبال اللي لفها حوالين رقبتها.. بتخنقه هو.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *