رجعت من السفر حكايات رومانى مكرم 3
البيت هدي من برة، بس من جوة كان عامل زي قنبلة موقوتة، عَقرب ثوانيها بيلف في صمت ومستني اللحظة اللي هينفجر فيها.
إخواتي البنات “منى وعبير” مشيوا وخرجوا برا البيت، قعدوا في الأوضة والصالة اللي أجرتهالم، وأمي انكمشت في أوضتها الجوانية زي الحية اللي انضربت على ديلها؛ مبتتكلمش، مبتطلعش، وتليفونها اتسحب منها تماماً عشان أقطع أي خط اتصال بينها وبين إخواتي برة. حنان بدأت تتنفس النفس اللي كان محروم عليها، والبيت بقا بتاعها بطولها وعرضها، بس الخوف مكنش مفارق عينها.. كل ما تبص ليحيى وهو نايم في سريره، تضمه وتقولي: *”يا عاصم، أنا خايفة من الهدوء ده.. إخواتك مش هيسكتوا، واللي تعمل سحر وتخرب بيت أخوها، مفيش حاجة كبيرة عليها”*. كنت أطبطب عليها وأقولها: *”طول ما فيا نفس، مفيش نملة تقدر تخطي عتبة الباب ده طول ما أنا صاحي”*.
بس الغدر مبيجيش من الباب.. الغدر بيجي من الضهر، وفي الوقت اللي بتبقى فاكر فيه إنك مأمن كل حاجة.
بعد أسبوعين، جالي شغل برة المحافظة.. مقاولة كبيرة في السويس هتقعد تلات أيام، والقرش بتاعها كان مجزي ومحتاجه عشان أسدد الديون اللي عليا بعد مصاريف المستشفى والفرش الجديد وعقد الإيجار. مكنتش عاوز أسيب حنان ويحيى لوحدهم، بس حنان قعدت تطمني وتقولي: *”يا عاصم روح وشوف شغلك، إحنا قافلين علينا بـ ميت قفل، والشيخ منصور بيعدي على البيت كل يوم، وأمك جوة نايمة ومبتنطقش، متقلقش علينا”*.
قبل ما أمشي، دخلت لأمي الأوضة، حطيت جنبها مصاريف تلات أيام وأكلها وشربها، وبصيت في عينها وقولت لها: *”أنا مسافر تلات أيام.. مراتي وابني أمانة، لو جيت لقيت الهوا لمسهم، والـله العظيم يا أمي لانسى إني ابنك، وهتشوفي مني وش مش هيرضيكي”*. بصتلي من تحت لتحت ولفت وشها الناحية التانية من غير ما تنطق.
سافرت السويس.. الشغل كان واخد كل وقتي وعقلي، بس تليفوني مكنش بيفارق إيدي، كل ساعتين أكلم حنان أطمن عليها وعلى الواد.
في الليلة التانية، كانت الساعة واحدة بعد نص الليل.. روحت الفندق بعد يوم شغل يهد الحيل، وكنت لسه هحط راسي على السرير، لقيت تليفوني بيرن.. المتصل: “حازم المحامي”.
قلبي اتقبض في ثانية، رديت بسرعة وصوتي مخنوق: *”خير يا حازم؟ في إيه؟”*
صوت حازم كان مرعوب وفي دوشة وزعيق جنبه: *”عاصم! الحق.. انزل مصر حالا! شقتك بتتحرق، والنجدة والمطافي في الشارع عندك!”*
الدنيا اسودت في عيني، قومت وقفت وجسمي كله بيترعش: *”وحنان؟ وابني يحيى فين؟! أنطق يا حازم!”*
حازم سكت ثانية، سكتة دبح تني من الوريد للوريد، وقالي بصوت يقطع القلب: *”مش لاقينهم يا عاصم.. المطافي كسرت الباب، الشقة قايدة نار من جوة، بس حنان والواد مش جوة الشقة، وأمك قاعدة في الشارع بتصوت وتقول إن في ناس ملثمين دخلوا سرقوا الشقة وولعوا فيها وأخدوا مراتها وابنها!”*
في اللحظة دي، التليفون وقع من إيدي.. الدم الحامي اللي في عروقي غلى لدرجة إنه بقا يحرق في جسمي. عقلي طار.. ملثمين إيه وسرقة إيه؟! الشقة مفيش فيها غير فلوس شقايا اللي هما عارفينه، واللعبه دي متفصلة تفصيل!
نزلت جري، ركبت عربيتي وسوقت زي المجنون، أكلت الطريق في ساعة ونص وأنا بحلف بـ يمين رب العزة إن لو مراتي وابني جرا ليهم حاجة، لاهدم البيت ده على نفوخ كل اللي فيه، ومش هسيب حد عايش.
وصلت المنطقة على الفجر.. الدخان كان مالي السماء، وعربيات المطافي واقفة، والجيران متجمعين بالمئات. نزلت من العربية زي القضاء المستعجل، الناس أوسعوا لي والرعب في عينهم من شكلي.
جريت على البيت.. شقتي اللي تعبت فيها وشقيت عشان أعملها، كانت عبارة عن كوم تراب ورماد أسود ملوش ملامح. وفي نص الشارع، كانت أمي قاعدة على كرسي، وحواليها نسوان الحتة بيطيبوا خاطرها، وأول ما شافتني، بدأت تلطم وتصوت: *”يا حبت عيني يا بني! الشقة راحت! دخلوا علينا الحرامية وربطوني وأخدوا البت والواد وولعوا في المكان!”*
قربت منها، عيني مكنتش بتنزل دموع، كانت بتطلع شرار ونار هتاكل الكل. وقفت قدامها، والناس كلها سكتت.. سحبتها من إيدها وقومتها وقفت قصادي، وبصيت في عينها المليانة كدب وغدر، وقولت بصوت فحيح الأفاعي:
**”فين مراتي وابني يا أمي؟ وفين منى وعبير؟”**
أمي لجلجت وصوتها اتهز: *”وأنا إيش عرفني يا بني! بقولك حرامية..”*
مخليتهاش تكمل الكلمة، وفجأة صرخت في نص الشارع بصوت زلزل البيوت: **”الـله العظيم.. لو الواد وأمه مرجعوش في ظرف ساعة، لكون مخلص عليكي وعلى بناتك بـ إيدي دي، والمنطقة كلها تشهد!”**
وفي وسط الزعيق ده، لقيت عيل صغير من عيال الحتة بيقرب مني، وبيشد جاكت البدلة بتاعي براحة، والتفتت ليه وعيني حمرا.. الولد كان خايف بس قال بصوت واطي: *”عمو عاصم.. أنا شوفت طنط منى وزنوبة خادمة الست أم جلال الساحرة، كانوا شايلين حاجة كبيرة في ملاية الفجر، وركبوا عربية نص نقل ومشوا قبل ما النار تولع في الشقة بخمس دقائق”*.
ساعتها، الخيوط كلها اتجمعت في عقلي.. اللعبة مش سرقة، دي عملية خطف وانتقام، والشر وصل لدرجة حرق بيتي وضياع ابني.
بصيت لأمي اللي وشها بقا زي الأموات بعد كلام الولد، وقولت لها: **”الحساب بقا على الموت يا أمي.. والـله ما هرحمكم”**.
طلعت تليفوني، وكلمت رجالة من اللي قلبهم ميت، وقولتلهم: *”جمولي رجالة وسلاح.. إحنا رايحين وكر الحيايا، والنهاردة يا قاتل يا مقتول”*.
الحكاية اتقلبت بحر دم، والدم الحامي مش هيسكت لحد ما يحرق الأخضر واليابس.. والجزء الجاي هو المعركة الأخيرة اللي مفيش فيها تراجع.
