مكالمه تلفون2

قفلت المكالمة مع سمر وأنا حاسة إن دماغي هتنفجر.
جزء جوايا كان مرتاح إن أحمد ما كانش بيخوني مع داليا.
لكن الجزء التاني كان مصدوم أكتر.
لأن الراجل اللي عشت معاه سبع سنين كان مخبي عني بنت كاملة.
بنت من دمه.
وكل السنين دي كان بيكدب عليا في وشي.
فضلت قاعدة ساعات أفكر.
لحد ما قررت أسمع منه هو.
اتصلت بيه.
أول ما رد، كان صوته متوتر:
“نادية… والله أنا كنت ناوي أفهمك.”
قلت ببرود:
“تعالى البيت. دلوقتي.”
وصل بعد المغرب.
وشه كان مرهق.
وعينيه مليانة خوف.
قعد قدامي من غير ما يتكلم.
وأنا حطيت قدامه كشف الحساب.
وصورة استمارة الحجز.
وصورة داليا.
وقلت:
“احكي.”
نزل راسه لتحت.
ولأول مرة من ساعة ما عرفته، شفته مكسور بالشكل ده.
وقال:
“كل اللي سمعتيه صح.”
وسكت شوية قبل ما يكمل:
“بس في حاجة محدش قالهالك.”
قلت:
“قول.”
رفع عينه ناحيتي وقال:
“داليا مش بنتي بس…”
قلبي دق بعنف.
وأكمل:
“داليا مريضة.”
سكت المكان كله.
وقال بصوت مخنوق:
“عندها مرض نادر في القلب. ومن سنة تقريبًا الأطباء قالوا إنها محتاجة عملية كبيرة جدًا.”
افتكرت التحويلات.
افتكرت المصاريف.
افتكرت كل الفلوس.
وأنا ساكتة وهو بيكمل:
“أنا كنت بخاف أقولك. كنت خايف تكرهيني. وخايف تحسي إني خدعتك.”
قلت بغضب:
“وأنت فعلًا خدعتني.”
نزل دموعه لأول مرة.
وقال:
“عارف.”
وسكت.
وبعدين قال:
“بس والله ما خنتك.”
كنت عايزة أصدق.
بس الكدب كان أكبر من إنه يتمسح بكلمة.
وبينما إحنا بنتكلم، رن موبايله.
بص للشاشة واتغير لونه فجأة.
وقف من مكانه.
قلت:
“في إيه؟”
رد وهو بيرتعش:
“المستشفى.”
قلبي انقبض.
قال بسرعة:
“داليا تعبت فجأة.”
ولأول مرة من ساعة ما عرفت الحقيقة، شفت خوف أب حقيقي.
خوف راجل ممكن يخسر بنته.
خرج يجري من البيت.
وسابني قاعدة لوحدي.
لكن بعد أقل من دقيقة…
وصلتني رسالة على موبايلي من رقم غريب.
فتحتها.
وكانت صورة.
صورة لتحليل DNA.
وفي أسفل الصفحة جملة واحدة:
“أحمد ليس الأب البيولوجي لداليا.”
وقتها بس عرفت…
إن الكارثة الحقيقية لسه ما بدأتش أصلًا.
يتبع…
فضلت باصة للصورة على شاشة الموبايل ومش مستوعبة.
قرأت الورقة مرة.
واتنين.
وتلاتة.
نفس النتيجة.
أحمد ليس الأب البيولوجي لداليا.
في الأول افتكرت إنها لعبة قذرة.
أو حد بيحاول يوقع بينا أكتر.
لكن اللي خلاني أقلق إن التحليل كان شكله رسمي جدًا.
وفي آخر الرسالة كان مكتوب:
“اسألي هناء عن الحقيقة اللي خبتها عشرين سنة.”
قلبي بدأ يدق بعنف.
اتصلت بأحمد فورًا.
لكن كان في الطريق للمستشفى وماردش.
بعد نص ساعة، جالي اتصال منه.
أول ما رديت سألته:
“أحمد… عملت تحليل DNA لداليا قبل كده؟”
سكت.
السكون اللي سمعته كان أخطر من أي إجابة.
وبعدين قال:
“مين قالك؟”
قلت:
“جاوب.”
رد بصوت مكسور:
“أيوة.”
اتصدمت.
قلت:
“وطلعت مش بنتك؟”
قال:
“أيوة.”
حسيت إن الأرض بتتهز تحتي.
صرخت:
“يعني كنت عارف؟!”
رد وهو بيبكي:
“من خمس سنين.”
خمس سنين!
خمس سنين وهو عارف الحقيقة!
قلت بعصبية:
“وأنت بتصرف عليها وعلى أمها ليه؟”
سكت شوية.
وبعدين قال الجملة اللي غيرت كل حاجة:
“عشان وعدتها.”
ما فهمتش.
فكمل:
“لما هناء كانت حامل، كنت فاكر إن الطفل ابني. وبعد الولادة بسنتين اكتشفت إنها خانتني. وبعد سنين طويلة عملت التحليل واتأكدت.”
قلت:
“وإيه اللي خلاك تكمل؟”
رد بصوت متعب:
“لأن داليا مالهاش ذنب.”
سكت.
وأكمل:
“البنت كانت بتناديني بابا من وهي صغيرة. كنت أسيبها تموت أو أرميها في الشارع عشان خطأ أمها؟”
لأول مرة من بداية الأزمة، ما عرفتش أرد.
لأن جزء جوايا كان غاضب جدًا من كذبه.
وجزء تاني كان شايف قد إيه قلبه متعلق بالبنت.
لكن لسه في حاجة ناقصة.
قلت:
“مين بعتلي التحليل؟”
وفجأة أحمد قال اسم خلاني أتجمد.
“سمر.”
اتصدمت.
سمر؟
بنت خالته؟
اللي كانت بتعيط وتعتذر؟
قال:
“سمر هي اللي عملت كل ده.”
قلت:
“ليه؟”
رد:
“عشان كانت عايزة فلوس.”
وسكت ثانية قبل ما يكمل:
“ولما رفضت أبيع نصيب أمي في البيت وأديهولها، قررت تفضح كل حاجة.”
بدأت الصورة تتجمع.
التحويلات.
المكالمات.
الرسائل.
كل حاجة.
لكن أحمد قال فجأة:
“في حاجة أخطر من كده.”
قلت:
“إيه تاني؟”
قال بصوت مرتعش:
“العملية اللي داليا محتاجاها كانت بكرة الصبح.”
قلبي انقبض.
وأكمل:
“والفلوس اللي كانت متجمعة للعملية اتسحبت من الحساب.”
اتصدمت.
قلت:
“إزاي؟”
رد:
“سمر خدتهم.”
في اللحظة دي فهمت إن الموضوع ما بقاش خيانة ولا أسرار قديمة.
بقى سباق مع الوقت.
بنت حياتها معلقة بخيط.
وفلوس العملية اختفت.
والشخص الوحيد اللي يعرف راحت فين…
كان سمر.
لكن قبل ما أحمد يكمل كلامه، جاله صوت من جوه المستشفى.
صوت دكتور بيجري ناحيته وهو بيقول:
“الأستاذ أحمد؟ لازم تيجي حالًا… البنت دخلت في أزمة خطيرة.”
وساعتها…
عرفنا إن الساعات الجاية هتغير مصير كل واحد فينا للأبد.
يتبع…
أحمد جري ناحية غرفة الطوارئ وأنا سمعت صوته وهو بينادي على الدكتور.
قفلت المكالمة وقلبي بيترعش.
رغم كل اللي حصل بينا، ما قدرتش أتمنى الأذى لبنت مالهاش أي ذنب.
بعد ساعة تقريبًا، وصلت المستشفى.
لقيت أحمد قاعد على كرسي في الممر.
وشه شاحب وعينيه حمرا من كتر البكا.
أول ما شافني وقف.
واضح إنه ما كانش متوقع إني أجي.
بصيتله وقلت بهدوء:
“أخبارها إيه؟”
رد بصوت مكسور:
“الدكاترة قدروا يثبتوا حالتها مؤقتًا… لكن لازم العملية تتعمل في أسرع وقت.”
في اللحظة دي خرج الدكتور.
وقال إن المستشفى وافقت تبدأ الإجراءات لإنقاذ داليا، وإن تأخير العملية ممكن يبقى خطر جدًا.
وأثناء الكلام، ظهرت هناء أم داليا وهي بتعيط.
أول ما شافت أحمد انهارت وقالت:
“سامحني… أنا السبب في كل اللي حصل.”
ما حدش رد.
لأن الوقت ما كانش وقت حساب.
كان وقت إنقاذ بنت بريئة.
بعد ساعات طويلة من التوتر، دخلت داليا غرفة العمليات.
وقعدنا كلنا مستنيين.
أنا…
وأحمد…
وهناء…
حتى محمود جه وقعد معانا.
أربع ساعات مروا كأنهم أربع سنين.
لحد ما الدكتور خرج أخيرًا.
كلنا وقفنا مرة واحدة.
وابتسم وقال:
“الحمد لله… العملية نجحت.”
في اللحظة دي انهارت هناء من العياط.
وأحمد غطى وشه بإيده وبكى لأول مرة من غير ما يحاول يخبي دموعه.
أما أنا فحسيت بحمل كبير بيتشال من على قلبي.
بعد أيام، بدأت الحقيقة الكاملة تظهر.
التحقيقات أثبتت إن سمر فعلًا حاولت تسرق الأموال المخصصة لعلاج داليا بعد ما عرفت تفاصيل الحسابات والتحويلات.
وتم استرجاع جزء كبير من المبلغ.
أما أحمد…
فجلس معايا جلسة طويلة جدًا.
اعترف بكل حاجة.
اعترف إنه غلط لما خبّى الحقيقة.
وغلط لما كذب.
وغلط لما قرر ياخد القرارات لوحده.
وقال لي:
“أنا كنت خايف أخسرك… وفي الآخر كدت أخسرك فعلًا بسبب خوفي.”
بصيت له طويلًا.
وقلت:
“المشكلة ما كانتش في الحقيقة يا أحمد… المشكلة كانت في الكدب.”
نزل راسه وسكت.
أما عن جوازنا…
فما رجعش في يوم وليلة.
الثقة اللي اتكسرت احتاجت وقت طويل جدًا عشان تتصلح.
روحنا جلسات استشارات أسرية.
واتكلمنا عن كل حاجة اتدفنت سنين.
وكان القرار إننا ندي نفسنا فرصة أخيرة.
مش عشان ننسى اللي حصل.
لكن عشان نبني علاقة جديدة على الصراحة.
وبعد شهور…
في يوم زيارة لداليا بعد ما بقت أحسن بكتير، لقيتها جريت عليا وحضنتني.
وقالت بابتسامة بريئة:
“أنا مبسوطة إنك جيتي يا طنط نادية.”
ضحكت ومسحت على شعرها.
وقلت:
“وأنا مبسوطة إنك بقيتي بخير.”
في اللحظة دي فهمت درس عمري ما هنساه:
الخيانة مش دايمًا بتكون علاقة سرية… أحيانًا أخطر خيانة هي الحقيقة اللي بنخبيها عن أقرب الناس لينا.
تمت.
بقلم ندى الجمل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *