بعد ولادتي حكايات رومانى مكرم 2

مرت ثلاثة أيام في المستشفى، ولم يكن هناك صوت يعلو فوق صوت الصمت البارد الذي اخترته. كان زوجي يحاول بكل الطرق أن يقترب، يجلس بالساعات على الكرسي المقابل لسريري، ينظر إليّ بنظرات ملؤها الندم والرجاء، لكنني كنت قد أغلقت أبواب قلبي تماماً. كلما نظرت إلى وجهه، تذكرت بروده وهو يرى دموعي، وتذكرت كلمته: “اعملي اللي تقدري عليه وخلاص”.

جاء يوم الخروج من المستشفى. دخل زوجي الغرفة وبدأ يجمع الحقائب بنشاط مبالغ فيه، وكأنه يحاول تكفير الذنب، ثم التفت إليّ وقال بصوت منخفض:

— “السيارة جاهزة يا حبيبتي.. وأنا جهزت الشقة ونظفتها عشان ترتاحي، وأمي مش هتيجي تماماً لحد ما تبقي كويسة.”

نظرت إليه والدتي التي كانت تجلس بجانبي وتطعم الصغير، وقالت بحسم جاف:

— “شقة إيه اللي هترجعها؟ أنا قولت كلمتي يا أحمد.. بنتي هتيجي معايا بيتي، هناك هتعرف ترتاح وهكون عين عليها وعلى ابنها، وأنت تقدر تيجي تشوف ابنك في أي وقت.”

تغيرت ملامح أحمد، ونظر إليّ بلهفة وقال:

— “بس يا طنط دي بيتها، وأنا اللي لازم أخد بالي منها ومن ابني.. أنا اتعلمت الدرس والله.”

ثم اقترب من السرير، وأمسك بيدي التي كانت باردة كالثلج، وقال وعيناه تترقرق بالدموع:

— “عشان خاطري يا حبيبتي.. ارجعي معايا، وأنا هخدمك برموش عيني.. متبعديش عني.”

نظرت إلى يده الممسكة بيدي، ثم سحبتها بهدوء شديد، وقلت بصوت خافت لكنه قاطع:

— “أنا هروح مع ماما يا أحمد.”

نزل القرار عليه كالصاعقة. تنحى جانباً وهو يشعر بالعجز، وساعدتني والدتي على النهوض وركوب السيارة.

في بيت والدتي، مر أسبوع كامل. كان أسبوعاً مليئاً بالهدوء الذي كنت أحتاجه جسدياً، لكن عقلي لم يتوقف عن التفكير. أحمد كان يأتي كل يوم بعد عمله، يحمل الهدايا، ويجلس مع ابنه، ويحاول الحديث معي، لكنني كنت أتعامل معه برسمية شديدة وجفاء لم يعهده مني.

وفي اليوم الثامن، رن جرس الباب. فتحت والدتي، لتجد حماتي وأخت زوجي تقفان عند الباب، وبأيديهما حقائب وعلب مليئة بالطعام.

دخلت حماتي وعلامات الخجل—لأول مرة—تكسو وجهها. اقتربت من سريري، وجلست على طرفه ونظرت إليّ بعيون مكسورة وقالت:

— “حمد الله على سلامتك يا بنتي.. أنا جيت عشان أعتذر لك.. الشياطين عمت عيني ومفكرتش في تعبك، والبيت من غيرك ملوش حس، وأحمد حاله يشكي لطوب الأرض.. حقك عليا.”

نظرت إليها، ووجدت نفسي صامتة. لم أشعر بالتشفي، بل شعرت بمرارة قديمة لم تمحها كلمات الاعتذار المتأخرة.

وفي المساء، جاء أحمد كالعادة، لكنه هذه المرة لم يجلس بجانب الصغير، بل جاء وجلس أمامي مباشرة، وأخرج من جيبه ورقة، ثم نظر إليّ بجدية وقال:

— “أنا عارف إن الاعتذار مش كفاية.. وعارف إن اللي عملته أنا وأمي كسر جواكي حاجة كبيرة.. عشان كده أنا أخدت خطوة، وعايزك تشوفيها بنفسك.”

نظرت إلى الورقة التي وضعها في يدي، وفتحتها بفضول، لتتسع عيناي من المفاجأة..

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

كانت الورقة عبارة عن عقد إيجار شقة جديدة في حي بعيد تماماً عن بيت عائلته، ومكتوب في خانة المستأجر اسمعا نحن الاثنين، ومرفق بها إيصال سداد مقدم لستة أشهر كاملة.

نظرت إلى الورقة ثم رفعت عيني إليه بذهول، فقال وعيناه تلمعان بالدموع:

— “أنا عارف إن المشكلة مكنتش بس في العزومة.. المشكلة كانت في التدخل، وفي إني مكنتش حمايتك وسندك في الوقت اللي كنتِ محتاجاني فيه. الشقة دي بعيدة عن بيت أمي، وجهزت فيها كل حاجة عشان ننقل فيها فوراً أول ما تقومي بالسلامة.. مش هسمح لأي حد يتدخل في حياتنا تاني، ولا يفرض عليكي حاجة فوق طاقتك.”

صمتَّ للحظات، كانت الكلمات تلمس جرحي، لكن الخوف الداخلي كان لا يزال جاثماً على صدري. هل يتغير الإنسان حقاً بعد صدمة؟ أم أن هذا مجرد رد فعل مؤقت لامتصاص غضبي؟

قلت له بهدوء ونبرة خالية من المشاعر:

— “والشقة الجديدة دي هتمنع أهلك أنهم يطلبوا، وهتمنعك أنت إنك توافق على حساب صحتي؟”

قبّل يدي وقال بنبرة حاسمة:

— “أنا اتعلمت الدرس بأصعب طريقة يا حبيبتي.. لما شوفتك واقعة على الأرض بين إيديا والدم مغرقك، عرفت إن مفيش أي حاجة في الدنيا تستاهل إني أخسرك، لا عزومة ولا إرضاء لحد على حسابك. أنا حطيت حدود واضحة مع أمي، وهي نفسها ندمانة وجت اعتذرتلك.”

في تلك اللحظة، دخلت والدتي الغرفة، ونظرت إلى الورقة في يدي ثم إلى أحمد. تنحنح أحمد وقال باحترام:

— “يا طنط، أنا شيلت مراتي وابني في عيني، ومستني اليوم اللي ترجع فيه لبيتها.. بيتنا احنا وبس.”

نظرت إليّ والدتي وقالت:

— “القرار قرارك يا بنتي.. أنتِ اللي هتعيشي، وأنتِ اللي تقدري تحكمي إذا كان ندمه حقيقي ولا لأ.”

مر أسبوع آخر، تحسنت فيه صحتي قليلاً، وبدأت أتحرك ببطء داخل شقة والدتي. طوال هذا الأسبوع، لم ينقطع أحمد عن الحضور، ولم تفارق وعوده تصرفاته؛ كان يساعد في رعاية الصغير، ويحرص على راحتي بكل تفصيلة، حتى حماتي كانت تتصل يومياً بوالدتي لتطمئن عليّ بنبرة هادئة ومختلفة تماماً عن قسوتها السابقة.

جاء يوم القرار. كنت قد اتخذت قراري بالعودة معه، ليس نسياناً لما حدث، بل لإعطاء بيتي وابني فرصة جديدة، ولأرى إن كان هذا العهد الجديد سيصمد أم لا.

حزمنا حقائبنا، وودعت والدتي التي أوصت أحمد بي خيراً. ركبنا السيارة وانطلقنا نحو الشقة الجديدة. كانت شقة جميلة، دافئة، وفي منطقة هادئة. دخلت وغمرتني رائحة النظافة والاستقرار، وشعرت لأول مرة منذ ولادتي بالراحة.

مرت الأيام الأولى بسلام، وأحمد كان يحاول جهده ليعوضني. وفي نهاية الأسبوع الأول لنا في الشقة الجديدة، وبينما كنت أعد حليب الصغير في المطبخ، رن جرس الباب.

ذهبت لأفتح، فتفاجأت بحماتي تقف عند الباب، وتحمل حقيبة سفر كبيرة خلفها، وعلى وجهها ابتسامة غريبة وقالت:

— “خطوة عزيزة يا حبيبتي.. أنا جيت أقعد معاكم كام شهر عشان أخد بالي منك ومن الواد!”

انقبض قلبي فجأة، والتفتُّ لأرى أحمد واقفاً خلفي، وعلامات الصدمة والارتباك تعود لتكسو وجهه من جديد..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *