بعد فرحى باسبوع حكايات رومانى مكرم 4
تنحت وبقيت ببص لوكيل النيابة وبؤي مفتوح من الصدمة، والجو في المكتب فجأة اتقلب لـ زنزانة تانية أضيق وأرعب. جسمي كله بدأ يتنفض، وسألت بصوت مرعوب ومش طالع: «مدحت مات؟! مات إزاي يا فندم؟ ده كان واقف معايا من يومين بيفكوا له الكلبشات في مكتب وسط البلد!»
رئيس النيابة هز راسه ورمى التقرير قدامي على المكتب وقال بجدية: «التقرير الجنائي واصل لنا من إسعاف الطريق الصحراوي.. عربية نقل فرتكت عربيته الملاكي وهو راجع بالليل متأخر، ومات في ساعتها، والنيابة قفلت التحقيق معاه لوفاته. يعني مفيش حد تشيل معاه القضية يا عبده، إنت المتهم الوحيد قدامي بالصوت والصورة والفلوس اللي اتمسكت في إيدك».
حسيت إن الدنيا بتلف بيا أسرع من الأول، والوجع ضرب في نفوخي. مدحت مات؟ ولا في حد “موّته”؟
نفس الطريق الصحراوي.. نفس الحادثة.. نفس الموتة المفاجئة اللي حصدت حمايا من شهر!
افتكرت كلمة حماتي في التليفون: «إنت نسيت إن حماك الله يرحمه كان رتبة تقيلة في الجيش.. ومعارفنا يهدوا جبال».
الست دي مش بس قانونية وعسكرية بالتخطيط، دي أفعى حقيقية مبترحمش. مدحت بعد ما خانني وسلمني ليها وقبض التمن، مالحقش يفرح بالقرشين، الحاجة فوزية شكلها قررت تنظف الساحة وراها تماماً، ومسحت مدحت من الوجود عشان السر يموت معاه، وعشان ألبس أنا القضية لوحدي من غير ما يكون معايا ولا شاهد واحد يثبت إني كنت مجرد ضحية أو مغفل ملعوب بيه!
رئيس النيابة خبط بالقم على المكتب وقال: «إمضاء يا عبده.. تجديد الحبس ١٥ يوم على ذمة التحقيق».
خرجت من مكتب النيابة وأنا بجر رجلي، والكلابشات المرة دي حاسس إنها مش في إيدي، دي كانت ملتفة حوالين رقبتي بتخنقني. رجعت الحجز، ورميت نفسي في الأرض وسط السجاير والدخان، وبقيت ببص للسقف وأنا بضحك ضحك هستيري.. ضحك واحد خلاص عقله طار. خسرت كل حاجة في أقل من شهر: الشقة، المرات، الفلوس، الحرية، وصاحبي اللي وزني طار في الهوا وبقى جثة تحت التراب.
عدت الأيام بطيئة وقاتلة، وكل تجديد حبس كان بيموت حتة جوايا، لحد ما عدا تلات شهور كاملة في الحبس الاحتياطي، وقضيتي اتحولت لمحكمة الجنايات.
في يوم الجلسة، وقفت ورا القفص الحديدي، لابس الأبيض، وجسمي خس النص، ودقني طالت وعيني غارت لجوة. كنت ببص على قاعة المحكمة بلهفة، بدور على أي وش مألوف. وفجأة شفتهم..
في آخر القاعة، كانت قاعدة الحاجة فوزية، وجنبها سماح.
سماح مكنتش لابة أسود.. كانت لابة فستان أزرق ناصع، ووشها رايق ومرتاحة، ومفيش في عينيها ولا نقطة حزن واحدة من اللي شفتها يوم عزا أبوها. وحماتي قاعدة حاطة رجل على رجل، وبتبص لي بنظرة انتصار وتشفي تخلي الصخر ينطق.
المحامي بتاعهم وقف قدام القاضي وقدم مستندات جديدة، وقال بصوت جهوري: «يا سيادة القاضي، المتهم الماثل في القفص لم يكتفِ بالاتجار في العملة والنصب، بل قام بتبديد منقولات زوجته والشهود يقرون بذلك، ونطالب بتوقيع أقصى العقوبة عليه ليكون عبرة لكل من تسول له نفسه غدر زوجته والاتجار بأموال اليتامى».
القاضي رفع نظارته وبص للأوراق، وبعدين بص لي وقال: «حكمت المحكمة حضورياً على المتهم عبده… بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات وغرامة خمسمائة ألف جنيه في قضية النقد الأجنبي، والسجن سنتين في قضية تبديد المنقولات الزوجية!».
الشاكوش نزل على المكتب كأنه نزل على دماغي. سبع سنين سجن! ونصف مليون جنيه غرامة! يعني هطلع من هنا شحات ومستقبلي انتهى.
الحرس سحبوني عشان ينزلوني لغرفة الحجز تحت المحكمة. وأنا بتسحب، عديت من جنب القفص القريب من الممر اللي هما قاعدين فيه. وقفت غصب عن الحرس، وبصيت لحماتي وصرخت بأعلى صوتي والدموع نازلة من عيني: «ليه يا فوزية؟! ليه عملتي فيا كل ده؟! أنا طمعت في الفلوس اه، بس مكنتش هأذيكم! ليه تموتوا مدحت وتضيعوني بالشكل ده؟!»
الحاجة فوزية قامت وقفت براحة، وقربت من السلك الفاصل بين الممر والقاعة، وبصت لي من ورا النظارة الشمس اللي كانت لابسها، وقلعتها ببكاء مصطنع قدام الناس، بس وطت راسها علي سنة وقالت لي بصوت واطي جداً مش هنسى نبرته طول ما أنا عايش:
«مدحت مماتش بأمرنا يا عبده.. مدحت مات بذنب حماك! حماك الله يرحمه مكنش رتبة وبس، حماك كان هو اللي مشغل مدحت والتاجر الكبير في السوق السودا لحسابه من سنين، والحادثة اللي عملها حماك مكنتش حادثة.. دي كانت تصفية حسابات من حيتان أكبر منه! والـ 500 ألف بتوع الوديعة دول؟ دول كانوا الفلوس اللي مدحت سرقها من حماك قبل ما يموت، وإحنا اللي كنا بنلعب بيك عشان نرجع حقنا من مدحت ونلبسك إنت الشيلة مكان حماك الله يرحمه! إنت كنت مجرد العروسة اللعبة اللي حركناها عشان نقفل الملف القديم.. واشرب بقى يا واد الناس، لأن اللي جاي في السجن جوة.. لسة مابداش!».
تنحت ومبقتش ناطق، والحرس سحبوني بالقوة وأنا بصرخ، وصوت ضحكتها الباردة لسة بيرن في ودني.. القضية مكنتش طمع في قرشين ستات، القضية كانت تار قديم وحسابات حيتان، وأنا الغبي اللي دخلت رجلي في وسط المصيدة بمزاجي!
نزلت الحجز تحت، وترميت في الأرض وأنا حاسس إن روحي بتطلع. وفي وسط الظلمة والكآبة، لقيت مسجون قديم قاعد في الركن، واش الوش بتاعه مليان جروح، بص لي وضحك وقال: «مالك يا عريس؟ وشك أصفر ليه؟ إنت عبده تبع قضية اللواء جلال؟»
بصيت له برعب وقولت: «إنت عرفت اسم حمايا منين؟!»
الراجل قرب مني، وطلع حتة حديدة مدببة من جيبه، وقال بصوت يرعب: «أصل الحاجة فوزية باعتة لك سلام غالي جوة الزنزانة.. وتقولك الأيام جوة هتبقى طويلة قوي».
#الكاتب_رومانى_مكرم
*حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الراجل قرب مني، والحديدية المدببة في إيده بتلمع مع الضوء الضعيف اللي جاي من نظارة الزنزانة. أنفاسي هربت مني، ورجعت بضهري لورا لحد ما لزقت في الحيطة المسقعة، وقلبي كان بيدق زي طبول الحرب. بصيت للراجل برعب وقولت بصوت يادوب مسموع: «إنت مين؟ وعايز مني إيه؟ الحاجة فوزية باعتالك إيه؟»
الراجل ضحك ضحكة مكتومة، ورجع الحديدة في جيبه وبص لي بنظرة كلها مكر وقال: «اخفض صوتك يا حيلتها، إنت فاكر السجن ده غابة؟ السجن ده ليه أسياد، وأسياده برة هما اللي بيحركوا اللعب جوة. أنا اسمي “المعلم برعي”، وقاعد هنا بقالي سنين، والحاجة فوزية ست واصلة، وعن طريق ناس تبعها جوة مأمنة لك قعدة مرتاحة.. أو قعدة في الجحيم، على حسب إنت هتمشي معانا إزاي».
قعدت على ركبي ودموع القهر نازلة على وشي الدبلان، وقولت: «تمشوا معايا إزاي؟ أنا خلاص انقضى عليا بسبع سنين، وشقتي ضاعت، وفلوسي طارت، هتاخدوا مني إيه تاني؟ أنا م بقاش حيلتي غير الهدوم اللي عليا!»
المعلم برعي قعد قصادي، وطلع سيجارة وولعها، ورمى الدخان في وشي وقال: «الفلوس اللي طارت دي يا عبده مكنتش كل حاجة. حماك اللواء جلال الله يرحمه، مكنش مخبي الـ 500 ألف بس. الراجل ده قبل ما يموت بأسبوع، كان مخبي فلاشة تقيلة عليها حسابات وأرقام تودي حيتان في داهية، والفلاشة دي كانت في شقتك إنت! الشقة اللي إنت لسة كاتبها باسم مراتك سماح من كام يوم. الحاجة فوزية قلبت الشقة حتة حتة ومفيش أثر للفلاشة، وعارفة إنك إنت الوحيد اللي كنت بتنضف وتغير في الشقة قبل الفرح.. الفلاشة فين يا عبده؟ لو قولت مكانها، السبع سنين دول هيبقوا نزهة وتطلع بعد سنتين عفو، لو غبيت.. الحديدة دي هتعلم في وشك كل يوم علامة».
دماغي لفت بيا وزي ما يكون سهم ضرب في نفوخي. فلاشة؟ افتكرت قبل الفرح بيومين، وأنا برتب الدولاب بتاع أوضة النوم، لقيت علبة قطيفة صغيرة مستخبية ورا الخشب، فتحتها لقيت فيها فلاشة سودة صغيرة ممسوكة بسلسلة فضة، مكنتش أعرف بتاعت إيه، وافتكرتها بتاعة سماح وشلتها في مكان محدش يتوقعه.. شلتها جوة الشاسيه الحديد بتاع سرير أوضة النوم من تحت!
بصيت للمعلم برعي وقولت بذكاء وصوت واطي: «الفلاشة معايا يا معلم.. بس مش هقول مكانها إلا لما أضمن رقبتي. لو الحاجة فوزية فاكرة إنها قفلت اللعبة، قسماً بالله لو جرالي حاجة جوة لكون مبلغ باللي أعرفه، والملف كله يتفتح من جديد».
المعلم برعي ضيق عينيه، ومصمَص شفايفه وقال: «ماشي يا ابن الآية، طلعت مش سهل وبترفس وأنت في المصيدة. هبلغهم بالكلام ده، بس خليك فاكر.. اللعب مع الحيتان عايز نفس طويل، وإنت نفسك قصير».
عدى ليلتين وأنا في الحجز مابنامش، كل ما عيني تغفل أشوف حمايا وعربيته بتتفرتك على الصحراوي، وأشوف مدحت وهو بيموت، وأسمع ضحكة الحاجة فوزية الباردة. وفي اليوم الثالث، جالي ترحيل على سجن ليمان طرة عشان أقضي العقوبة.
دخلت السجن الكبير، اللبس الأزرق بقا هو جلدي الثاني، والحيطان العالية قفلت على مستقبلي. بس المعلم برعي كان صادق، أول ما دخلت، لقيت “النبطشي” بتاع العنبر بيعاملني بنوع من الحذر، وخصصوا لي سرير نظيف في ركن بعيد، وعرفت إن الرسالة وصلت للحاجة فوزية، وإنهم مستنيين مني كلمة السر عشان يطولوا الفلاشة.
بعد شهرين من العذاب والروتين القاتل، جه عسكري ونادى بـ صوت عالي: «المسجون عبده.. عندك زيارة استثنائية في مكتب مأمور السجن!».
استغربت جداً، الزيارات العادية بتكون في قاعة الزيارة ورا السلك، إنما مكتب المأمور دي معناها إن الزاير شخصية فوق العادة. مشيت ورا العسكري وقلبي في رجلي، دخلت المكتب الفخم، لقيت المأمور واقف بـ احترام، وقاعد على الكرسي الجلد.. الحاجة فوزية!
كانت لابة طقم أسود شيك، وحاطة نظارتها الشمسية على المكتب، وبتبص لي بهدوء يرعب الصخر. المأمور بص لنا وقال بـ أدب: «أنا هسيبكم عشر دقائق يا فندم براحتكم»، وخرج وقفل الباب وراه.
وقفت قبالها وأنا مكلبش وإيدي لزقا في جينبي، وقولت بنبرة مليانة غل وقهر: «نورتي السجن يا حاجة فوزية.. جاية تشوفي العروسة اللعبة وهي بتموت في الزنزانة؟»
فوزية سحبت نفس طويل من سيجارة كانت في إيدها، وقالت بصوت هادي وزي الفحيح: «الموت ده للضعاف يا عبده، وإنت طلعت بتعافر وعندك كارت تلعب بيه. برعي بلغني بكلامك. الفلاشة فين يا واد الناس؟ اخلص وقولي مكانها عشان أخلصك من القرف اللي إنت فيه ده. أنا قادرة أغير لك المحضر، وأعمل لك نقض في الحكم ويتقبل وتطلع براءة في ظرف سنة، بس الفلاشة تسلم».
ضحكت بمرارة وقولت: «براءة؟ بعد ما خدتوا شقتي وخلعتوني وبهدلتوا اسمي؟ أنا مش غبي يا فوزية. أنا لو قولت مكان الفلاشة دلوقتي، هكون كتبت شهادة وفاتي بإيدي، وهحصل حمايا ومدحت في الترب في ثانية. الفلاشة دي هي حبل المشنقة اللي أنا لافه حوالين رقبتكم، وطالما أنا جوة السجن وفي أمان، الفلاشة في أمان. أول ما أطلع وأقف على رجلي برة، ويكون في إيدي ورق رسمي يرجع لي شقتي وكرامتي، ساعتها هتاخدي الفلاشة».
ملامح فوزية اتقلبت في ثانية، والوش الهادي بقا زي الشيطان، وقفت وقربت مني لحد ما بقا بيني وبينها سنتيمترات، وقالت وهي بتضغط على أسنانها: «إنت بتهددني يا حيلتها؟ إنت فاكر نفسك بقيت ند ليا؟ الشقة دي بقت باسم بنتي بأمر المحكمة وعقد البيع بتاعك، ومفيش قوة على الأرض هترجعهالك. والفلاشة دي إحنا هنعرف نوصلها، لو مكنتش في الشقة، هتبقى في أي مكان تاني، وإحنا بنقلب الدنيا عليها. قدامك دقيقة واحدة تقول مكانها، وإلا قسماً بـ جلال الله، هخلي أيامك جوة السجن عبارة عن قطعة من الجحيم، وهتتمنى الموت كل دقيقة ومش هتناله!»
بصيت في عينيها بثبات مكنتش أعرف إنه جوايا، وقولت: «وريني هتعملي إيه يا فوزية.. أعلى ما في خيلك اركبيه. الشقة دي شقة أبويا، والدم اللي على الصحراوي أنا ماليش ذنب فيه، وإذا كنتوا حيتان، فـ السجن جوة مليان حيتان أكبر منكم ويدوروا لحسابهم».
فوزية لفت وشها، وأخدت نظارتها وشنطتها، وفتحت الباب وخرجت وهي بتزعق للمأمور: «رجعوا المسجون ده على زنزانته فورا!».
رجعت العنبر وأنا حاسس إن المعركة الحقيقية بدأت. الست مش هترحمني، والتهديد ده مش كلام وبس. وبالفعل، من تاني يوم، الوضع اتقلب تماماً. الأمن منع عني الزيارات تماما، ونقلوني من العنبر النظيف لـ زنزانة “التأديب” تحت الأرض.. أوضة ضلمة، مفيهاش نور، المية بتنقط من السقف، والجو تلج، ومفيش غير بطانية واحدة مقطعة.
كنت بقعد في الضلمة أصرخ من الألم والخوف، وكل يوم يدخل عليا عسكري يرمي لي لقمة عيش ناشفة ويقولي بـ قسوة: «الحاجة بتقولك.. لسة مانطقتش؟». وأنا أرد وأقول: «مش هقول.. مش هقول لو هموت هنا!».
عدى شهر كامل في زنزانة التأديب، وجسمي بقا عبارة عن هيكل عظمي، وكنت خلاص على وشك الانهيار والجنون. وفي ليلة من الليالي، والهدوء مغطي السجن كله، سمعت صوت حركة غريبة برة باب الزنزانة. صوت مفاتيح بتتفتح براحة وبدون شوشرة.
الباب اتفتح سنة صغيرة، ودخل ضوء كشاف ضعيف عمى عيني التعبانة. ظهر خيال راجل طويل، لابس لبس ضباط السجن، بس مكنش الضابط بتاع العنبر. قرب مني ووطى على ركبه، ونور الكشاف في وشي وقال بصوت واطي ومتحمس: «عبده.. اثبت وماتطلعش صوت. أنا الرائد أحمد من مباحث أمن الدولة.. وإحنا مراقبين الحاجة فوزية وملف اللواء جلال من زمان، وعارفين إنك الكارت الوحيد اللي باقي في اللعبة».
تنحت وبصيت له ومش مصدق وداني، وقولت بـ صوت حشرجة: «أمن الدولة؟ يعني إنتوا عارفين كل حاجة؟»
الرائد أحمد هز راسه وقال: «عارفين إن حماك اتصفى، وعارفين إن مدحت اتقتل، وعارفين إن فوزية بتدور على الفلاشة اللي معاك وبتهددك بيها جوة السجن. إحنا جينا ننقذك يا عبده.. بس بشرط. هتقولنا على مكان الفلاشة فوراً، وإحنا هنتحفظ عليها، وفي المقابل، القضية بتاعتك هتتنسف، والشقة هترجعلك، وفوزية وسماح والشبكة كلها هيبقوا مكانك هنا في الزنزانة دي قبل ما النهار يطلع».
حسيت إن طاقة القدر اتفتحت لي، وخلاص حبل المشنقة هيتلف حوالين رقبة فوزية. خدت نفس طويل وكنت لسة هفتح بؤي وأقوله على مكان الفلاشة جوة شاسيه السرير الحديد.. بس فجأة، عيني جت على إيد الضابط اللي ماسك الكشاف.
الضابط كان لابس في صباعه خاتم فضة كبير وفيه فص أسود منقوش عليه حرفين.. نفس الخاتم اللي شفته في إيد الراجل الكبير الهيبة اللي كان قاعد في مكتب وسط البلد يوم ما اتقبض عليا! التاجر اللي مدحت خدني عنده!
جسمي كله اتلجم، وحسيت برعب يفوق رعب زنزانة التأديب بمراحل.. الراجل ده مش من أمن الدولة! ده تبع الحيتان الكبار اللي صفوا حمايا ومدحت، ولابسين لبس ضباط عشان يلطشوا الفلاشة ويخلصوا عليا!
بلعت ريقي بصعوبة، وداريت الصدمة، وبصيت له وقولت بكذب وإيدي بـ تترعش: «الفلاشة.. الفلاشة مش في الشقة يا باشا.. الفلاشة أنا دافنها في…»
وفي اللحظة دي، النور الكبير بتاع الممر الخارجي اشتغل فجأة، وصوت صفارات الإنذار في السجن كله ضربت بـ صوت يثقب الودان، وباب الزنزانة الحديد اتفتح على وسعه..
#الكاتب_رومانى_مكرم
*حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
وفي اللحظة دي، النور الكبير بتاع الممر الخارجي اشتغل فجأة، وصوت صفارات الإنذار في السجن كله ضربت بصوت يثقب الودان، وباب الزنزانة الحديد اتفتح على وسعه، ودخلت قوة حقيقية من حرس السجن ومباحث مصلحة السجون وعلى رأسهم مأمور السجن بنفسه، ومسدساتهم مرفوعة وجاهزة للضرب.
الراجل اللي كان لابس لبس الضابط اتنفض ووقف مكانه، وحاول يمد إيده على جيبه، بس الظابط الحقيقي صرخ فيه: «ارمي السلاح اللي معاك واثبت مكانك! السجن كله محاصر!»
في ثواني، انقضوا عليه وكتفوه، والمأمور قرب مني وأنا مرمي في الأرض بكل قلة حيلة، وطبطب على كتفي وقال: «حمد الله على السلامة يا عبده.. إنت كنت هتروح في داهية لولا إننا كاشفين اللعبة من أولها».
اتضح إن الأجهزة السيادية الحقيقية كانت حاطة الشقة برة، وحسابات اللواء جلال، وتصرفات الحاجة فوزية تحت المراقبة اللصيقة من يوم الحادثة على الصحراوي. ولما الحيتان الكبار حسوا إن حبل المشنقة بيقرب من رقبتهم، فكروا في الحيلة الشيطانية دي: يزوروا لبس ضابط ويدخلوا لي جوة زنزانة التأديب بالتواطؤ مع حارس مرتشي، عشان ياخدوا مكان الفلاشة ويصفوني ويقفلوا القضية للأبد. بس الترتيبات الأمنية الحقيقية كانت أسرع، والكمين اتعمل ليهم جوة السجن نفسه.
تاني يوم الصبح، اتنقلت لمكتب جهة سيادية عليا برة السجن. كنت قاعد على كرسي مريح، وقدامي كوباية شاي سخنة، ولأول مرة من شهور أحس بآدميتي. دخل الظابط المسؤول، وبص لي بنظرة جدية وقال: «يا عبده، إحنا عارفين كل اللي حصل معاك، من أول طمعك في فلوس حماتك وعزا حماك، لحد ما وقعت في مفرمة ناس مابترحمش. الفلاشة فين؟ الأمان الوحيد ليك وللبلد إن الورق ده يجي في إيدينا إحنا، وبناءً عليه، إنت هتاخد حماية كاملة، والقضايا اللي عليك كلها هتتصنف كـ “تعاون مع جهات الأمن لتفكيك شبكة فساد دولية”، وهتطلع لبيتك وراسك مرفوعة».
أنا من غير تفكير، وبدون أي طمع فارغ، قولتله: «جوة الشاسيه الحديد لسرير أوضة النوم في شقتي القديمة يا فندم.. مستخبية جوة القطيفة».
القوة طلعت فوراً، وفي ظرف ساعات كانت الفلاشة في يد العدالة. الفلاشة دي مكنتش مجرد حسابات، دي كانت الصندوق الأسود لشبكة ضخمة من تجارة العملة والتهريب وغسيل الأموال، وفيها أسماء حيتان كبار، ومن ضمنهم الوش الحقيقي للحاجة فوزية اللي كانت بتدير اللعبة من ورا الستار وباسم جوزها اللواء جلال.
خلال أسبوع واحد، الدنيا اتقلبت. صدر قرار من النائب العام بـ براءتي وإسقاط كل العقوبات عني نظير تعاوني في قضية أمن دولة عليا، وبطلان عقد بيع الشقة لـ سماح لأنه ثبت إنه تم تحت التهديد والابتزاز من شبكة إجرامية.
يوم خروجي، وقفت قدام باب السجن، الشمس كانت حامية بس كنت حاسس بنسمة حرية مبقتش مصدق إنها رجعت لي. ركبت العربة ورجعت على منطقتي. مشيت في الشارع اللي شهد فرحي وعزايا وخراب بيتي. الزينة كانت خلاص اتشالت وتلمت، والناس بتبص لي بنظرات ذهول، كأني ميت وقام من تربته.
طلعت الشقة، فتحت الباب بالمفتاح الأصلي اللي رجع لي. الشقة كانت فاضية، العفش لسة موجود بس مفيش فيه حس ولا خبر. دخلت أوضة النوم، وقعدت على السرير اللي شهد كل المأساة، وبكيت.. بكيت دموع ندم حقيقي على اليوم اللي سمحت فيه للشيطان والطمع يدخلوا قلبي.
أما الحاجة فوزية وسماح، فالعقوبة اللي نزلت عليهم كانت أشد بمراحل. الحاجة فوزية اتسجنت مؤبد بتهمة إدارة شبكة تهريب ونقد أجنبي والإضرار بالاقتصاد القومي والتحريض على القتل، وسماح لبست ١٠ سنين سجن بتهمة التزوير والاشتراك في النصب والابتزاز. الستات اللي كانوا قاعدين على كنز وبيرسموا الخطط العسكرية، انتهى بيهم الحال ورا نفس السلك الحديدي اللي كنت واقف وراه، والفلوس والوديعة والـ 850 ألف كلهم اتصادروا لصالح الدولة كـ أموال مهربة ومجهولة المصدر.
### 💡 الحكمة والرسالة من القصة:
إن قصتي دي مش مجرد حكاية تتسرد للتسلية، دي درس وعبرة لكل راجل وكل إنسان بيجري ورا الدنيا بالـ “فهلوة” والطمع:
* **الطمع ضر ما نفع:** الفلوس المركونة في البنوك وشقا الناس مكنش حقي من الأول. لما عيني زغللت على مال مش من تعبي، خسرت حيلتي وشقتي وحريتي. اللي بيبص للي في إيد غيره، بيضيع اللي في إيده.
* **البيوت تتبنى على المودة لا على المصلحة:** أنا دخلت الجواز وأنا باصص لـ “سماح” كـ زوجة، ولما ظهرت الفلوس، اتحولت نظرتي ليها كـ “صفقة وكيلو دهب”. البيت اللي أساسه طمع، بيهدّه أول إعصار.
* **حرمة الموت واليتامى خط أحمر:** الأيام مابترحمش اللي ما بيراعيش حرمة الموت. الصدمة والطمع اللي جولي في أيام العزا، كانوا هما بداية لعنتي. حق الولايا واليتامى نار تحرق اللي يقرب منها.
* **من حفر حفرة لأخيه وقع فيها:** الحاجة فوزية ومدحت وأنا، كلنا حفرنا حفر لبعض. مدحت خانني فوقع تحت العجل، وفوزية طمعت في الشقة فلبست المؤبد، وأنا طمعت في الوديعة فدقت المر والذل في الزنازين. وفي الآخر، مبقاش غير الحق، والقرش الحلال اللي بيجي بـ عرق الجبين والرضا بما قسمه الله هو الوحيد اللي بيدوم ويستر صاحبه.
#الكاتب_رومانى_مكرم
