حكايات اسما السيد 1

بعد الطلاق طليقي رمى شنـطي علـى عتـبة البيـت وغيـر الكـوالين قبـل ما الشـمس تغيـب، مكانش ليـا مكان أروحـه.

فدخلت بنك صغير في إسكندرية، وأنا في إيدي كارت قديم قوي، بابا كان مديهولي من سنين طويلة.

ماكانش في بالي أبدًا إن تمريرة واحدة بالكارت ده هتشل البنك كله…ولا إن جملة واحدة من موظف شباك هتفضح سر عيلة ماكنش المفروض أعرفه طول عمري…أنا ما دخلتش البنك وأنا قوية….دخلته وأنا واحدة بتجري على آخر نفس…شنطة سفر متهالكة جنبي.

وماسكارا سايبة آثارها من العياط، وماتعبتش نفسي حتى أصلـحها.

وكارت بلاسـتيك قديم، باهت، بقاله أكتر من عشرين سنة عايش في محفظتي، كارت كنت شبه متأكدة إنه مالوش أي قيمة.

طليقي خد كل حاجة…البيت…العربيات…حتى الكنبة اللي اتخانقنا عليها زمان في المعرض….مافضليش غير أوضة في فندق رخيص على الطريق، ومخزن صغير مليان ذكريات، والكارت اللي بابا سابهولي…راجل هادي، طول عمر الناس فاكرينه عايش من مرتب لمرتب…

البنك نفسه كان عادي قوي… عادي لدرجة توجع…نور أبيض قاسي.

طبق صغير فيه أقلام مجانية جنب الباب.

وعلم مصر صغير على الكاونتر، بيتهز كل ما التكييف يشتغل.

كام راجل كبار في السن قاعدين في الاستراحة، لابسين كابات قديمة، وبيحاولوا يعملوا نفسهم مش باصـين عليا… وأنا حضنه شنطتي كأنها آخر حاجة ثابتة في حياتي.

كنت على وشك ألف وأمشي…أحسن احتمال: شوية جنيهات.

أسوأ احتمال: الحساب طالع بالسالب.

بس لما الكبرياء يبقى آخر حاجة عندك… بتبلعيه.

أخدت رقم….استنيت…ىودربت نفسي على الإحراج تحت زنة النور اللي ما بتهداش.

ولما جه دوري، ابتسم لي موظف شاب ورا الشباك…بطاقة اسمه مكتوب فيها: كريم.

قال لي:أقدر أساعدك إزاي يا فندم؟

قلت بصوت واطي: مش متأكدة إنك هتعرف… الكارت ده قديم قوي. أنا بس عايزة أعرف الحساب لسه موجود ولا لأ… ولو فيه أي حاجة أصلًا.

ابتسم ابتسامة اللي مش عايز يسأل…أخد بطاقتي والرقم القومي، مرر الكارت، وبدأ يكتب…وساعتها… كل حاجة اتغيرت.

صوابعه بطّلت تجري.

الابتسامة اختفت…وبص للشاشة كأنها شتمته.

— غريب… قالها وهو مغمغم…جرّب تاني…دوس أكتر.

سكوت أكتر….وحسيت البنك كله سكت مرة واحدة.

— ثانية واحدة لو سمحتي، قال بصوت مشدود، لازم أتأكد من حاجة.

أول ما الشاشة التانية فتحت، لون وشه راح.

قرب قوي من الشاشة، وبعدها زق الكرسي لورا فجأة، وصوت الكرسي وهو بيحتك في الأرض رن في المكان.

— أستاذ شريف؟ نادى …حضرتك… محتاج تشوف ده.

الناس كلها بصـت…الكلام وقف.

حتى اللي كانوا عاملين نفسهم مش واخدين بالهم… بقوا باصين دلوقتي.

مدير البنك طلع من المكتب الزجاج اللي ورا، لابس بدلة رمادي، ولسه فنجان القهوة في إيده….كان شكله متضايق… لحد ما وصل للشباك.

قال: فيه إيه؟ ما بنكبرش موضوع كارت غير نشط.

رد كريم بصوت واطي:

— مش غير نشط… الموضوع في صاحب الحساب. والملاحظة اللي متسجلة عليه.

المدير انحنى على الشاشة، واضح إنه داخل يهدي الدنيا.

بس وشه اتغير في لحظة.

بص تاني…وبعدين فرد ضهره بالراحة، ولف ناحيتي، وبص لي نظرة غريبة… كأنه أخيرًا ربط حاجة كانت ناقصة.

قال بهدوء محسوب: يا فندم… ممكن تتفضلي معايا المكتب؟

قلبي وقع في رجلي.

وأنا داخلة وراه، كان في احتمالين بس بيلفوا في دماغي: يا إما بابا مات وسايب ديون،.يا إما كان مخبّي حاجة كبيرة قوي… لدرجة إنها لحقتني لحد هنا…قفل المدير الباب، ولف الشاشة ناحيتي.

وأول ما قريت أول سطر…

إيدي ابتدت ترجف…..

## الجزء الثاني: شفرة العائلة

انغلق باب المكتب الزجاجي، ليعزل زنين صالة البنك بالخارج، لكنه لم يعزل دقات قلبي التي كانت تقرع في صدري كطبول حرب. جلس المدير، الأستاذ شريف، خلف مكتبه الفخم، ووضع فنجان القهوة بطلب يد مرتجفة، ثم شبك أصابعه ونظر إليّ بنظرة مزيجها الذهول والمهابة.

“أستاذة فريدة…” قالها بصوت خفيض، كأنه يخشى أن تسمعنا الجدران، “أنا شغال في القطاع المصرفي بقالي 25 سنة… عمري ما شفت شاشة حساب متكودة بالطريقة دي.”

أشاح بيده نحو الشاشة العريضة المواجهة له، ثم لفّها ببطء ناحيتي.

انحنيت للأمام، والماسكرة الجافة على جفوني تكاد تحجب الرؤية من شدة التوتر. لم يكن هناك رقم عادي، لم أرَ مبلعًا بمليارات أو ملايين كما يتخيل أي شخص في موقف كهذا. بدلاً من ذلك، كانت الشاشة سوداء بالكامل، وتتحرك عليها أسطر برمجية بلون أخضر فسفوري، وفي المنتصف مستطيل أحمر وامض مكتوب فيه باللغة الإنجليزية:

> **[CRITICAL ACCESS – LEVEL 4 – MINISTRY OF FINANCE / CENTRAL BANK DIRECTIVE 1998]**

> **حساب مغلق بأمر سيادي – لا يتم تنشيطه إلا بحضور وريث الدرجة الأولى وبصمة الهوية الرقمية الملحقة.**

>

وقبل أن أستوعب الكلمات، انفتحت نافذة صغيرة أسفل الشاشة، ظهرت فيها صورة قديمة بالأبيض والأسود… صورة أبي!

لكنه لم يكن يرتدي النظارة الطبية السميكة التي اعتادها، ولا قميصه المقلم الرخيص الذي كان يلبسه حتى يذوب ياقة وتتبلى أطرافه. كان يقف في الصورة ببدلة رسمية عسكرية، تعلو كتفيه رتبة رفيعة، وخلفه علم مصر، وبجانبه رجل آخر غطى النظام وجهه بمربع أسود رقمي.

“بابا؟” همست والدموع التي حبستها طوال اليوم تطير من عيني مجددًا، “بابا كان موظف حسابات في شركة مطاحن… أنا… أنا مش فاهمة حاجة.”

رد الأستاذ شريف وهو يميل بجسده فوق المكتب: “والدك، الله يرحمه، السيّد (رأفت عبد الرحمن)، ما كانش مجرد موظف حسابات يا فندم. الحساب ده اتفتح سنة 1998، وتحت بند (أمانات استراتيجية مغلقة). الكارت اللي في إيدك ده مش كارت سحب آلي… ده مفتاح فك تشفير.”

ثم ضغط على زر إنتر. تحولت الشاشة فجأة إلى قائمة طويلة من الأصول. لم تكن نقودًا سائلة فحسب، بل كانت عبارة عن أسهم في شركات شحن بحري وعقارات في منطقة سموحة والإسكندرية القديمة، مسجلة كلها تحت اسم شركة وهمية تُدعى “الشرق للمقاولات العامة”.

“القيمة الإجمالية للأصول دي حاليًا…” سكت المدير وبلع ريقه، ثم تابع: “… تتخطى حاجز الـ 400 مليون جنيه. وبصفتك الوريث الوحيد، وبمجرد ما نربط بصمتك بالحساب، كل ده هيبقى تحت تصرفك.”

تجمدت في مكاني. شعرت برغبة عارمة في الضحك والبكاء في آن واحد.

400 مليون جنيه؟!

أنا التي طُردت منذ ساعتين فقط من بيتي لأنني لم أملك مقدم إيجار شقة من غرفتين؟ أنا التي عايرني طليقي “سامح” بعجزي وفقري وأخذ حتى الكنبة التي اخترتها بنفسه؟ بابا… الرجل الهادئ الذي كان يقلّب الجنيهات ليشتري لي دواء الحساسية في الشتاء، كان يحمل هذا السر؟

“بس فيه مشكلة يا أستاذة فريدة،” قطع المدير حبل أفكاري بصوت جاد حذر، “الحساب ده مشفر بنظام “المفتاح المزدوج”. يعني الكارت بتاعك بيفك نص الشفرة… النص التاني لازم يكون مع الشخص اللي متسجل كـ (شريك ضامن) في الحساب.”

“شريك؟” سألت بذهول، “مين الشريك ده؟”

ضغط شريف على الفأرة لتظهر بيانات الشريك الضامن. وبمجرد ما ظهر الاسم، شعرت أن الأرض تدور بي، وأن النور الأبيض القاسي للبنك أصلح يجلد عيني.

الاسم المكتوب كشريك ضامن وحيد، والمسؤول عن تفعيل النصف الثاني من الثروة، كان:

**(الحاج إسماعيل الغرباوي)… والد طليقي “سامح”!**

الرجل الذي خطط مع ابنه لطردي، الرجل الذي كان أبي يرفض دائمًا زيارته أو التعامل معه رغم صلة القرابة البعيدة، والذي طالما وصفه أبي قبل وفاته قائلاً: “إسماعيل بياكل مال النبي، ابعدي عن ولاده يا فريدة.”… لكنني لم أستمع له وتزوجت ابنه.

التفتُّ للمدير وعقلي يربط الخيوط بسرعة مرعبة. زواجي من سامح لم يكن صدفة… طلاقي وطردي في هذا التوقيت بالذات لم يكن صدفة… هم كانوا يبحثون عن هذا الكارت! كانوا يعلمون بالثروة، لكنهم لم يكونوا يملكون المفتاح الأول الذي تركه أبي معي.

في تلك اللحظة، رن هاتفي الملقى على مكتب المدير.

نظرت إلى الشاشة… كان المتصل: **”سامح”**.

نظرت إلى الأستاذ شريف، ثم رفعت الخط وضغطت على زر المكبر والشرر يتطاير من عيني.

جاءني صوته الشامت المستفز عبر الهاتف: “إيه يا فروحة؟ لحقتي تتبهدلي في الشارع ولا لسه؟ أنا بس بكلمك عشان أقولك إنك نسيتي علبة قطيفة قديمة في مخزن البيت… فتحتها لقيت فيها ورق قديم لـ باباكي الله يرحمه، وفيه جواب موجه ليكي بيقولك تروحي بنك الإسكندرية… تحبي أجيبلك الورق ده لحد عندك ونفتح الحساب سوا؟ ولا هتيجي تسلمي الكارت اللي معاكي بالذوق؟”

**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *