أمي لفت مع أختي على فساتين3

نظرتُ إلى شاشة الهاتف والمنشور أمامي، وشعرت ببرودة تسري في أطرافي. لم تكن الصدمة بسبب خسارة المال أو العقارات، فخسارة “عفاف” كأم كانت أشد ثقلاً، ولكن الطعنة جاءت من رغبتها في تجريدي من أي أثر تركه لي والدي الراحل. كان والدي هو الشخص الوحيد الذي غمرني بالحنان في طفولتي، والبيت الذي نقلت ملكيته بالكامل لنورا كان يحتوي على كل ذكرياتي معه.

التفتُّ إلى “أحمد” الذي كان يتابع ملامح وجهي بقلق، وقلت له بصوت متحشرج: “أمي كتبت كل حاجة لنورا بيع وشراء.. حرمتني من ورث أبويا يا أحمد، حتى شقتي القديمة وذكرياتي أخدتها مني”.

جاء أحمد وجلس بجانبي، وأمسك بيدي بقوة وقال بنبرة حاسمة: “يا هناء، أنا متجوزتكش عشان ورث ولا فلوس، إنتِ عندي بالدنيا. بس الحق حق، واللي بيحصل ده فجور وظلم علني، ومش هنسكت عليه”.

في تلك اللحظة، رن هاتفي مجدداً، وكانت “ميجان”. لكن صوتها هذه المرة لم يكن قلقاً كالسابق، بل كان يحمل نبرة ثقة غريبة، وقالت فوراً: “هناء، متتهوريش وتكتبي أي رد على فيسبوك. سيبيهم يفرحوا بالعقود دي كام ساعة. كلمي عمك المستشار ‘عادل’ حالاً.. هو الوحيد اللي معاه مفتاح اللعبة دي”.

تذكرت عمي عادل، شقيق والدي الأكبر، وهو محامٍ قدير ومستشار قانوني متقاعد، وكان دائماً على خلاف مع أمي بسبب أسلوبها الأنانى. اتصلت به، ولم يكد يفتح الخط حتى قال بصوت جهوري غاضب: “أنا شفت المهزلة اللي أمك نزلتها يا هناء. الست دي اتجننت رسمي وفاكرة إن القانون لعبة في إيديها. اسمعيني كويس يا بنتي، العقود اللي هي عاملاها دي متساويش الحبر اللي اتكتبت بيه”.

استجمعت قواي وسألته: “إزاي يا عمي؟ دي كاتبة بيع وشراء رسمي”.

رد عمي بثقة قانونية: “أولاً، نص البيت ده مسجل باسم والدك الله يرحمه، وبعد وفاته تحول لإرث شرعي، وأمك ملهاش حق تبيع نصيبك إنتِ الشرعي فيه نهائي. ثانياً، وبما إنها كتبت كل أملاكها لنورا ‘بيع وشراء’ وهي قاعدة في المستشفى وبتدعي المرض، فده قانوناً اسمه ‘بيع في مرض الموت’ أو تبرع مستتر بوثيقة بيع، وقانون الأحوال الشخصية والمدني بيعتبر التصرف ده باطل ومطعون فيه فوراً لأنه بيتحايل على قواعد الإرث الإجبارية ليّ الوالدين”.

أضاف عمي بنبرة هادئة حملت مفاجأة فجرت كل الحسابات: “والأهم من كل ده يا هناء.. والدك قبل ما يموت بسنتين، كان حاسس بأنانية أمك وطمعها، وجه مكتب عندي وعمل ‘عقد قسمة وإيصاء’ موثق، وشال فيه جزء كبير من ثروته السائلة في البنك باسمك إنتِ لوحدك، وعمل لك توكيل خاص ميعرفوش عنه حاجة، ومحدش يقدر يلمس القرش ده غيرك. أنا كنت شايل الأمانة دي للوقت المناسب، والوقت ده جه”.

نزلت كلمات عمي على قلبي كبرد وسلام. والدي كان يحميني حتى وهو تحت التراب، كان يعلم أنني سأواجه هذا الجحود يوماً ما، فترك لي درعاً قانونياً ومادياً يحميني من غدر أقران لدمي.

قال عمي: “أنا هرفع قض..ية حجر وإبطال تصرفات وعقود فوراً، وهنزل بيان قانوني رسمي من مكتبي يقلب الطاولة عليهم ويثبت تزوير وتحايل العقود دي. جهزي نفسك عشان بكرة الصبح هنبدأ الإجراءات”.

اتصلت بميجان وأخبرتها بما قاله عمي، فضحكت وقالت: “يا سبحان الله! ‘ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين’.. نورا وأمك فاكرين إنهم كسروا ضهرك بخروج خالد وخسارة الفرح، فقرروا ينهبوا الفلوس، ميعرفوش إنهم بيحفروا لبعيد أوي”.

في المساء، كانت أمي ونورا تجلسان في صالة بيتنا القديم، ونورا تتصفح العقود بفرحة طاغية تحاول بها تعويض قهرتها على فسخ خطوبتها من خالد، وأمي تبتسم بشماتة وتقول لها: “خليها تفرح بجوزها وشهر العسل.. بكرة تيجي تبوس رجلينا عشان مليم واحد، وأنا هخليها تلف حوالين نفسها في المحاكم”.

لكنهما لم تكونا تعلمان أن خلف الأبواب المغلقة، كان هناك ملف قانوني يُفتح، كفيل بإنهاء نفوذ “عفاف” المادي تماماً، وبأن يضع نورا في مواجهة مباشرة مع تهم النصب والتحايل، لتبدأ الجولة الأخطر في تدمير عرش الأم النرجسية.

في صباح اليوم التالي، أصدر مكتب عمي المستشار “عادل” بياناً قانونياً رسمياً تم تداوله عبر الصفحات المحلية، مرفقاً بإنذار قضائي على يد محضر تم تسليمه لأمي ونورا في المنزل. البيان لم يكن مجرد تحذير، بل كان بمثابة إعلان حظر شامل على كل تحركاتهم؛ حيث أعلن عمي بطلان عقود البيع والشراء التي نشرتها أمي، ورفع دعوى قضائية عاجلة بتهمة “التحايل لتهريب أموال التركة وحرمان وارث شرعي”، معززاً إياها بتقرير طبي من المستشفى يُثبت أن أمي وقعت على هذه العقود وهي تحت تأثير أدوية مهدئة وفي حالة صحية غير مستقرة، مما يبطل أهليتها القانونية للتصرف.

لم تقف المفاجأة هنا؛ بل قام عمي بتفعيل “عقد القسمة والإيصاء” الصادر عن والدي الراحل، وتم بموجبه تجميد الحسابات البنكية المشتركة لحين الفصل في التركة، واستدعاء نورا للتحقيق أمام النيابة بتهمة التواطؤ في تزوير عقود عرفية للإضرار بالغير.

انقلب السحر على الساحر للمرة الثالثة، لكن هذه المرة خلف جدران المحاكم والنيابات.

اتصلت بي نورا بعد يومين من الصمت، وكان صوتها يرتجف بنشيج حاد وخوف لم أعهده فيها من قبل. قالت وهي تبكي بهستيرية: “هناء.. أرجوكي اسحبي القض..ية! أنا جالي استدعاء من النيابة الصبح، والمحامي قال لنا إن موقفي أنا وماما ضايع، وممكن أتحبس بتهمة التزوير والنصب! خالد سابني، والناس كلها بتبص لي في الشارع كأني مجرمة، وماما جالها جلطة خفيفة في رجليها بسبب الضغط والتوتر ومبقتش تقادر تتحرك من السرير.. إحنا بنموت يا هناء!”.

استمعتُ إليها وأنا أقف في شرفة شقتي الجديدة، وكانت “ميجان” تجلس خلفي تتابع الحوار بنظرات صامتة. قلت لنورا بصوت هادئ وخالٍ من أي تشفٍ: “إنتِ وماما اللي اخترتوا السكة دي يا نورا. أنا مكنتش عايزة منكم غير معاملة آدمية يوم فرحي، لكنكم أردتوا تدمير حياتي وسمعتي وكسر ضهري. المرض والخراب اللي إنتوا فيه دلوقتي مش بسببي.. ده ذنب كسر خاطري وظلمكم ليا اللي ربنا بيخلصه منكم في الدنيا قبل الآخرة”.

نورا صرخت بضعف: “طب وماما؟ ه تسيبها تموت من قهرتها؟ دي أمك مهما كان!”.

رددت عليها بصلابة: “الأمومة مش شهادة ميلاد يا نورا.. الأمومة احتواء وسند، وأنا ملقتش منها غير السكاكين. القض..ية مش هتنزل، والقانون هياخد مجراه، ونصيبي في بيت أبويا هاخده تالت ومتلت.. والفلوس اللي والدي شالها ليا لوحدي، هبني بيها مركز الدعم النفسي للأطفال اللي كنت بحلم بيه طول عمري”.

قفلت الخط، والتفتُّ إلى ميجان وأحمد الذي كان قد دخل للتو وعلامات الارتياح على وجهه. نظرت إليّ ميجان وقالت بابتسامة دافئة: “خلاص يا هناء.. القناع سقط، والعرش الوهمي اتهد فوق دماغهم. إنتِ دلوقتي مش بس مأمنة حياتك، إنتِ أخدتي حقك وحق والدك الله يرحمه”.

أومأت برأسي، وشعرت بحمل ثقيل للغاية ينزاح عن صدري. كانت المواجهة شرسة، لكنها كانت ضرورية لكي أبدأ حياتي كإنسانة حرة، لا تحكمها عقد الماضي ولا ابتزاز المقربين. لكن، بقيت خطوة واحدة أخيرة؛ خطوة المواجهة وجهاً لوجه مع “عفاف” وهي على فراش هزيمتها، لتكتب الكلمة الأخيرة في كتاب هذه العائلة.

جاء يوم المواجهة الأخير الذي لم أكن أتصور يوماً أن أعيشه. توجهتُ رفقة عمي المستشار “عادل” وزوجي “أحمد” إلى بيتنا القديم؛ البيت الذي شهد طفولتي المهمشة ودموعي المكتومة، لكنني هذه المرة لم أكن أدخله كابنة مكسورة وخائفة، بل كإنسانة قوية استردت كرامتها وحقها بقوة القانون والعدل.

عندما فتحت نورا الباب، بدت شاحبة وذابلة، ملامح الكبرياء والغرور اختفت تماماً وحلت محلها نظرة انكسار وخوف من المستقبل. لم تنطق بكلمة واحدة، بل تراجعت إلى الخلف وأشارت إلينا بالدخول نحو غرفة أمي.

دلفتُ إلى الغرفة، ووجدت أمي “عفاف” مستلقية على فراشها، تبدو أصغر حجماً وأضعف بكثير مما كانت عليه. الجلطة الخفيفة أثرت على حركتها، لكن عينيها عندما رأتني، لمعت بريقاً ضئيلاً من حدتها القديمة، سرعان ما انطفأ عندما رأت عمي عادل وبيده حقيبة المستندات الرسمية.

وضعتُ حقيبتي بهدوء وجلست على مقعد في مواجهة فراشها مباشرة، وقلت بصوت هادئ ومنتظم: “مساء الخير يا أمي”.

حاولت أمي أن تعدل من جلستها بصعوبة، وقالت بنبرة متحشرجة وممزوجة بالمرارة: “جيتي يا هناء؟ جيتي عشان تشمتي فيا بعد ما خربتي بيت أختك وضيعتي مستقبلها؟ جيتي تتفرجي على كسرتي؟”.

نظرتُ إليها بعيني الإخصائية النفسية التي تفصل بين مشاعرها وبين حقيقة الشخص النرجسي الواقف أمامها، وقلت: “أنا عمري ما عرفت الشماتة يا أمي، ولا جيت عشان أشوف كسرتك. أنا جيت عشان أقفل الصفحة دي للأبد. خراب بيت نورا كان نتيجة غرورها وسيرها وراء ظلمك، ومرضك نتيجة صدمتك إن ‘البنت البسيطة’ اللي كنتِ مستنية جوازتها تفشل، قدرت تقف في وشك وتحمي نفسها”.

تقدم عمي عادل، وأخرج الأوراق الرسمية ووضعها على الطاولة بجانب فراشها، وقال بلهجة حاسمة: “عفاف، النيابة وافقت رسمياً على إبطال عقود البيع والشراء لعدم الأهلية وللتحايل. ونورا وقعت على إقرار بالتنازل عن أي ادعاءات كاذبة عشان نقفل المحضر وتتجنب الحبس بتهمة التزوير والنصب. والبيت ده هيتم تقييمه وتدفعوا نصيب هناء الشرعي فيه، وإلا هيروح للمزاد العلني”.

نظرت أمي للأوراق بقلة حيلة، ثم وجهت نظراتها إليّ وقالت بعينين تملأهما الدموع لأول مرة: “أنا أمك يا هناء.. مهما عملت، أنا اللي شلت وربيت. بتهوني عليا تسيبيني في السن ده مريضة ومكسورة؟”.

أخذتُ نفساً عميقاً، وقمت من مقعدي، ووقفت أمامها بكل ثبات وقلت: “التربية مش إنك تأكلي وتشربي وبس يا عفاف.. التربية أمان وحب وعدل. إنتِ حاولتي تدمري ثقتي في نفسي من وأنا طفلة، وكنتِ بتفضلي نورا في كل حاجة، ويوم فرحي اللي المفروض تكوني فيه سندي، جيتي بفستان فرح وتدابير عشان تسرقوا الأضواء وتكسروني قدام الناس، وحرمتيني من ورث أبويا علناً. أنا سامحتك على المستوى الإنساني لأني مش عايزة أشيل غل في قلبي يفسد حياتي الجديدة.. لكن حقي وحق والدي اللي حماني وهو تحت التراب، مش هتنازل عنهم”.

التفتُّ نحو الباب، وقلت الكلمات الأخيرة التي قطعت كل حبال الماضي: “نصيبي المادي هاخده بالكامل بالقانون، والفلوس دي زي ما قلت لنورا، هبني بيها مركز الدعم النفسي للأطفال، عشان أحمي أطفال تانيين من إنهم يطلعوا مشوهين بسبب قسوة أهاليهم ونرجسيتهم. من النهاردة، إنتِ ليكي حياتك ونورا، وأنا ليا حياتي وعائلتي الجديدة الحقيقية”.

خرجتُ من الغرفة ومن البيت كله دون أن أنظر خلفي، وشعرت وكأن الهواء يدخل إلى صدري نقياً وكاملاً لأول مرة في حياتي. في الأسفل، كانت “ميجان” تنتظرني في السيارة بابتسامتها المعهودة، وجلس أحمد بجانبي وأمسك بيدي بضغط دافئ يملؤه الأمان.

نظرتُ إلى طريق المستقبل المفتوح أمامي؛ المعركة انتهت، الأقنعة سقطت، والعرش الوهمي للأم النرجسية تحول إلى رماد. والآن، بدأت حكايتي الحقيقية، حكاية هناء الحرة، القوية، والمحبوبة.

**(تمت القصة)**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *