حكايات اسما السيد 1
كل ليلة، كانت ضرتي الجديدة تحمل وسادتها وتتجه إلى غرفة نومي، ثم تقف عند الباب وتطلب أن تنام بيني وبين زوجي.
في البداية ظننت أنها تحاول استفزازي.
ثم ظننت أنها تريد الاستحواذ على زوجي بالكامل.
لكن في الليلة السابعة عشرة، اكتشفت الحقيقة التي جعلتني أتمنى لو أن شكوكي الأولى كانت صحيحة.
اسمي ليلى، ومتزوجة من سيف منذ سبع سنوات. كنا نعيش في فيلا كبيرة بالتجمع الخامس، وكانت حياتنا هادئة حتى عاد ذات يوم وأخبرني أنه تزوج امرأة أخرى.
اسمها ياسمين.
كانت أصغر مني بسنوات، هادئة بشكل مبالغ فيه، ومؤدبة إلى درجة تثير الريبة.
انتقلت للعيش معنا بعد الزواج مباشرة.
ومنذ الليلة الأولى، بدأت تفعل شيئًا لم أسمع به طوال حياتي.
كانت تأتي إلى غرفة نومي بعد منتصف الليل، تحمل بطانية ووسادة، ثم تقف عند الباب وتقول:
“ممكن أنام هنا الليلة؟”
كنت أعتقد أنها تمزح.
لكنها لم تكن تمزح.
كانت تريد النوم في منتصف السرير.
بيني وبين زوجي..في البداية انفجرت غضبًا.
لكن سيف قال بهدوء:
“سيبيها يا ليلى… لسه جديدة على البيت ومش متعودة.”
ولم أفهم كيف يمكن لامرأة متزوجة أن تحتاج للنوم بين زوجها وزوجته الأولى حتى تعتاد على البيت.لكن ياسمين كانت تكرر الأمر كل ليلة.ليلة وراء ليلة.
كانت تأتي في نفس الموعد.تضع وسادتها في المنتصف.
ثم تستلقي صامتة.لا تتكلم.لا تتحرك.ولا تنام تقريبًا.
كنت أفتح عيني أحيانًا في الثالثة فجرًا فأجدها تحدق في سقف الغرفة وكأنها تنتظر شيئًا.وخلال النهار كانت لطيفة بشكل يصعب كرهه…تعد القهوة لي.تساعد الخدم.
وتهتم بأم سيف.حتى بدأت أشعر بالذنب كلما غضبت منها.
لكن شيئًا بداخلي ظل يخبرني أن هناك سرًا لا أعرفه.
وفي الليلة السابعة عشرة استيقظت فجأة على صوت خافت.”تك…”فتحت عيني ببطء.كان البيت كله غارقًا في الصمت.ثم شعرت بيد ياسمين تتسلل تحت البطانية وتمسك بيدي.ضغطت عليها مرة واحدة.
بقوة.كأنها ترسل رسالة.لا تتحركي.
تجمد الدم في عروقي.وفي نفس اللحظة رأيت خيطًا رفيعًا من الضوء يتسلل من أسفل باب الغرفة.
ثم سمعت صوتًا آخر.أقرب إلى محاولة فتح الباب بهدوء شديد.نظرت نحو سيف.كان مستلقيًا بجوارنا.
ظهره لنا.يتنفس ببطء.لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا.وفجأة تحركت ياسمين للأمام قليلًا.مجرد حركة بسيطة.
لكنها كانت كافية لتحجب الضوء القادم من الباب بجسدها.
وكأنها تحاول إخفاء وجودي.في تلك اللحظة فهمت الحقيقة.ياسمين لم تكن تنام بيني وبين زوجي لأنها تغار مني.ولم تكن تحاول سرقة مكاني….بل كانت
الفصل الأول: السر خلف الباب
بل كانت تحميني.
الفكرة نفسها بدت جنونية.
لكن في تلك اللحظة، وأنا أشعر بأصابع ياسمين المرتجفة تضغط على يدي، أدركت أن الخوف الذي رأيته في عينيها طوال الأيام الماضية لم يكن خوف زوجة جديدة تحاول إثبات وجودها…
بل خوف شخص ينتظر كارثة.
ظل الضوء أسفل الباب لثوانٍ طويلة.
ثم سمعنا صوت المقبض يتحرك ببطء.
مرة.
ثم مرة أخرى.
كأن أحدهم يحاول فتح الباب دون أن يصدر أي صوت.
شعرت بقلبي يقفز داخل صدري.
أما سيف…
فما زال مستلقيًا بلا حركة.
ظهره لنا.
يتنفس بانتظام.
وفجأة همست ياسمين بالكاد:
“متبصيش ناحية الباب.”
كلماتها كانت ضعيفة جدًا.
لكنني سمعتها.
تجمدت في مكاني.
ثم حدث شيء لم أتوقعه.
صدر من جهة الباب صوت خافت جدًا.
صوت شخص يهمس.
شخص واحد فقط.
ولم أستطع تمييز الكلمات.
بعدها عاد الصمت.
واختفى الضوء.
وتوقف كل شيء.
مرّت دقيقة كاملة.
ثم دقيقتان.
ثم ثلاث.
قبل أن تسحب ياسمين يدها ببطء.
وظلت مستيقظة حتى أشرقت الشمس.
أما أنا…
فلم أغمض عيني ثانية.
في الصباح.
وجدت ياسمين في المطبخ كعادتها.
تحضر القهوة.
وكأن شيئًا لم يحدث.
دخلت عليها مباشرة.
وأغلقت الباب خلفي.
ثم قلت:
“مين كان عند الباب امبارح؟”
توقفت يدها فجأة.
وانسكبت قطرات القهوة على الرخام.
رفعت رأسها نحوي.
وكان وجهها شاحبًا.
“إنتي كنتي صاحيه؟”
قلت بحدة:
“جاوبي.”
ساد الصمت.
ثوانٍ طويلة.
ثم قالت:
“لو قلتلك… مش هتصدقي.”
اقتربت منها.
“جربي.”
تنهدت ببطء.
ثم نظرت حولها كأنها تتأكد أن لا أحد يسمع.
وقالت:
“سيف مش زي ما إنتي فاكرة.”
ضحكت بسخرية.
“يعني إيه؟”
لكنها لم تضحك.
بل ازداد وجهها شحوبًا.
وقالت:
“فيه حد بيدخل أوضتك كل ليلة.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
“إيه؟”
“من قبل ما أتجوزه.”
حدقت فيها.
غير مستوعبة.
فأكملت:
“أول ليلة جيت فيها البيت… صحيت الساعة تلاتة الفجر.”
ابتلعت ريقها.
“ولقيت شخص واقف جوه أوضتي.”
توقفت أنفاسي.
“شخص؟”
هزت رأسها.
“راجل.”
“مين؟”
قالت بصوت مرتجف:
“ماعرفش.”
ظننت أنها فقدت عقلها.
لكنها أكملت.
“كان واقف عند طرف السرير.”
“ولما فتحت عيني… جري واختفى.”
قلت بسرعة:
“وسيف؟”
“كان نايم.”
“بلغتيه؟”
ضحكت ضحكة قصيرة خالية من أي فرح.
“طبعًا.”
“وقال إيه؟”
“قال إني بتخيل.”
ساد الصمت.
ثم أضافت:
“بس بعدها بثلاث ليالي شفته تاني.”
شعرت بيدي تبردان.
“إزاي؟”
“نفس الوقت.”
“ونفس المكان.”
“وكان بيبص عليا.”
قلت بانفعال:
“وليه ما بلغتيش الشرطة؟”
نظرت في عيني مباشرة.
وقالت:
“لأني لما حاولت أصور الشخص ده…”
توقفت.
ثم أخرجت هاتفها.
فتحت صورة.
ومدت الشاشة نحوي.
نظرت.
وتجمدت.
الصورة كانت لغرفة نومها.
واضحة تمامًا.
لكن في الزاوية…
كان هناك ظل لرجل طويل يقف قرب الستارة.
وجهه غير واضح.
لكن وجوده حقيقي.
وحقيقي جدًا.
شعرت بالغثيان.
“دي متفبركة؟”
هزت رأسها.
“نفسي تكون.”
ثم همست:
“عشان كده كنت بنام بينك وبين سيف.”
“كنت بخاف يجي ناحيتك.”
خرجت من المطبخ وأنا غير قادرة على التفكير.
كل ما قالته بدا مستحيلًا.
لكن الصورة…
الصورة كانت حقيقية.
وفي المساء.
قررت أن أعرف الحقيقة بنفسي.
انتظرت حتى نام الجميع.
ثم تظاهرت بالنوم.
جاءت ياسمين كعادتها.
وضعت وسادتها في المنتصف.
واستلقت.
دون كلمة واحدة.
مرت ساعة.
ثم ساعتان.
ثم…
عند الثالثة إلا عشر دقائق.
فتحت ياسمين عينيها فجأة.
نظرت إلى الساعة.
ثم أمسكت يدي.
كما فعلت الليلة الماضية.
وفي اللحظة التالية…
سمعنا صوتًا.
تك…
تك…
تك…
صوت خطوات.
قادمة من الممر.
بطيئة.
منتظمة.
تقترب من الغرفة.
توقفت الخطوات أمام الباب مباشرة.
ثم…
بدأ المقبض يتحرك.
ببطء شديد.
لكن هذه المرة…
كنت مستعدة.
مددت يدي تحت الوسادة.
وأخرجت هاتفي.
وشغلت الكاميرا.
ووجهتها نحو الباب.
كان قلبي يدق بعنف.
حتى شعرت أنه سيفضح وجودي.
ثم…
انفتح الباب سنتيمترًا واحدًا.
فقط.
سنتيمتر واحد.
وظهر شق أسود ضيق.
ومن خلاله…
رأيت عينًا.
عينًا بشرية.
تراقبنا من الخارج.
عينًا لم تكن عين سيف.
ولم تكن عين أي شخص أعرفه.
وفي اللحظة التي ضغطت فيها زر التصوير…
اختفت العين فجأة.
وأغلق الباب بعنف.
فصل تاني قادم… حيث تكتشف ليلى أن الصورة التي التقطتها لم تُظهر العين فقط، بل أظهرت شخصًا تعرفه جيدًا… شخصًا يفترض أنه مات منذ خمس سنوات.
الفصل الثاني: الرجل الذي عاد من الموت
ظللت جالسة في السرير لثوانٍ طويلة بعد أن أُغلق الباب.
لم أتحرك.
لم أتنفس تقريبًا.
كانت ياسمين تمسك ذراعي بقوة حتى شعرت بأصابعها تغرس نفسها في جلدي.
أما سيف…
فما زال مستلقيًا.
في نفس الوضع.
كأنه لم يسمع شيئًا.
كأنه لم يشعر بالمقبض يتحرك.
ولا بالباب الذي انفتح.
ولا بالعين التي راقبتنا من الظلام.
همست ياسمين:
“شوفتي؟”
لم أجب.
كنت أحاول استيعاب ما حدث.
ثم أمسكت هاتفي بسرعة.
فتحت الصورة التي التقطتها.
وفي البداية ظننت أنني لن أرى شيئًا.
لكن عندما كبرت الصورة…
شعرت بأن الدم ينسحب من وجهي.
كان الباب ظاهرًا.
وكانت العين واضحة.
لكنها لم تكن الشيء الوحيد في الصورة.
في الزاوية اليسرى…
انعكس جزء من وجه الشخص على المرآة المقابلة للباب.
جزء صغير فقط.
لكنه كان كافيًا.
كافيًا لأن يجعل العالم كله يتوقف.
همست دون وعي:
“مستحيل…”
اقتربت ياسمين.
نظرت إلى الشاشة.
ثم شهقت.
أما أنا فكنت أحدق في الصورة وكأنني فقدت القدرة على الرمش.
لأن الوجه الذي رأيته…
كنت أعرفه.
أعرفه جيدًا.
بل كنت قد حضرت جنازته بنفسي.
قبل خمس سنوات.
اسمه عمر.
شقيق سيف الأكبر.
الرجل الذي قالت العائلة كلها إنه مات في حادث سيارة مروع على طريق السويس.
أتذكر ذلك اليوم جيدًا.
أتذكر النعش.
والعزاء.
وبكاء أم سيف حتى فقدت وعيها.
أتذكر أن سيف ظل شهرين كاملين لا يتحدث مع أحد.
عمر كان الابن المفضل.
والأخ الأقرب إليه.
وكان موته صدمة للجميع.
لكن الصورة أمامي الآن…
كانت صورته.
نفس العينين.
نفس الحاجب الأيسر الذي يحمل ندبة قديمة.
نفس الملامح.
شعرت بدوار شديد.
قالت ياسمين:
“إنتي تعرفيه؟”
لم أستطع الكلام.
فقط أومأت برأسي.
وظلت هي تنظر إلى الشاشة.
ثم قالت:
“يبقى أنا مش مجنونة.”
مع طلوع الشمس.
ذهبت مباشرة إلى غرفة أم سيف.
كانت تجلس في الشرفة تقرأ القرآن.
ولأول مرة منذ زواجي دخلت عليها دون استئذان.
رفعت رأسها باستغراب.
وقالت:
“خير يا ليلى؟”
أغلقت الباب.
وجلست أمامها.
ثم وضعت الهاتف على الطاولة.
وعرضت عليها الصورة.
في البداية لم تفهم.
ثم اقتربت أكثر.
وفجأة…
سقط المصحف من يدها.
وشحب وجهها بالكامل.
شهقت بصوت مرتجف:
“يا نهار أبيض…”
تجمدت.
لأن رد فعلها كان أكبر دليل على أنها تعرف الحقيقة.
قلت بسرعة:
“مين ده؟”
لم تجب.
“قولي.”
ظلت تنظر للصورة.
ثم بدأت دموعها تنزل.
ببطء.
وقالت:
“كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.”
شعرت بقلبي يسقط.
“إيه اللي هييجي؟”
رفعت رأسها نحوي.
وكان الخوف واضحًا في عينيها.
الخوف الحقيقي.
ثم قالت الجملة التي قلبت حياتي كلها:
“عمر ما ماتش.”
شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي.
“إيه؟”
“عمر عايش.”
“إزاي؟”
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت:
“الحادث حصل فعلًا.”
“بس الج*ثة اللي دفناها ما كانتش ج*ثته.”
كأن شخصًا ضربني على رأسي.
لم أستطع الاستيعاب.
“يعني إيه؟”
أغمضت عينيها.
وقالت:
“عمر اختفى بعد الحادث.”
“والشرطة ما لقتوش.”
“وبعد شهور ظهر شخص مجهول متفحم.”
“وسيف قال إنه عمر.”
“وأصر يدفنه.”
ازدادت ضربات قلبي.
“وسيف؟”
هزت رأسها.
“هو الوحيد اللي كان عارف الحقيقة.”
خرجت من عندها وأنا أشعر أنني دخلت كابوسًا لا نهاية له.
إذا كان عمر حيًا…
فلماذا يختبئ؟
ولماذا يتسلل إلى الغرف ليلًا؟
ولماذا يراقبنا؟
والأهم…
لماذا أخفى سيف كل ذلك؟
في تلك الليلة.
قررت ألا أنتظر أكثر.
بعد منتصف الليل بقليل.
تركت الغرفة بهدوء.
ونزلت إلى الطابق السفلي.
كانت الفيلا غارقة في الظلام.
لكن أثناء مروري قرب المكتب الخاص بسيف…
رأيت شيئًا غريبًا.
شعاع ضوء يتسلل من أسفل الباب.
رغم أن سيف كان يفترض أنه نائم بالأعلى.
اقتربت ببطء.
وضعت أذني على الباب.
فسمعت صوتين.
صوت سيف.
وصوت رجل آخر.
رجل خشن.
هادئ.
مألوف بشكل مرعب.
ثم سمعت سيف يقول:
“لازم تبعد عنهم يا عمر.”
توقف قلبي.
أما الصوت الآخر…
فرد بهدوء:
“مش قبل ما أخلص اللي بدأتُه.”
وفي نفس اللحظة…
صدر خلفي صوت خشخشة خفيفة.
استدرت بسرعة.
لكن الممر كان فارغًا.
أو هكذا ظننت.
لأنني عندما رفعت رأسي نحو أعلى السلم…
رأيت شخصًا يقف في الظلام.
يراقبني.
وكان يحمل شيئًا معدنيًا يلمع في يده.
ثم قال بصوت منخفض جدًا:
“لو بتحبي حياتك يا ليلى… متفتحيش الباب ده.”
ثم اختفى.
وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
يتبع…
الفصل الثالث: الج*ريمة التي دفنتها العائلة
بقيت واقفة في الممر عدة ثوانٍ بعد اختفاء الرجل.
لم أتحرك.
لم أصرخ.
كل ما كنت أفكر فيه هو سؤال واحد:
إذا كان عمر حيًا…
فمن الذي مات في ذلك الحادث؟
ومن الرجل الذي رأيته قبل لحظات؟
وهل كان عمر نفسه؟
أم شخصًا آخر؟
داخل المكتب استمرت الأصوات.
لكنني لم أجرؤ على الاقتراب أكثر.
عدت إلى غرفتي وأنا أشعر أن البيت الذي عشت فيه سبع سنوات أصبح غريبًا تمامًا.
عندما دخلت وجدت ياسمين جالسة على السرير.
مستيقظة.
وكأنها كانت تنتظرني.
نظرت إليّ فورًا وقالت:
“روحتي المكتب صح؟”
تجمدت.
“إنتِ عرفتي إزاي؟”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
“لأن كل اللي بيكتشف السر بيروح هناك.”
جلست أمامها.
ورويت لها ما سمعته.
كل شيء.
وعندما ذكرت اسم عمر…
أغمضت عينيها.
وكأنها كانت تتوقع ذلك.
ثم قالت:
“إحنا لازم نعرف الحقيقة قبل ما الحقيقة تلاقينا.”
في صباح اليوم التالي.
خرج سيف إلى الشركة.
ولأول مرة منذ زواجها، طلبت ياسمين أن ترافقني خارج الفيلا.
ركبنا السيارة.
وتوجهنا إلى مكان لم أزره منذ سنوات.
مقبرة العائلة.
كانت السماء رمادية.
والهواء ساكنًا بشكل غريب.
وصلنا إلى قبر عمر.
نفس القبر الذي وقفنا أمامه يوم الجنازة.
نفس الرخام الأسود.
نفس الاسم المحفور.
وقفت ياسمين تقرأ الاسم.
ثم همست:
“لو عمر عايش… يبقى مين هنا؟”
لم أجد جوابًا.
لكن أثناء وقوفنا هناك…
اقترب رجل مسن من بعيد.
كان حارس المقابر.
نظر إلينا طويلًا.
ثم قال:
“حضراتكم من عيلة الحديدي؟”
أومأت برأسي.
فتغير لون وجهه.
وقال:
“كنت مستني اليوم ده من سنين.”
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
“مستني إيه؟”
اقترب أكثر.
ثم قال:
“عشان أقول الحقيقة.”
جلسنا معه داخل غرفة صغيرة بجوار المقابر.
وأخرج من درج قديم ظرفًا أصفر مهترئًا.
كان مغلقًا منذ سنوات.
وضعه أمامي.
وقال:
“الراجل اللي دفنوه هنا مش عمر.”
تجمدت.
“إنت متأكد؟”
أومأ.
“أنا شفت الجثة.”
ثم أكمل:
“كان فيه وشم كبير على كتفه.”
“وعمر ما كانش عنده وشم.”
نظرت إلى ياسمين.
ثم عدت إليه.
“وليه ما قلتش الكلام ده وقتها؟”
ضحك بمرارة.
“قولته.”
“بس محدش سمع.”
“وسيف دفع فلوس كتير عشان الملف يتقفل.”
شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدمي.
سيف؟
زوجي؟
الرجل الذي عاش معي سبع سنوات؟
كان يخفي كل هذا؟
فتحنا الظرف.
وكانت بداخله صور.
قديمة.
مأخوذة يوم الحادث.
بدأت أقلبها بيدي المرتجفتين.
ثم توقفت عند صورة معينة.
وشهقت.
لأن الشخص الموجود بجوار السيارة المحطمة…
كان سيف.
لكن التاريخ المكتوب خلف الصورة كان قبل وصول الشرطة بثلاث ساعات كاملة.
ثلاث ساعات.
أي أن سيف كان موجودًا هناك قبل الجميع.
وقبل إعلان الحادث.
وقبل العثور على الجثة.
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت إلى الحارس.
فقال:
“وده مش أغرب حاجة.”
ثم أخرج صورة أخرى.
وعندما رأيتها…
كدت أسقط من فوق الكرسي.
لأن عمر كان ظاهرًا فيها.
واقفًا.
سليمًا.
بجانب السيارة.
بعد الحادث.
بعد الوقت الذي يفترض أنه مات فيه.
في طريق العودة لم نتبادل كلمة واحدة.
كل شيء أصبح أسوأ.
الحادث كان كذبة.
الجثة ليست جثته.
سيف أخفى الحقيقة.
وعمر كان حيًا بعد الحادث.
لكن لماذا؟
ولماذا اختفى؟
عندما عدنا إلى الفيلا.
كان البيت هادئًا على غير العادة.
الخدم يتحركون بتوتر.
وأم سيف تبكي في غرفتها.
شعرت أن شيئًا ما حدث.
ثم رأيت سيف.
واقفًا في منتصف الصالة.
ينظر إلينا.
وكأنه كان يعلم أين ذهبنا.
قال بهدوء مرعب:
“كنتم في المقابر.”
لم يكن سؤالًا.
كان تأكيدًا.
تجمدت.
أما ياسمين فتمسكت بذراعي.
اقترب سيف خطوة.
ثم أخرى.
وقال:
“قلتلكم قبل كده… فيه حاجات أحسن لكم ما تعرفوهاش.”
صرخت فيه:
“مين اللي مات يا سيف؟”
ساد الصمت.
ثوانٍ طويلة جدًا.
ثم رفع عينيه نحوي.
وقال:
“أبويا.”
شعرت أن قلبي توقف.
“إيه؟”
قال بصوت مكسور لأول مرة منذ عرفته:
“اللي اتدفن مكان عمر… كان أبويا.”
وتجمد العالم كله حولي.
لأن والد سيف وعمر كان قد مات رسميًا قبل عشرين سنة…
وكان الجميع يعتقد أنه دُفن بالفعل.
فإذا كان هو الجثة التي ظهرت في الحادث…
فهذا يعني شيئًا واحدًا فقط:
والدهم لم يمت قبل عشرين سنة.
بل كان حيًا طوال تلك السنوات.
وكان مختبئًا.
وكان قد عاد قبل الحادث مباشرة.
وعندها فقط فهمت لماذا كان عمر يراقب البيت كل ليلة…
لأنه لم يكن يحاول إيذاء أحد.
كان يبحث عن شيء.
شيء تركه والده خلفه.
شيء مستعد للق*تل من أجله.
يتبع…
الفصل الرابع: المفتاح المخفي
ساد الصمت في الصالة بعد اعتراف سيف.
حتى عقارب الساعة بدت وكأنها توقفت.
كنت أحدق فيه غير قادرة على استيعاب ما سمعته.
أما ياسمين فكانت أول من تكلم.
قالت بصوت مرتجف:
“يعني والدك كان عايش كل السنين دي؟”
أغمض سيف عينيه للحظة.
ثم جلس على أقرب مقعد.
وكأنه يحمل فوق كتفيه عمر عشرين سنة من الأسرار.
قال بصوت منخفض:
“أيوه.”
شعرت بالغضب يشتعل داخلي.
“وأنت كنت عارف؟”
رفع رأسه نحوي.
وفي عينيه شيء لم أره من قبل.
ندم.
حقيقي.
مؤلم.
قال:
“عرفت وأنا عندي واحد وعشرين سنة.”
بدأ يحكي.
قبل عشرين سنة أُعلن أن والده، فؤاد الحديدي، توفي في حادث غامض أثناء سفره خارج مصر.
تمت الجنازة.
وتقاسمت العائلة الحزن.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
فؤاد لم يمت.
بل اختفى بإرادته.
لأنه كان مطاردًا من مجموعة رجال كانوا يبحثون عن شيء يملكه.
شيء بالغ الخطورة.
شيء كان مستعدًا للموت من أجله.
قال سيف:
“قبل اختفائه بأيام كتب رسالة.”
ثم نهض.
واتجه إلى مكتب قديم في الصالة.
وأخرج مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا.
وضعه أمامنا.
وأضاف:
“وساب المفتاح ده.”
نظرت إليه.
كان قديمًا جدًا.
ومحفورًا عليه حرف واحد.
حرف (ف).
فؤاد.
قال سيف:
“أبويا قال إن المفتاح هيفتح الحاجة اللي الكل بيدور عليها.”
سألته:
“إيه هي؟”
هز رأسه.
“ماعرفش.”
“حتى عمر ماكانش يعرف.”
“كل اللي نعرفه إن فيه صندوق.”
“وصندوق ده مخبي من عشرين سنة.”
في تلك اللحظة دخلت أم سيف.
وكان وجهها شاحبًا.
لكن عندما رأت المفتاح فوق الطاولة…
شهقت.
وكأنها رأت شبحًا.
ثم قالت:
“لا.”
نظرنا إليها جميعًا.
فصرخت:
“لازم يفضل مكانه.”
اقتربت منها.
“إنتِ عارفة الصندوق؟”
أخفضت رأسها.
وبعد صمت طويل قالت:
“عارفاه.”
شعرت بقلبي يقفز.
“فين؟”
بدأت دموعها تنزل.
وقالت:
“تحت الفيلا.”
ساد الصمت.
ثم ضحكت ياسمين فجأة.
ضحكة عصبية.
غير مصدقة.
وقالت:
“تحت الفيلا؟”
لكن أم سيف لم تكن تمزح.
جلست على المقعد.
وقالت:
“فيه غرفة سرية.”
“محدش يعرف عنها غيري أنا وفؤاد.”
“حتى الأولاد ماكانوش يعرفوا.”
في منتصف الليل.
اجتمعنا جميعًا.
أنا.
وياسمين.
وسيف.
وأمه.
ونزلنا إلى القبو القديم أسفل الفيلا.
كان مكانًا لم أدخله من قبل.
رطبًا.
مظلمًا.
تمتلئ جدرانه بالغبار.
سرنا خلف أم سيف حتى وصلت إلى جدار حجري قديم.
ثم ضغطت على قطعة رخام معينة.
فصدر صوت احتكاك ثقيل.
وتحرك الجدار ببطء.
كاشفًا عن ممر ضيق.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
أما ياسمين فتمسكت بيدي.
ودخلنا.
في نهاية الممر…
وجدنا بابًا حديديًا ضخمًا.
وفي وسطه فتحة مفتاح.
تقدمت أم سيف.
ونظرت إلى المفتاح النحاسي.
ثم إلى سيف.
وقالت:
“من يوم ما اختفى أبوك وأنا خايفة من اللحظة دي.”
ثم أدخل سيف المفتاح.
وأداره.
صدر صوت قوي.
وتحرك الباب ببطء شديد.
كاشفًا ما خلفه.
كانت غرفة صغيرة.
وفي منتصفها صندوق خشبي أسود.
قديم جدًا.
ومغلق بقفل حديدي.
اقتربنا ببطء.
ثم فتحه سيف.
وتجمد الجميع.
لأننا لم نجد ذهبًا.
ولا أموالًا.
ولا مستندات شركات.
وجدنا شيئًا أغرب بكثير.
وجدنا عشرات الصور.
وملفات.
وأشرطة تسجيل قديمة.
وأسماء.
مئات الأسماء.
مكتوبة بخط اليد.
أخذ سيف إحدى الأوراق.
وبدأ يقرأ.
ثم شحب وجهه فجأة.
قلت:
“في إيه؟”
ناولني الورقة.
وعندما قرأتها شعرت ببرودة تسري في عظامي.
لأن أول اسم في القائمة كان:
فؤاد الحديدي
والاسم الثاني:
عمر الحديدي
والاسم الثالث:
سيف الحديدي
ثم…
بعدهما مباشرة.
كان اسمي.
ليلى.
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت إلى سيف.
فوجدته مصدومًا مثلي.
أما ياسمين فكانت ترتجف.
وقالت:
“دي قائمة إيه؟”
لكن قبل أن يجيب أحد…
وصلنا صوت من خلفنا.
صوت تصفيق بطيء.
هادئ.
مرعب.
استدرنا جميعًا.
وتوقف الدم في عروقي.
لأن الرجل الواقف عند باب الغرفة…
كان عمر.
لأول مرة أراه بوضوح.
حيًا.
حقيقيًا.
أكبر قليلًا مما أتذكر.
لكن بلا شك هو.
نظر إلينا جميعًا.
ثم قال بهدوء:
“كنت أتمنى ألا تفتحوا الصندوق.”
سقط المفتاح من يد سيف.
أما أمه…
فانهارت على الأرض باكية.
لكن عمر لم ينظر إليها.
بل نظر مباشرة نحوي.
وقال:
“الآن عرفوا مكان القائمة.”
ثم التفت نحو الظلام خلفه.
وأضاف جملة جعلت الرعب يسيطر على المكان كله:
“اخرجوا… هم شافوا الأسماء.”
وفجأة…
بدأت خطوات متعددة تقترب من الممر المظلم.
خطوات أشخاص كثيرين.
أكثر مما يمكن عده.
يتبع…
الفصل الخامس: الأسماء التي حُكم عليها بالموت
تسمرت أقدامنا في أماكننا.
الخطوات القادمة من الممر كانت تقترب أكثر فأكثر.
خطوات عديدة.
منتظمة.
كأن أصحابها يعرفون المكان جيدًا.
ويعرفون بالضبط إلى أين يتجهون.
أما عمر فبدا هادئًا بصورة مخيفة.
لم يهرب.
لم يختبئ.
بل ظل واقفًا عند الباب الحديدي وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة منذ سنوات.
صرخ سيف:
“مين دول؟”
نظر إليه عمر طويلًا.
ثم قال:
“السبب الحقيقي لاختفاء أبويا.”
شعرت بأن قلبي يدق بعنف.
وأنا أرى الظلال تتحرك في نهاية الممر.
ثم ظهرت أول شخصية.
رجل في الستين من عمره تقريبًا.
يرتدي بدلة سوداء أنيقة.
وخلفه ثلاثة رجال آخرون.
ثم أربعة.
ثم خمسة.
حتى امتلأ الممر بأشخاص لا أعرفهم.
لكن الغريب أن عمر لم يبدُ خائفًا منهم.
بل هم الذين كانوا يراقبونه بحذر.
كأنهم يعرفون أنه أخطر مما يبدو.
تقدم الرجل العجوز.
ونظر إلى الصندوق المفتوح.
ثم إلى الأوراق المبعثرة.
وأخيرًا إلى القائمة الموجودة بيدي.
عندها فقط تغير وجهه.
وقال:
“متأخرين.”
ابتسم عمر بمرارة.
“عشرين سنة وأنتم متأخرين.”
لم أفهم شيئًا.
صرخت:
“حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟”
التفت الرجل العجوز نحوي.
ثم قال:
“اسمي عادل.”
“وكنت شريك والد سيف.”
نظر إليه سيف بغضب.
“شريك في إيه؟”
تنهد الرجل.
ثم جلس على صندوق خشبي قديم.
وقال:
“قبل ثلاثين سنة… كنا مجموعة صغيرة.”
“رجال أعمال.”
“مستثمرين.”
“ومؤسسين لشركات ضخمة.”
“لكن واحدًا منا كان أذكى من الجميع.”
توقف.
ثم أكمل:
“فؤاد الحديدي.”
أشار إلى الصندوق.
وقال:
“في بداية التسعينات أنشأنا مشروعًا سريًا.”
“مشروع ضخم جدًا.”
“لو نجح… كان هيغير حياة آلاف الناس.”
سألته ياسمين:
“وبعدين؟”
ضحك ضحكة حزينة.
“الطمع دخل.”
“وبدأنا نخون بعض.”
“واحد سرق.”
“واحد كذب.”
“واحد باع أسرار.”
“واحد حاول يقت*ل شريكه.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“لكن فؤاد احتفظ بكل الأدلة.”
ونظر إلى القائمة.
“كل حاجة كانت مكتوبة هنا.”
شعرت بقشعريرة.
بدأت أفهم.
القائمة لم تكن قائمة ضحايا.
ولا قائمة ورثة.
بل قائمة أشخاص مرتبطين بسر قديم.
لكن سؤالًا آخر ظهر فورًا.
لماذا اسمي أنا موجود؟
وكأن عمر قرأ أفكاري.
فنظر إليّ مباشرة.
وقال:
“لأنك بنت الشخص الأخير.”
شعرت وكأن أحدهم سكب ماءً مثلجًا فوق رأسي.
“إيه؟”
قال:
“أبوك.”
تجمدت.
“أبويا مات من خمسة عشر سنة.”
هز رأسه ببطء.
“دي الكذبة اللي اتقالت لك.”
شعرت بأن الغرفة تدور حولي.
كان أبي موظفًا بسيطًا.
هذا ما عرفته طوال حياتي.
رجل عادي.
هادئ.
لا علاقة له بعالم رجال الأعمال.
ولا بالمؤامرات.
ولا بالأسرار.
لكن عمر قال:
“أبوك كان المحاسب الرئيسي للمجموعة.”
“وكان الوحيد اللي يعرف مكان النسخ الأصلية.”
صرخت:
“مستحيل.”
لكن عادل أخرج صورة قديمة من الملف.
ووضعها أمامي.
نظرت إليها.
ثم شعرت بأن أنفاسي تختفي.
لأن أبي كان موجودًا فيها.
أصغر سنًا.
لكن بلا شك هو.
واقفًا بجوار فؤاد الحديدي.
ويضع يده على كتفه.
انهارت كل الحقائق التي عشت عليها.
كل شيء.
اسمي.
ماضيّ.
عائلتي.
ذكرياتي.
حتى وفاة أبي أصبحت موضع شك.
قال عمر بهدوء:
“عشان كده كنت بحرسك.”
رفعت رأسي نحوه.
“إيه؟”
“من يوم ما دخلتي البيت.”
“ومن قبل جوازك من سيف.”
“ومن قبل حتى ما تعرفي الحقيقة.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“أبوك سلّم لفؤاد نسخة من الملفات قبل اختفائه.”
“وفؤاد خبّاها.”
“ولما مات…”
نظر إلى الصندوق.
“…بقيتي إنتِ آخر خيط يوصل للحقيقة.”
في تلك اللحظة سمعنا صوتًا آخر.
صوت هاتف.
صدر من أحد الملفات داخل الصندوق.
نظر الجميع إليه باستغراب.
ثم اقترب سيف.
وأخرج جهاز تسجيل صغيرًا.
قديمًا.
مغبرًا.
لكن ما زال يعمل.
ضغط زر التشغيل.
وفجأة امتلأت الغرفة بصوت رجل.
صوت قوي.
هادئ.
صوت فؤاد الحديدي نفسه.
والد سيف وعمر.
رغم أنه مات منذ سنوات.
قال التسجيل:
“لو أنتم سامعين الرسالة دي… يبقى أنا فشلت.”
ساد الصمت.
حتى الأنفاس اختفت.
وأكمل الصوت:
“ولو الصندوق اتفتح… يبقى الخطر وصل لعيلتي.”
شعرت بأن أم سيف بدأت تبكي.
أما عمر فأغمض عينيه.
كأنه يسمع صوت أبيه لأول مرة منذ سنوات.
ثم قال التسجيل:
“اسمعوني كويس.”
“فيه شخص واحد بس ما تقدرشوا تثقوا فيه.”
تجمد الجميع.
وتبادلنا النظرات.
ثم نطق فؤاد بالاسم.
اسم الشخص الذي خانه.
واسم الشخص الذي تسبب في كل ما حدث.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الاسم نفسه…
بل في أن الشخص المذكور كان يقف معنا داخل الغرفة في تلك اللحظة.
وعندما سمع اسمه…
ابتسم.
ابتسامة باردة.
مرعبة.
ثم أغلق باب الغرفة الحديدي بعنف من الخارج.
وتركنا جميعًا محبوسين بالداخل.
يتبع…
