عشيقة جوزى حكايات رومانى مكرم 1

عمري ما قلت لعشيقة جوزي إني أنا **”الدكتورة ماجدة القاضي جراحة التجميل المشهورة اللي هي حاجزت عندها ميعاد عشان “تظبط” نفسها. هي معرفتنيش خالص وأنا لابسة لبس العمليات والكمامة.. شاورت على صورة ليا على موبايلها وقالت بكل برود: “أنا عايزة أبقى أحلى من الست العجوزة دي اللي حبيبي متجوزها.. عايزة أصغر عشان يطلقها ويرميها بقى.”

ابتسمت من ورا الكمامة وهزيت راسي. العملية كانت “لوحة فنية”، هي كانت فاكرة إنها هتفوق بوش يخليني أموت من الغيرة.. بس لما شلنا آخر شاش من على وشها، وشها جاب ألوان واصفرّ من الصدمة.

أنا عمري ما خططت للانتقام.. أنا خططت للدقة.

اسمي الدكتورة ماجدة، وفي مجالي “السمعة” هي كل حاجة. أنا جراحة تجميل وليّ اسمي في الزمالك، ومعروفة بشغلي الدقيق وضميري المهني. أنا اللي برجع وشوش الناس بعد الحوادث، وبساعد الستات يستردوا ثقتهم بنفسهم بعد عمليات السرطان.. أنا مش بخرب وشوش عشان غيرة ستات.

ومع ذلك، كنت واقفة في أوضة عمليات رقم 3، بالبالطو والكمامة، وببص في وش الست اللي كانت على علاقة بجوزي **”كريم”** بقالها سنة.

عرفت **”چيهان”** أول ما دخلت عيادتي من أسابيع.. مش لأني قابلتها قبل كدة، لأ، لأني شوفت صورها على “إنستجرام” في الموبايل بتاع جوزي. صور سيلفي، وصور قدام مرايات الفنادق، وكومنتات خاصة لراجل متجوز كان بيقنعني إنه “متأخر في الشغل” عشان خايف عليا من التعب.

هي معرفتنيش.

ملت البيانات وهي مش حتى رافعة عينها فيا. ولما الممرضة سألتها لو معاها صورة لشكل الوش اللي عايزاه، چيهان طلعت موبايلها وقلبت في الصور بسرعة، وبعدين لفت الشاشة ناحيتي.

كانت صورة ليا أنا! متصورة في حفلة خيرية من كام شهر.

قالت وهي بتمضغ اللبانة ببرود: “بصي يا دكتورة، أنا عايزة أبقى أحلى من الكركوبة دي اللي جوزي متجوزها.. دي كبرت أوي ومبقتش تنفع، عايزة وشي يرجع صغير ومشدود عشان يطلقها خالص ويركز معايا.”

إيدي متهزتش.. ملامحي متصدمتش.

ابتسمت من ورا الكمامة.

شرحت لها العملية بهدوء.. نحت للوش، وشد للجلد، وإعادة هيكلة دقيقة. حذرتها من التورم، وفترة النقاهة، وقلت لها لازم تكون توقعاتها واقعية.

ردت بتناكة: “أنا واثقة فيكي، إنتي أشطر واحدة في مصر.”

وقّعت على كل الأوراق من غير حتى ما تقرأ اسمي بالكامل على الإقرار.

يوم العملية، چيهان كانت بتهزر مع دكتور التخدير وبتقول له: “تخيل بقى الست اللي على ذمته دي هيجرالها إيه لما تشوفني كدة؟”. رسمت العلامات على وشها بكل احترافية، كل خط كان مقصود وله هدف.

العملية كانت مثالية.. دقيقة جداً.. أي جراح تجميل يشوفها ينبهر بيها.

وهي بتتنقل لأوضة الإفاقة، بصيت لوشها وهي نايمة ومحستش بحاجة.. لا غل، ولا شفقة.. كان عندي يقين واحد بس.

#الكاتب_رومانى_مكرم

چيهان كانت فاكرة إنها هتصحى بوش يهد حياتي.

مكانش عندها أدنى فكرة هي طلبت إيه بالظبط!

وأنا بربط آخر شاشة على وشها، كنت عارفة حاجة واحدة:

الحقيقة هتبان أول ما الشاش ده يتشال..

 

يوم فك الشاش كان أشبه بعرض مسرحي انتظرتُه بهدوء جراح يعرف قيمة اللمسة الأخيرة.

دخلتُ غرفة المتابعة في عيادتي بالزمالك. جيهان كانت تجلس على المقعد الجلدي، تتنفس بسرعة، وتمسك بمرآة يدوية صغيرة كأنها تمسك بمفتاح الجنة. كانت والدتها تقف بجانبها، تفرك يديها بقلق وترقب.

التفتت إليّ جيهان وهي تشير إلى وجهها الملفوف بالكامل:

“دكتورة ماجدة.. أرجوكي شيليه بسرعة، كريم قفل تليفونه من يومين ومبيفصلش رن، وأنا قايلاله إني مسافرة الجونة وهفاجئه بالوش الجديد أول ما أرجع.”

لم أعلّق. اقتربتُ منها بخطوات هادئة، وبدأتُ أقصّ أطراف الشاش الطبي بـالمقص الجراحي الدقيق. كان صوت قَص القماش هو الصوت الوحيد المسموع في الغرفة. مع كل طبقة تسقط، كان قلب جيهان ينبض بشكل أسرع، وأنا أحافظ على برودي التام، ممسكةً بالملقاط الطبي لإزالة اللصقات الأخيرة برفق شديد.

“جاهزة؟” سألتُها وأنا أرفع آخر طبقة قطنية عن وجهها.

خطفت جيهان المرآة بسرعة البرق، ونظرت إلى وجهها. في الثواني الأولى، اتسعت عينها بذهول، ثم بدأت ملامحها تتصلب، واختفت حمرتها ليحل محلها شحوب قارس. نظرت إلى المرآة، ثم إليّ، ثم إلى والدتها التي كتمت صرخة مكتومة ووضعت يدها على فمها.

“إيه ده؟” همست جيهان، وصوتها يرتجف: “دكتورة.. إيه اللي في الوش ده؟ ده.. ده مش وشي!”

بدأت أنفاسها تتلاحق وهي تلمس وجنتيها بأصابع مرتعشة.

العملية كانت، كما خططتُ لها، “لوحة فنية” في قمة الدقة والنجاح الطبي. لم أشوّهها، ولم أرتكب خطأً مهنياً واحداً يُحاسبني عليه القانون أو يمس سمعتي كجراحة تجميل يشار إليها بالبنان.

كل ما في الأمر.. أنني نفذتُ طلبها بحرفية مطلقة.

هي أرادت “نحت للوجه” ليصبح مشدوداً وصغيراً كوجه الفتيات في المجلات، فاستخدمتُ تقنية إعادة الهيكلة لتصغير عظام الفك وبروز الوجنتين بشكل حاد، وسحبتُ الجلد لأعلى بدرجة غيّرت أبعاد وجهها بالكامل. تخلصتُ من كل التفاصيل الطبيعية التي كانت تمنح وجهها القديم جاذبيته الخاصة كـ “جيهان”.

لقد مسحتُ ملامحها القديمة، ومنحتُها وجهاً قياسياً، حاداً، وبارداً كوجوه تماثيل الشمع. وجه بلا هوية، يشبه آلاف الوجوه المستنسخة التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي، وجه فقد كل براءة أو تميز كانت تملكُه.

قالت بصوت باكٍ مخنوق: “أنا شكلي اتغير تماماً! كريم مش هيعرفني.. أنا بقيت شبه العرايس اللعبة! فين ملامحي يا دكتورة؟ أنا طلبت أبقى أحلى.. مش أبقى حد تاني!”

خلعتُ الكمامة ببطء شديد، ولأول مرة منذ أسابيع، نظرتُ في عينيها مباشرة دون أي حاجز. ابتسمتُ ابتسامة هادئة وقورة، ووقفتُ بكامل طولي أمامها.

“إنتي طلبتي تتغيري عشان تعجبي راجل، وأنا عملت الواجب وزيادة، وبأحدث التقنيات الطبية في مصر. الوش ده مع الوقت التورم الخفيف اللي فيه هيقل، وهتكوني النسخة اللي طلبتيها بالمسطرة والقلم.. نسخة مشدودة، من غير أي ديفوهات.”

في تلك اللحظة، وقعت عينا جيهان على الشهادات المعلقة على حائط العيادة خلفي، ثم نظرت إلى وجهي بتركيز شديد لأول مرة بدون نظارتي الطبية الكبيرة وبدون الكمامة.. تذكرت الصورة التي كانت على هاتفها.. الصورة التي نعتت صاحبتها بالـ “كركوبة”.

انفتحت عيناها على وسعهما، وسقطت المرآة من يدها على الأرض لتتحطم إلى قطع صغيرة.

“أنتي..؟” همست والذعر يشل حركتها.

تنحنحتُ بهدوء، وأمسكتُ بملفها الطبي وأنا أوقّع عليه:

“أنا الدكتورة ماجدة القاضي.. الست اللي جوزك كريم متجوزها بقاله اتناشر سنة. والوش اللي إنتي شوفتيه في المراية ده.. هو الوش الجديد اللي هيعيش معاه من هنا ورايح، بما إنه مبقاش ينفع يعيش معايا.”

التفتُّ إلى الممرضة وقلت بنبرة عمليّة جافة:

“جهزي ورق الخروج للمدام، واكتبي لها على مرهم المضاد الحيوي بانتظام.. ميعادنا الأسبوع الجاي لإعادة تقييم الحالة.”

تركتُ الغرفة وخرجتُ إلى مكتبي، تاركةً خلفي صوتاً منهاراً يحاول استيعاب الصدمة. جلستُ وراء مكتبي، وأخرجتُ هاتفي، ثم قمت بإرسال رسالة واحدة إلى “كريم”.. رسالة من كلمتين، مرفقاً بها رابط لملف قض..ية الخلع التي رفعها محاميّ هذا الصباح.

الرسالة كانت: “المفاجأة وصلت”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *