زوجتي السابقة 2
التفتُّ والدموع تغشي بصري، فإذا به كريم.
توقف على بُعد خطوتين مني، كان يلهث، ويداه اللتان خشّنتهما قسوة العمل في البناء كانت ترتجفان. نظرتُ إليه وأنا أشعر بالخزي يتآكلني من الداخل. أردتُ أن أركع عند قدميه، أن أطلب منه السماح عن كل سنوات الجحود، وعن تلك الكلمات المسمومة التي قذفتها في وجهه قديماً، وعن نيتي الدنيئة التي جئتُ بها اليوم.
لكنه لم يمنحني الفرصة للكلام. نظر إلى سيارتي الفاخرة، ثم إلى بدلتي الأنيقة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مريرة، وقال بصوت متحشرج خنقه البكاء:
— صاير أفندي يا أحمد… لعد ليش تبجي؟ مو هذا المستقبَل العيرتني بسببه؟ مو هاي الوجاهة اللي ردتها؟
لم أستطع الرد. غصّة في حلقي منعتني من النطق. تمنيت لو أن الأرض تنشق وتبتلعني.
تابع كريم وهو يمسح دمعة فرت من عينه رغماً عنه:
— سارة حِجتلي عنك.. حِجتلي عن الشخص اللي كسر قلبها وعافها علمود الفلوس والمظاهر، بس ما كانت تعرف إنه أخويه. ولا أنا كنت أعرف إن النذل اللي داس على قلبها هو نفسه الأخ اللي ضيعت شبابي وصحتي علمود يدرس ويصير براسه خير.
في هذه الأثناء، لحقت بنا سارة. كانت تمشي بخطوات بطيئة، وعلامات الصدمة لا تزال مرتسمة على وجهها. وقفت بجانب كريم، ونظرت إليّ بنظرة لم أجد فيها تشفّياً ولا حُقداً، بل كان فيها حزن عميق وشفقة أحرقت ما تبقى من كبريائي.
أمسكت سارة بذراع كريم بقوة، وكأنها تعلن حمايتها له وانحيازها الكامل إليه، وقالت بصوت هادئ لكنه حاد كالس*كين:
— أحمد… أنت جيت هنا حتى تشوف العريس وتستهزئ بخياري، صح؟ جيت تتباهى بفلوسك وسارتك؟
طأطأت رأسي وعجزت عن إنكار الحقيقة. تابعت سارة وهي تنظر إلى كريم بفخر واعتزاز:
— هذا الإنسان البسيط اللي جاي تضحك عليه، يسوى الدنيا كلها بعيني. هذا تعب وشقى بشرفه، وما داس على أقرب الناس إله علمود يصعد. الفلوس اللي تدور عليها ما جابتلك غير دموع الحصرة الواقف بيها هسة قدامنا.
التفت كريم إليها، ثم نظر إليّ نظرة أخيرة، نظرة قطعت الخيط الرفيع المتبقي من أملي في العودة إلى عائلتي. قال بجفاء قارس:
— أحمد… أنت اليوم غريب بهذا المكان. فرحتي ما أريدها تخترب. أخذ سيارتك وفلوسك، وارجع لبغداد.. ارجع لحياتك اللي اختاريتها.
استدار الاثنان وسارا معاً نحو ساحة الحفل، متشابكي الأيدي، تاركين إياي وحيداً في ظلام الطريق الفرعي.
ركبتُ سيارتي الفاخرة، تلك الكتلة الحديدية التي لم تعد تعني لي شيئاً. شغّلت المحرك ودموعي لا تتوقف، وقد بدأت أدرك حجم اللعنة التي وضعت نفسي فيها. انطلقتُ عائداً إلى بغداد، إلى بيتي البارد، وإلى زوجتي رنا التي تنتظرني هناك بكلماتها الجارحة وسخريتها المستمرة.
طوال الطريق المستغرق ساعات، كانت الكلمات تدور في عقلي كالمطارق. كيف سأعيش بعد اليوم؟ كيف سأواجه نفسي في المرآة وأنا أعلم أنني خسرت الأخ الذي صنعني، والمرأة التي كانت مستعدة لتقدير تفاصيلي؟
عندما وصلت إلى بغداد، كان الفجر قد بدأ بالبزوغ. أوقفت السيارة أمام منزلي، وقبل أن أنزل، رنّ هاتفي. نظرت إلى الشاشة، فإذ به اتصال من رقم غريب، لكنه من محافظة بابل…
نظرتُ إلى الشاشة والدموع تجف على وجهي، تردد في داخلي خوف غريب، هل يكون كريم؟ أم هي سارة؟ أم أن مصيبة أخرى تنتظرني؟
فتحتُ الخط بـأصابع ترتجف، وقبل أن أنطق بكلمة، جاءني صوت رجل وقور، هادئ لكنه يحمل نبرة حاسمة، قال:
— السلام عليكم… الأخ أحمد السامرائي؟
أجبت بصوت مبحوح:
— وعليكم السلام… نعم، أنا أحمد. منو ويايه؟
أخذ الرجل نَفَسًا عميقًا ثم قال:
— أنا الشيخ أبو حديد، صديق مقرب من أخوك كريم وعم سارة بالمنطقة. أحمد… أنا شفت اللي صار اليوم بالشارع، وشفت كسرتك ودموعك. كريم حاليًا ملتهي بويا المظاهير والناس، بس هو دخل لبيته وعيونه مغورقة دموع. الأخ ما يتبرأ من أخوه مهما دارت الأيام، ودم العروق ما يصير ماي.
شردتُ قليلاً بكلمات الشيخ، وكأن طوق نجاة رُمي لي في بحر من الظلمات. سألت بلهفة:
— فدوة لعينك يا شيخ… كريم شقلك؟ راح يسامحني؟ أنا مستعد أترك كل عيشتي بغداد وأجي أبوس إيده ورجله قدام الكل.
رد الشيخ بصوت حزين:
— الموضوع مو بهاي البساطة يا ابني. سارة انظلمت منك زمان، وكريم انظلم منك أكثر. كريم هسة صار عنده عائلة، وسارة صارت عرضه وشرفه، والكسر اللي بقلوبهم عميق. أنا اتصلت بيك حتى أقولك شي واحد: إذا صدك تبت وندمت على غرورك، لا ترجع لبغداد هسة. كريم باجر الصبح طالع لمشروع بناء جديد بأطراف الحلة، هو يشتغل هناك مقاول على قد حاله… روحله، بس لا تروح كأستاذ ومدير مبيعات وبسيارة فاخرة. روحله كأخو الصغير اللي محتاجه.
انقطع الاتصال، وبقيت أُحدق في شاشة الهاتف الفراغ. التفتُّ نحو منزلي الفاخر، نحو جدرانه الباردة التي تذكرني بزواجي الفاشل من رنا وبحياتي المبنية على المظاهر الكاذبة. شعرت فجأة بـاشمئزاز شديد من كل شيء أملكه.
اتخذت قراري دون تردد. لم أدخل البيت. ركبت السيارة وتوجهت فورًا إلى شقة صديق مقرب لي أثق به، طلبت منه أن يعيرني ملابس عمل بسيطة، وسيارة قديمة مستعملة من التي يملكها في معرضه. استبدلت بدلتي الأنيقة بقميص قطني بسيط وبنطال جينز قديم، وتركت ساعتي الثمينة وهاتفي الفاخر، وأخذت فقط عنوان المشروع الذي أخبرني به الشيخ.
مع شروق الشمس، كنت قد وصلت إلى موقع البناء في أطراف الحلة. كانت الأرض ترابية، وصوت الآلات يملأ المكان، والعمال يتحركون بهمة ونشاط يحملون الطابوق والإسمنت.
ترجلت من السيارة القديمة، وسرت بين أكوام الحصى والرمل، أبحث بعيني عن أخي. وبعد دقائق، رأيته… كان يقف في منتصف الهيكل الخرساني، يوجه العمال بـصوته الجهوري، وعلى وجهه حبات العرق التي تشهد على شرفه وتعبه.
وقفت على بُعد أمتار منه، وناديت بصوت يرتجف:
— كريم…
التفت كريم نحو مصدر الصوت. عندما رأى هيئتي الجديدة، والسيارة القديمة التي أقف بجانبها، وملابسي البسيطة، تيبّست ملامحه وتوقفت الكلمات في فمه. ساد الصمت بيننا من جديد، وظل ينظر إليّ بذهول، وكأنه يحاول استيعاب إن كان هذا هو نفسه “أحمد الأنانى” الذي التقى به بالأمس.
خطوت نحوه خطوة، وانحنيت ألتقط طابوقة من الأرض، وحملتها بيدي التي لم تعتد سوى على الأقلام والأوراق، وقلت والدموع تلمع في عيني:
— جيت أشتغل وياك عامل يا خوي… علمّني شلون أصير رجال مثلك.
نظر كريم إلى الطابوقة في يدي، ثم نظر في عيني، وتقدم نحوي بخطوات ثقيلة، وعلامات الصراع الداخلي واضحة على وجهه المتعب…
وقف كريم أمامي، وكانت ملامحه الخشنة تتحرك بـانفعالات مكتومة كأمواج تتلاطم في صدره. نظر إلى الطابوقة التي كنت أحملها بـيديّ الناعمتين اللتين لم تعرفا يوماً سوى برودة المكاتب الفاخرة وملمس الأوراق الرسمية، ثم نظر في عيني مباشرة. كانت نظراته حادة كالمشرط، تخترق كل قناعاتي الزائفة وتجرّدني من كبريائي المتبقي.
مرت دقائق من الصمت الثقيل، لم يكن يقطعها سوى أصوات معاول العمال وضجيج خلاطة الإسمنت القريبة منا. تمنيت في تلك اللحظات لو أنه يصرخ بوجهي، أو يضربني، أو يطردني شر طردة، فالألم الناتج عن صمته كان أشد فتكاً بقلبي من أي عقاب جسدي.
أخيراً، خطى كريم خطوة إضافية نحو الأمام، ومد يده الخشنة التي امتلأت بالشقوق والجروح الناتجة عن سنوات الشقاء، وأخذ الطابوقة من يدي بـقوة، ثم رماها على الأرض بقسوة لـتتفتت إلى نصفين. قال بصوت منخفض لكنه كان يهز أركان نفسي:
— عبالك المرجلة والندم لعبة يا أحمد؟ عبالك تبدل قاطك الأنيق بهدوم عتيقة وتجيني هنا حتى أصفقلك وأقولك عفية بأخويه التايب؟ السنين اللي ضاعت من عمري وأنا أنحت بالصخر علمودك ما تنمسح بـطابوقة تشيلها هسة. والدموع اللي بكتها سارة بسببي وبسببك ما تجف بمجرد إنك جيت تمثل دور الفقير.
انهمرت دموعي بغزارة، ولم أجد في نفسي القوة لأرفع رأسي وأواجه نظراته. قلت له بنبرة متوسلة مخنوقة بالبكاء:
— والله العظيم ما جاي أمثل يا كريم.. والله ندمان. الدنيا دارت بيا وجمعتني بيكم بـنفس الليلة حتى تصحيني من عمري الضاع ورا المظاهر. أنا عشت خمس سنين بغداد كأني ميت، فلوس وسيارات وبيت جبير، بس كرامتي مهانة وزوجتي تذلني كل يوم وتذكرني إني لولا أبوها ما أسوى شي. أنا خسرتكم وخسرت نفسي، وجيتك هسة وأنا ما عندي شي أخسره، بس أريد رضاك.. أريد أرجع أخوك الصغير اللي جنت تشيله على جتافك.
التفت كريم بوجهه عني، وأخذ نفساً عميقاً وكأنه يحاول كبت دمعة عنيدة حاربت للخروج من عينيه. كان الصراع داخله عنيفاً؛ صراع بين قلب الأخ الكبير الحنون الذي ربّاني، وبين كرامة الرجل الذي تعرّض لأقسى طعنة من أقرب الناس إليه.
في تلك الأثناء، اقترب منا أحد العمال القدامى في الموقع، وهو رجل كبير في السن يرتدي الكوفية العراقية، يبدو أنه كان يتابع الموقف من بعيد. وضع يده على كتف كريم وقال بنبرة دافئة تحمل حكمة الشيوخ:
— يا كريم يا ابني.. المسامح كريم، والولد جاك لـحد عندك وعاف دنيته وعيشته وجاك بهدوم الشغل. رب العالمين يسامح، وإحنا بشر خطائين. لا تكسر بأخوك قدام الغربا، دمك ولحمك هذا.
نظر كريم إلى العامل العجوز، ثم أعاد نظره إليّ. رأيت في عينيه تلألؤ الدموع لأول مرة منذ سنوات. تنهد بحسرة، ثم قال لي بجفاء مصطنع يحاول من خلاله إخفاء رقته:
— تريد تشتغل؟ تمام. تروح لـذاك الركن، وتلزم الكرك (المجرفة)، وتخبط الرمل ويه الإسمنت والماي.. من هسة لحد ما تغيب الشمس. وإذا شفتك تعبت أو تذمرت، راح تطرد نفسك بنفسك من هذا المكان، وما تلمح طيفي بعد طول عمرك. سامع؟
أومأت برأسي سريعاً وفرحة عارمة تجتاح قلبي رغم قسوة شرطه. مسحت دموعي بكم قميصي البسيط، وركضت نحو زاوية العمل كمن عثر على كنز ثمين. أخذت المجرفة وبدأت بخلط الإسمنت والرمل. لم تمر ساعة واحدة حتى بدأت يداي تتورطان وتظهر فيهما الفقاعات المؤلمة، وظهري كاد ينكسر من شدة الانحناء، وعرقي يتدفق بغزارة ليختلط بغبار العمل. لكن مع كل ضربة مجرفة، كنت أشعر وكأنني أغسل جزءاً من ذنوبي القديمة، وأتخلص من غبار الغرور الذي ران على قلبي لسنوات.
كان كريم يراقبني من بعيد بين الحين والآخر بنظرات غامضة، لا تخلو من القلق الدفين عليّ، لكنه كان يتعمد إظهار الجفاء والشدة أمام العمال حتى لا يشعرني باللين سريعاً.
وعندما حلت ساعة الظهيرة، واشتدت حرارة الشمس، جلس العمال في الظل ليتناولوا وجبة غداء بسيطة مكونة من الخبز والجبن والرقي (الرّقّام). كنت أقف بعيداً عنهم خجلاً مستنداً إلى أحد الجدران، وجسدي يرتجف من التعب الجسدي الذي لم أعتد عليه يوماً.
فجأة، اقتربت سيارة أجرة (تاكسي) من موقع البناء وتوقفت عند البوابة الترابية. انفتح الباب، وترجلت منها فتاة ترتدي عباءة عراقية أنيقة وبسيطة، وتحمل في يدها سلة مغطاة بقماش أبيض…
كانت **سارة**!
توقفت الأنفاس في صدري، وتجمدت في مكاني وأنا أراها تتقدم نحو الموقع. التفت كريم نحوها بابتسامة حانية التقت بها ملامحه المتعبة، وسار باتجاهها ليرحب بها. لكن بمجرد أن دخلت سارة الساحة وتلفتت حولها، وقعت عيناها عليّ وأنا أقف بهيئتي المزرية، والتراب يغطي وجهي وملابسي، ويداي المتورمتان تنزفان دماً خفيفاً.
اتسعت عيناها بـذهول، ونظرت إلى كريم ثم إليّ، وساد صمت مطبق في أرجاء المكان…