حكايات رومانى مكرم 1
لم كان أبويا بيطلع في الروح، كانت العيلة واقفة برة مستنية الميراث بفارغ الصبر. بس أنا، **بنته الوحيدة** اللي كنت ماسكة إيده في لحظاته الأخيرة، اكتشفت الخزنة والرسالة اللي سابها: **”
كل اللي فاكرين إنهم ورثوه… مسروق مني.”**
في العزا، جه أخويا “أدهم” لابس بدلة سودا تفصيل عمولة. اختي “تيسير” كانت بتبكي وتولول كل ما يقرب منها حد مهم في المنطقة. أما اختنا الصغيرة “شيماء”، فما ظهرتش خالص.
— “الراجل الكبير أصلاً مش عارف مين يدخل ومين يخرج من أوضته،” قالتها شيماء في التليفون. “مش هضيع بعد ظهر كامل عشان أقعد أرغاي جنب واحد نايم.”
بس أبويا، الحاج “أمين”، كان عارف كل صوت، كل غياب، وكل كدبة.
في الجنازة، أدهم لابس البدلة التفصيل. تيسير بتمثل البكا كل ما تشوف حد له قيمة. وشيماء نزلت صورة ليها قدام الصوان مع كلام حزين عن “وجع الفراق والتربية”، مع إنها ما زارتوش بقالها يجي سنتين!
بعد العزا، العيلة اتجمعت في بيت أبويا في حي مصر القديمة. المحامي “الأستاذ فاروق” قرا الوصية قدام الكل.
البيت الكبير يروح لأدهم. استثمارات البنك والشهادات تروح لتيسير. والمجوهرات والدهب يروحوا لشيماء.
ابتسمت شيماء بخبث وقالت:
— “ساب إيه بقى لـ ‘نعمة’؟ مش دي اللي عملت فيها ممرضة ملاك ورحمة طول السنين اللي فاتت؟”
بص المحامي في الصفحة الأخيرة وقال:
— “صندوق خشب أرز… وكل اللي جواه.”
— “أبوكي كان عارف إنك مابتفهميش في إدارة الحاجة الثقيلة،” قالها أدهم وهو بيبتسم بسخرية.
بصلته من غير ما أرد. الكلام كان مضحك بالنسبة لي… أنا نعمة، شغالة بقالي 8 سنين مراجعة حسابات شرعية وقضائية مع جهات رقابية ورسمية. شغلانتي الأساسية هي تتبع الفلوس المتسترة، الشركات الوهمية، والمال الحرام المسروق ومتغطي في شكل هدايا عائلية!
قفل أدهم ملف الممتلكات وقال:
— “لمي حاجتك النهارده. البيت ده هينزل بيع قبل آخر الأسبوع.”
— “الراجل الكبير لسة حُرمته مابردتش تحت التراب!” ردت عليه.
— “عشان كده بالذات لازم نخلص بسرعة،” قالتها تيسير ببرود. “الحاجات اللي لينا حق فيها ممكن تضيع.”
سكتت. وهم افتكروا سكاتي قلة حيلة.
دخلت الأوضة القديمة. بصيت على الصورة المتربة لأبويا الحاج أمين، وجنبه أمي الله يرحمها، وتيسير، وأدهم… وأنا وأنا عندي 12 سنة واقفة على الطرف كأني برة العيلة أصلاً.
شلت الصورة من على الحيطة.
وراها كان فيه الخزنة المتدارية.
فتحت الخزنة…
أول ورقة قريتها خلت الدم يجمد في عروقي والدموع تنشف:
#الكاتب_رومانى_مكرم_
> **”يا نعمة… كل اللي فاكرين إنهم ورثوه، اشتروه بفلوس سرقوها مني وأنا عايش.”**
>
وفجأة… سمعت صوت عربية بتفرمل قدام البيت. كشافات النور ضربت في الشباك، وصوت مفتاح بيتقلب في كوالين الباب البراني…
أول ما كشافات العربية ضربت في زجاج شباك الأوضة، اتسمعت خبطات قوية على الباب البراني، وصوت مفتاح بيتحرك في القفل بكذا محاولة غشيمة. خرجت بسرعة من الأوضة بعد ما دخلت الورقة في جيبي وقفلت الخزنة، ولقيت أدهم وتيسير واقفين في صالة البيت ووشوشهم ألوان، بينما شيماء كانت لسة بتعدل في شكلها قدام المراية.
فتح أدهم الباب بغضب وهو بيقول:
— “مين الغبي اللي بيخبط بالطريقة دي في وقت زي ده؟”
كان واقف على الباب راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادي وشايل في إيده شنطة جلد ثقيلة، ووراه شابين هيبتهم تخوف. بص الراجل لأدهم من فوق لتحت وقال بنبرة هادية بس مليانة تهديد:
— “البقاء لله يا أستاذ أدهم… أنا الأستاذ طلعت الشاذلي، وكيل شركاء الحاج أمين في مجموعة ‘المستقبل’.”
تيسير قربت وهي بتعدل طرحتها وقالت باستنكار:
— “شركاء إيه ويافطة إيه اللي بتتكلم عنها؟ أبويا الله يرحمه ما كانش له شركاء في البيت ده ولا في العمارة دي أصلاً!”
ابتسم طلعت ابتسامة باردة وطلع من شنطته عقد موثق بالختم النسري، ورماه على الترابيزة اللي في نص الصالة وقال:
— “الحاج أمين بايع البيت ده، وجميع الأصول والعقارات المكتوبة باسمه، لشركتنا بعقود نهائية ومسجلة بقالها سنة كاملة… وفوقهم شرط جزائي بخمسة مليون جنيه لو المقر ما اتسلمش في خلال 48 ساعة من تاريخ وفاته.”
السكوت نزل على الصالة زي الصاعقة. أدهم وشه اتقلب أصفر وشال الورق بيقراه بإيد ب do ترتعش، وتيسير صرخت:
— “أنت كداب ومزور! أبويا كاتب البيت ده باسم أدهم في الوصية اللي قراها المحامي فاروق من ساعة واحدة بس!”
رد طلعت بثقة:
— “المحامي بتاعكم يقرأ اللي هو عايزه، الوصية لا تلغي عقود البيع النافذة. وأستاذ أدهم عارف كويس أوي أصل الفلوس اللي اتدفعت في الصفقة دي راحت فين… ولا تحب نتكلم قدام إخواتك عن القروض اللي اتسحبت بضمان أوراق الشركة القديمة؟”
بصيت لأدهم… عينيه كانت في الأرض، وجبينه بيشر عرق. في اللحظة دي فهمت اللعبة؛ أدهم وتيسير ما كانوش مستنيين الوصية عشان يورثوا، دول كانوا مستنيين الحاج أمين يموت عشان العقود المتغطية تظهر للعلن قبل ما حد ينبش وراهم!
شيماء صرخت في أدهم:
— “أنت عملت إيه يا أدهم؟ يعني إيه البيت مبيوع؟ والدهب والمجوهرات اللي في الخزنة اللي قال عليها المحامي؟”
طلع طلعت ضحكة مكتومة وقال وهو بيبصلي:
— “الخزنة اللي في أوضة الحاج أمين ملك للشركة بموجب المحضر الرسمي رقم 412… وما فيهاش دهب يا مدام. كل اللي فيها أوراق تصفية حسابات.”
هنا تدخلت أنا… خطوت خطوات هادية ووقفت بين أدهم وطلعت، وبصيت لطلعت في عينيه مباشرة وقلت بنبرة ثابتة:
— “المحضر رقم 412 اتلغى بقرار من نيابة الأموال العامة من أسبوعين يا أستاذ طلعت… والشركة الوهمية اللي أنت جاي تمثلها مقفولة بقرار رقابي بتهمة غسيل الأموال وتزيير توقيعات المتوفى وهو فاقد الأهلية.”
طلعت اتسمر في مكانه، وبصلي بذهول وهو بيحاول يستوعب أنا مين:
— “أنتِ مين عشان تتكلمي في قرارات نيابة؟”
— “أنا ‘نعمة أمين’… مراجعة الحسابات القضائية اللي بتفحص ملفات الشركاء الورقيين للحاج أمين بقالها 6 شهور.”
طلعت اتراجع خطوة لورا، وأدهم بصلي برعب حقيقي كأنه بيشوفني لأول مرة في حياته. كملت كلامي وأنا بطلع موبايلي من جيبي:
— “الأوراق اللي في الصندوق الخشب الأرز مش مجرد ذكريات… دي كشوفات الحسابات الأصلية بتوقيعات أدهم وتيسير، والبصمات الحقيقية للتحويلات اللي تمت لحسابات شيماء برة مصر. أبويا سابلي الخيط اللي هيحبسكم كلكم… بداية من التزوير، ومروراً بالسرقة، وانتهاءً ببيع البيت اللي واقفه فيه ديلوقتي.”
شيماء جهزت نفسها عشان تصرخ وتهاجم، بس صوت سرينة عربيات الشرطة اللي بدأت تقرب من الشارع الرئيسي خلت المكان كله يتجمد.
بصيت لإخواتي وللراجل اللي واقف معاه العقود المزورة وقالتلهم بصوت واطي بس مسموع:
— “الجنازة خلصت… والحساب الصدق يبدأ ديلوقتي.”