حكايات امانى السيد 1
عرفت من جارتى إن مرات ابنى عامله جمعيه من غير ماتقولى وقتها قررت اعلمها درس عشان بعد كده تحرم تعمل حاجه من ورايه
أنا بقى قررت أورّيها معنى إن “البيت له كبيرة”. عرفت من جارتي ميعاد القبض بالظبط، وسبقت الكل. روحت لجارتنا قبلها بيوم، وقولتلها ببرود أعصاب: “بصي يا أم سيد ايمان بعتتنى اخد الجمعيه عشان ابنها تعبان ومش قادره تيجى وعايزاه يروح للدكتور الجارة، اللي هي أصلاً من هواة القيل والقال، ما صدقت لقت حد “كبير” يخلصها من الحيرة، واديتني الفلوس وأنا مضيت مكانه!
رجعت البيت، ومن نفس الفلوس دي، جبت طقم كراسي جديد للسفرة، واشتريت شاشه جديده وستارة شيفون تليق على الصالون، وركبت طقم مفاتيح كهرباء جديد في المطبخ. البيت بقى بيبرق، وأنا قاعدة حاطة رجل على رجل، مستنية “العاصفة”.
جه اليوم الموعود.. مرات ابني لبست واتشيكت وراحت لجارتنا بكل ثقة عشان تقبض لكن اتفاجئت ان انا اللى اخدت الجمعيه لقيتها راجعة البيت وشها أصفر، وعيونها مدمعة، وبتهز في إيديها مش مصدقة اللي حصل. دخلت عليا وهي بتنهج: “ماما.. أنا.. أنا روحت لام سيد ، قالتلي إنك إنتي اللي قبضتي الجمعية!”.
بصيت للستارة الجديدة، وبعدين بصيت للسفرة، وخدت رشفة من كوباية الشاي بمنتهى الهدوء، وقولتلها: “أهلاً يا حبيبتي، أيوة طبعاً.. قولت حرام الفلوس تضيع في أي كلام، فقلت أجدد البيت عشان تتبسطوا.. مش أحسن برضه؟”.
شفت بعيني نظرة الانكسار والصدمة في عيونها، كانت عايزة تصرخ بس مش قادرة، لأنها عارفة إن أي رد فعل هيعمل مشكلة مع ابني، وأنا لعبتها صح.. بفلوسها، جددت بيتي، وكسرت شوكتها قدامي!
ايمان فضلت تبص للشاشه والكراسى والستاره ومش عارفه تقول ايه
ورجعت بصتلى تانى
ـ يعنى ايه انتى عارفه الفلوس دى انا هعمل بيها ايه ؟
ـ مايهمنيش يا حبيبتي انتى ماقولتليش وخبيتى عليه من الاول ودى جزات اللى يعمل حاجه من ورايا
لقتها بتقولى
ـ دى هدفع منها قسط الشقه ومصاريف المدرسه النتيجه بتاعت العيال محجوبه عشان لسه مادفعتش مصاريف المدرسه لمده سنتين
ـ مش مهم اعملى جمعيه تانيه وادفعى منها المصاريف مش هتغلى لكن التلفزيون والحاجات الل. انا جبتها دى هتغلى
إيمان بصتلي بذهول، وكأنها مش مصدقة إن اللي حصل ده حقيقي.
بلعت ريقها بالعافية وقالت:
ـ هو ابنك يعرف إنك أخدتي الجمعية وجبتي التلفزيون والحاجات دي؟
ضحكت وأنا باخد رشفة شاي وقلت بثقة:
ـ ابني؟! ابني ما يقدرش يقوللي حاجة.
فضلت باصة لي ثواني، وبعدها قالت:
ـ يعني لو عرف هيوافق على اللي عملتيه؟
حطيت الكوباية على الترابيزة ورديت بحدة:
ـ وأنا مستنية موافقته ليه؟ أنا أمه، والبيت ده بيتي قبل ما يكون بيتك.
هزت راسها بعدم استيعاب وقالت:
ـ بس الفلوس دي فلوسي.
قاطعتها فورًا:
ـ فلوسك إيه بس؟ انتي اللي عايزة تاخدي من مرتب ابني وتحوشي من وراه، وأنا قفشتك.
ـ أحوش من وراه إيه؟! ده قسط الشقة ومصاريف العيال!
ـ كلام يتقال وخلاص. لو كنتي ناوية على حاجة محترمة كنتي قولتي من الأول، لكن طول ما الموضوع مستخبي يبقى أكيد فيه حاجة غلط.
إيمان بدأت أعصابها تفلت وقالت:
ـ يعني المفروض أقولك على كل جنيه بدخله أو بطلعه؟
رفعت حاجبي باستنكار:
ـ طول ما انتي قاعدة في بيت ابني، أيوة أعرف.
ـ ده جوزي، مش ابن حضرتك بس!
ـ وده ابني قبل ما يكون جوزك.
سكتت لحظة وهي بتحاول تتمالك نفسها، وبعدها قالت:
ـ طيب لما يرجع من الشغل هنعرف رأيه.
ابتسمت بمنتهى الثقة واتكيت في مكاني.
ـ اسأليه، وأنا قاعدة أهو.
ـ ومش خايفة يزعل؟
ـ يزعل مني أنا؟ عشان حافظت على بيته؟ مستحيل.
إيمان بصت حواليها على الشاشة الجديدة والستاير والكراسي، وبعدها رجعت تبصلي.
كانت الدموع مالية عينيها، لكن المرة دي كان باين عليها الغضب أكتر من الحزن.
وقالت بصوت واطي:
ـ ربنا بينا.
لكن رغم إنها قالتها بهدوء، كان واضح إن اللي جواها أكبر بكتير من الكلام اللي خرج منها. أما أنا ففضلت قاعدة مكاني، مقتنعة إني لقنتها درس عمرها ما هتنساه، ومستنية ابني يرجع عشان تشوف بنفسها إنه هيقف في صفي زي كل مرة.
إيمان ما ردتش عليا، خدت شنطتها ودخلت أوضتها وقفلت الباب وراها.
أما أنا فقعدت مكاني، كل شوية أبص للشاشة الجديدة وأقول لنفسي:
ـ أهو على الأقل الفلوس راحت في حاجة ليها لازمة.
عدى كام ساعة والبيت ساكت بشكل غريب.
لحد ما سمعنا صوت مفتاح الشقة.
ابني رجع من الشغل.
أول ما دخل حس إن فيه حاجة مش طبيعية.
إيمان خرجت من الأوضة وعينيها باينة إنها كانت بتعيط، وأنا قاعدة قدام التلفزيون الجديد بمنتهى البرود.
بصلها وقال:
ـ مالك؟
إيمان ردت:
ـ اسأل والدتك.
بصلي باستغراب:
ـ فيه إيه يا أمي؟
اتكلمت قبليها بسرعة:
ـ مراتك كانت عاملة جمعية من وراك ومن غير ما حد يعرف.
إيمان بصتلي بصدمة:
ـ من وراه إيه؟ ما هو عارف إني بدفع أقساط الشقة ومصاريف العيال.
لكن أنا كملت كلامي كأنها ما اتكلمتش:
ـ لا يا حبيبي، دي كانت بتحوش فلوس من غير ما تقولك.
ابني بص بينا إحنا الاتنين وقال:
ـ طب والجمعية دي حصل فيها إيه؟
ابتسمت وأنا بشاور على الصالون.
ـ أهي قدامك.
بص حواليه باستغراب.
ـ قدامي إيه؟
ـ الشاشة… الكراسي… الستاير… كل ده من فلوس الجمعية.
فضل ساكت ثواني طويلة.
إيمان كانت واقفة مستنية ردة فعله.
أما أنا فكنت واثقة إنه هيقف في صفي.
قلتله:
ـ وأنا عملت كده عشان تعرف إن مفيش حاجة تتعمل من ورايا.
لكن فجأة سأل سؤال ماكنتش متوقعاه:
ـ يعني حضرتك قبضتي الجمعية بنفسك؟
ـ أيوة.
ـ من غير ما تقوليلها؟
ـ أيوة.
ـ ومن غير إذنها؟
بدأت أضايق من طريقته.
ـ ما أنا أمك يا ابني.
قال:
ـ وأنا بسألك.
اتوتر الجو فجأة.
إيمان سكتت خالص وسابته هو اللي يتكلم.
أما أنا فقلت بعصبية:
ـ أنت جاي تحقق معايا؟
ـ لا… بس عايز أفهم.
إيمان ساعتها فتحت شنطتها وطلعت شوية أوراق.
ـ دي أقساط الشقة المتأخرة.
وحطت ورقة تانية.
ـ ودي مصاريف المدرسة اللي لسه ما اتدفعتش.
وبعدين بصتله وقالت:
ـ عشان كده كنت عاملة الجمعية.
ابني أخد الورق وبقى يقلب فيه.
وأول مرة أحس إن ثقته اللي كنت متعودة عليها بدأت تتلخبط.
أما إيمان فكانت واقفة ساكتة، لكن نظراتها كانت بتقول إن الكلام الحقيقي لسه ما اتقالش… وإن الليلة دي لسه في أولها.
ابني فضل ماسك الورق شوية وهو بيقلب فيه، وإيمان واقفة ساكتة مستنية يتكلم.
أما أنا فكنت متضايقة من الأسئلة الكتير دي، وحسيت إن الموضوع واخد أكبر من حجمه.
قولتله بضيق:
ـ هو إيه يعني؟ كام ورقة وخلاص. ما هي كانت هتصرف الفلوس في الآخر.
إيمان ردت بسرعة:
ـ آه كنت هصرفها… على البيت وعلى ولادك.
بصلها ابني وقال:
ـ وإنتِ ماقولتيليش ليه إنك عاملة جمعية ؟
ـ لأن كل مرة كنت بقولك إن المصاريف زادت كنت بتقولى استحملي شوية والدنيا هتتحل، وأنا كنت خايفة القسط يتأخر أكتر من كده.
سكت ابني وهو بيفكر.
ـ شفت؟ أهي اعترفت إنها كانت مخبية.
ـ مخبية عن مين؟ عن جوزي ولا عن حضرتك؟
قولت بعصبية:
ـ عن الاتنين.
هزت راسها وقالت:
ـ لا يا طنط، جوزي كان عارف إني بحوش. يمكن ماكانش يعرف تفاصيل الجمعية، لكن كان عارف إن فيه فلوس متشالة للمصاريف.
ابني رفع عينه من الورق وقال:
ـ فعلاً… أنا كنت عارف إنها بتحوش.
بصيتله بصدمة.
ـ كنت عارف؟
ـ أيوة.
لأول مرة حسيت إن الموقف بدأ يفلت من إيدي.
إيمان كملت كلامها:
ـ وأنا عمري ما أخدت جنيه من مرتبك من غير ما تعرف.
ـ ده حقيقي.
ساعتها حسيت إن الغضب بدأ يزيد جوايا.
ـ يعني أنا بقيت الغلطانة دلوقتي؟
ـ أنا ماقولتش كده.
ـ أمال إيه؟
ـ أنا بس عايزة أعرف حقي فين.
سكت البيت كله للحظة.
وبعدين إيمان بصت للشاشة الجديدة وقالت:
ـ التلفزيون ده بكام؟
بصت للكراسي وقالت:
ـ والكراسي دول بكام؟
وبرضه ماحدش رد.
ابتسمت ابتسامة صغيرة كلها وجع وقالت:
ـ أصل أنا دلوقتي كل ما أبص للحاجات دي هفتكر إن ورا كل حاجة فيهم فاتورة مدرسة متدفعتش… أو قسط متأخر… أو حاجة كان المفروض تتعمل للعيال.
ابني نزل عينه في الأرض، وأنا لأول مرة ماعرفتش أرد عليها.
أما هي فلفت وخدت الورق ودخلت أوضتها من غير ما تزود كلمة واحدة.
وسابت وراها صمت تقيل خلى حتى صوت التلفزيون الجديد ماكانش قادر يكسره.
إيمان دخلت الأوضة وقفلت الباب وراها بهدوء، لكن الهدوء ده كان مخوفني أكتر من أي خناقة.
ابني فضل واقف مكانه شوية، وبعدين بصلي وقال:
ـ ليه يا أمي؟
اتضايقت من سؤاله وقلت:
ـ يعني إيه ليه؟ ما أنا قولتلك.
ـ لا… أنا بسأل ليه خدتي الفلوس كلها؟
ـ عشان تعرف إن البيت ده له كبيرة، ومحدش يعمل حاجة من ورايا.
حط الورق على الترابيزة وقال:
ـ بس الفلوس مش فلوسك.
الكلمة نزلت عليا تقيلة.
ـ قصدك إيه؟
ـ قصدي إنها فلوس الجمعية بتاعتها.
ـ وهي جابت الفلوس دي منين؟ ما من بيتي وبيتك.
ـ ومن شغلها كمان.
سكت شوية وكمل:
ـ إيمان بتشتغل زيي وبتصرف زيي.
أول مرة أحس إنه بيتكلم بطريقتها.
قولت بعصبية:
ـ واضح إنها عرفت تلفك على صباعها.
هز راسه وقال:
ـ الموضوع مش موضوع لف ودوران.
ـ أمال إيه؟
ـ الموضوع إن اللي حصل غلط.
قمت من مكاني وأنا حاسة إن الدم بيغلي في عروقي.
ـ يعني أنا بقيت الغلطانة؟
ـ أمي عمري ما هقول عليكي غلطانة… بس اللي حصل غلط.
في اللحظة دي باب الأوضة اتفتح.
إيمان خرجت وهي شايلة ملف أزرق كبير.
جت وحطته قدام ابني.
ـ بص.
فتح الملف واستغرب.
كان مليان إيصالات وفواتير.
إيصالات مصاريف المدرسة.
إيصالات دروس.
أقساط الشقة.
فواتير علاج.
حتى كشف حساب صغير كانت كاتبة فيه كل جنيه دخل وكل جنيه خرج.
ـ أنا من سنتين بحاول أسد العجز اللي في البيت من غير ما أحسس حد.
وبعدين بصتلي.
ـ حتى حضرتك.
ما رديتش.
كملت كلامها:
ـ عمري ما اشتكيت لما كنت بصرف من مرتبي.
ولا لما بعت دهبي عشان ندفع مقدم المدرسة.
ولا لما أجلت حاجات كنت محتاجاها لنفسي.
ابني رفع راسه بسرعة.
ـ بعتي دهبك؟
إيمان ابتسمت ابتسامة باهتة.
ـ من سنة تقريباً.
ـ ومقولتيليش؟
ـ كان ناقصك هم كمان؟
الصدمة كانت واضحة على وشه.
أما أنا ففضلت ساكتة.
ابني نزل عينه على الورق مرة تانية، وقلب كام إيصال بإيده وهو مش بيتكلم.
البيت كله كان ساكت.
لحد ما رفع راسه وبصلي.
ـ أمي.
ـ نعم.
ـ الحاجات اللي اتجابت دي لسه جديدة؟
اتخضيت من السؤال وقلت:
ـ أيوة… مالها؟
بص على الشاشة وبعدها على الكراسي.
ـ يعني ممكن تترد؟
حسيت إن قلبي وقع.
ـ تترد؟!
ـ أيوة.
ـ أنت بتقول إيه؟
ـ بقول إن الحاجات دي لازم تترد.
قمت واقفة بعصبية.
ـ بعد ما جبتها وركبتها؟!
ـ أيوة.
ـ عشان خاطرها؟
هز راسه وقال:
ـ عشان الفلوس ترجع لأصحابها.
إيمان كانت واقفة ساكتة ومش بتتكلم.
أما أنا فقولت بانفعال:
ـ يعني أنت جاي على أمك عشان مراتك؟
ـ الموضوع مش كده.
ـ أمال إيه؟
ـ الموضوع إن الفلوس مش بتاعتنا.
ـ وأنا عملت كل ده عشان البيت.
ـ والبيت أولى بيه قسط الشقة ومصاريف العيال.
الكلمة دي ضايقتني أكتر.
ـ يعني الشاشة دي مش للبيت؟
ـ هي للبيت.
ـ والكراسي؟
ـ للبيت.
ـ أمال المشكلة فين؟
ـ المشكلة إننا جبناهم بفلوس مش بتاعتنا. وفوق ده كله فى حاجة اسمها اولويات يعنى قسط الشقه ومصاريف المدرسه اهم من كراسى جديده وشاشه جديده
سكت شوية وكمل:
ـ بكرة الصبح هنروح للمحل.
ـ هنروح ليه؟
ـ نرجع اللي ينفع يرجع.
بصيتله بعدم تصديق.
ـ وأبقى أضحوكة للناس؟
ـ ولا الأولاد يتحرموا من نتيجتهم؟
سكت للحظة.
وأول مرة ماعرفتش أرد.
إيمان قالت بهدوء:
ـ أنا مش طالبة حاجة غير حقي.
ابني بص لها وقال:
ـ وحقك هيرجع.
وبعدين رجع بصلي.
ـ وأنا هتكلم مع صاحب المحل بنفسي.
حسيت بغصة في صدري.
طول عمري متعودة إنه ينفذ كلامي.
أما النهارده فكان أول مرة يقف قدامي بالشكل ده.
قعدت على الكنبة وأنا باصة للشاشة الكبيرة المعلقة على الحيطة.
من ساعات قليلة كنت فرحانة بيها وحاسة إني انتصرت.
أما دلوقتي فكنت حاسة إنها بقت عبء فوق صدري.
وابني أخد مفاتيحه وقال:
ـ أنا نازل أجيب عشا
ولما وصل للباب وقف لحظة وقال:
ـ يا أمي… احترامك عندي عمره ما هيقل لكن الحق لازم يرجع لصاحبه
وخرج وسابني قاعدة أبص للحاجات الجديدة اللي جبتها…وأول مرة أحس إنها مش مدياني أي فرحة. بصيت لمرات ابنى بقرف لانى عارفه انها السبب كان هيجرا ايه لو قالتلى من الاول وقررت انى مش هرجع الحاجه عشان لو رجعتها هتعيد حركه الجمعيه ظى تاتى