جوزي طلقني حكايات اسما السيد 2

كريم كان واقف ورا اتنين رجالة بجسامة تخوف، ملامحه كانت مشوهة من الغضب، والهدوء المستفز اللي كان بيقابلني بيه في مطبخ الفيلا اختفى تمامًا، وحل محله جنون حقيقي.

قبل ما ينطق بكلمة تانية، ظهر من ورا الباب “حازم” ابن خالي المحامي، ومعاه اتنين من أفراد أمن الكومباوند اللي ساكنة فيه والدتي. حازم خطى خطوة واسعة وبقى واقف بيني وبين كريم، وبص للرجالة اللي معاه بنظرة حاسمة وقال بصوت جهوري: “أهلاً يا كريم بيه… خطوة كمان جوة البيت وهتتحول القضية من أحوال شخصية لجنحة اقتحام مسكن، وترويع، وكسر قرار محكمة… ورجالة الأمن برة مصورين كل حاجة بالفيديو.”

الرجالة اللي مع كريم بصوا لبعض، وبدأوا يتراجعوا خطوة لورا. هيبتهم اتهزت لما عرفوا إن الموضوع متثبت، وكريم زعق فيهم بصوت مرعوب ومغلول: “أنتوا واقفين تتفرجوا؟ هاتوا الولد!”

حازم طلع من جيبه نسخة وثيقة الحكم الصادرة من المحكمة بالأمس، وفردها قدام وش كريم: “الولد بحكم المحكمة، وبناءً على تنازلك الموثق والممضي بإيدك، في حضانة والدته مدام ليلى حضانة كاملة… أي محاولة للاقتراب منه أو أخذه بالقوة هي جناية خطف عاقبتها السجن المشدد… اتفضل اخرج برة قبل ما أطلب النجدة.”

كريم بص للورقة، وبص لحازم، وعينيه جت في عيني… كان فيه كمية غل وكراهية عمري ما شفتها فيه. صرخ وهو بيلتفت وماشي: “ماشي يا ليلى… افتكرتي إنك كسبتي؟ المحامي بتاعي قالي إن فيه ثغرة في قرار الوقف، وهرفع قضية بطلان للتنازل… والفيلا دي مش هطلع منها لو انطبقت السما على الأرض!”

قفلنا الباب، وسندت ضهري عليه وأنا بنهج. حازم التفت ليا وقال بهدوء: “متخافيش يا ليلى، هو بيفلفص مش أكتر. بس لازم نتحرك بسرعة… كريم مش هيسكت، والفيلا اللي هو قاعد فيها دلوقتي وبيرفض يخرج منها، هي الحبل اللي هيلف حوالين رقبته.”

في نفس الليلة، كلمتني المحامية منى الشاذلي. صوتها كان فيه نبرة انتصار متحمسة: “ليلى… كريم شرب الطعم بالكامل. المحامي بتاعه قدم الصبح طلب للمحكمة لإثبات تمسكه بالفيلا ورفضه إخلائها، واعتبر إنها حقه القانوني بناءً على التنازل الإضافي.”

سألتها بلهفة: “وده معناه إيه يا منى؟”

منى ضحكت وقالت: “معناه إنه ثبت على نفسه قانونياً وبشكل رسمي استلام الحيازة! وزارة المالية والحجز الضريبي بعتوا استعجال للفيلا النهاردة بمديونية تمن سنين فاتوا… وبما إنه أثبت إنه الحائز والمستفيد الوحيد ورفض الإخلاء، الحجز الإداري نزل باسمه هو شخصياً وعلى حساباته العائلية كحارس قضائي ملزم بالسداد!”

مرت ثلاثة أيام…

وفي اليوم الرابع، كنت قاعدة مع آدم بساعده في مذاكرته، لما تليفوني رن برقم غريب. فتحت، وجالي صوت باكي ومكسور… مكانش صوت كريم، المرة دي كانت حماتي… والدة كريم.

قالت بصوت مخنوق بالدموع: “ليلى… يا بنتي أنا عمري ما أذيتك، وكنت دايماً بقولك اتمسكي بحقك… كريم هيروح في داهية يا ليلى! البنك حجز على أرصدة الشركة بتاعته وبتاعت أبوه الله يرحمه بسبب ديون الفيلا اللي اتنقلت باسمه… والشرطة راحتله الفيلا النهاردة بإنذار كسر حجز وإيجار متأخر للدولة… هيدخل السجن يا بنتي، أبوس إيدك تنازلي عن الشرط ده.”

قلبي وجعني عشانها، الست دي فعلاً مكانش ليها ذنب، بس افتكرت شكل كريم وهو بيمضي ويقولي “اشبعي بيه ياحبيبتي” واقناع نفسه إن ابني مجرد ثمن لفيلا وعربيات.

قلت لها بنبرة هادية وبدون قسوة: “يا طنط، كريم هو اللي اختار… هو اللي طلب ياخد كل حاجة مقابل ابنه، ربنا ما بيرضاش بالظلم، واللي عمله فيا وفي ابنه بيتردله دلوقتي… أنا مش هأذيه، بس مش هتنازل عن حماية ابني.”

قفلت السكة، وقبل ما استوعب المكالمة، جالي إشعار رسالة على تليفوني من رقم كريم… الرسالة كانت غريبة جداً، مكانش فيها شتيمة ولا تهديد… كان فيها عنوان لمكتب رسمي في وسط البلد، وجملة واحدة:

“لو عايزة تحمي سر أهلك اللي في الفيلا… تعالي لوحدك بكرا الساعة 1 الضهر… وإلا العقود اللي لقيتها في الخزنة السرية المستخبية ورا السقف الزجاجي هتكون على مكتب النائب العام.”

جسمي كله سقع… الخزنة السرية ورا السقف الزجاجي؟! دي الخزنة اللي والدتي الله يرحمها قالتلي إن مفيش مخلوق يعرف مكانها، ولا حتى والدي قبل ما يموت!

التفتت لآدم وهو بيضحك وبيلعب، وحسيت إن المعركة ما انتهتش… دي يادوب بدأت تاخد منحنى تاني خالص.

تابعو صفحه رومانى مكرم

الرسالة نزلت عليا زي المية الساقعة. الخزنة السرية اللي ورا السقف الزجاجي! دي الخزنة اللي والدتي، قبل ما تموت، مسكت إيدي وهي في المستشفى وقالت لي بنبرة مرعوبة: “يا ليلى، السقف الزجاجي في الفيلا مش مجرد ديكور… وراه سر لو طلع، اسم عيلتنا كله هينتهي، وأبوكي الله يرحمه كان شايل فيه ورق يودي في داهية… أوعي كريم يعرف عنه حاجة.”

طول اتناشر سنة جواز، كنت فاكرة إن كريم ما يعرفش عنها حاجة، وإني قدرت أحمي السر ده… لكن الطمع عماه وخلاه يقلب الفيلا حتة حتة لحد ما وصلها.

اتصلت بـ “حازم” ابن خالي فورًا. أول ما سمع نبرة صوتي المخطوفة، جالي البيت في أقل من نص ساعة. ورّيته الرسالة، ملامحه اتغيرت وبدأ يفكر وهو بيتحرك في الصالة رايح جاي:

“كريم دلوقتي بيلعب لعبة “عليّ وعلى أعدائي”… الحجز الضريبي خنقه، وعارف إن السجن بينه وبينه خطوة، فبيحاول يلاقي أي كارت يضغط بيه عليكي عشان تنقذيه… لكن السؤال هنا: هو بجد لقى الخزنة؟ ولا بيخمن بناءً على حاجة شافها أو سمعها من والدتك قبل ما تموت؟”

قلت له وأنا بفرك إيديا بخوف: “كريم ذكي وخبيث يا حازم، ووصف المكان بالظبط في الرسالة معناه إنه مش بيخمن… أنا لازم أروح له.”

حازم بص لي بحدة: “هتروحي، بس مش لوحدك. العنوان ده مكتب محامي قديم معروف بتخليص القضايا المشبوهة… أنا هكون برة المكتب ومعايا رجالة، ومنى الشاذلي هتكون على الخط معاكي خطوة بخطوة.”

تاني يوم، الساعة واحدة الضهر بالثانية…

كنت واقفة قدام باب المكتب في عمارة قديمة بوسط البلد، الأسانسير الخشب وبلاط الموزاييك كان بيدي للمكان هيبة تخوف. أخدت نفس طويل، وفتحت الباب.

المكتب كان ضلمة، ستايره مقفولة، وريحة السجاير مالية المكان. في آخر الممر، كان كريم قاعد ورا مكتب خشب كبير، لابس قميص أسود، وشه كان شاحب، وتحت عينيه هالات سوداء من قلة النوم، لكن نظرة الشماتة والانتصار رجعت لعينيه تاني أول ما شافني داخلة.

قعدت على الكرسي اللي قدامه بمنتهى الثبات المزيف، وقلت بصوت حاسم: “أنا جيت يا كريم… وريني اللي عندك.”

كريم رجع بضهره لورا، وطلع سيجارة ولعها، ونفخ الدخان في الهوا وهو بيبتسم ابتسامة صفرا: “كنت عارف إنك هتيجي مكسورة يا ليلى… أصل ليلى الهانم، بنت الحسب والنسب، متقدرش تستحمل فضيحة… بالذات لو الفضيحة تخص أبوها “رأفت بيه”، الراجل اللي مصر كلها كانت بتحلف بأمانته ونزاهته.”

سكت وميل القدام، وحط إيديه على المكتب وقال بنبرة فحيح الأفاعي: “أنا قلبت السقف الزجاجي حتة حتة عشان كنت هتمجنن… كنت بسأل نفسي: ليه واحدة طماعة في ابنها زيك تتنازل عن فيلا بـ 50 مليون جنيه بالسهولة دي؟ لولا إن المحامي بتاعي قالي فتش في السقف اللي هي كانت بتشرف على تصميمه بنفسها وتمنع أي عامل يدخل فيه… وفعلاً، لقيت الخزنة الرقمية… ولقيت “الأجندة الحمراء” وعقود الشراكة القديمة.”

قلبي كان بيقرقض في صدري، بس حاولت مابينش أي تعبير على وشي: “والأجندة دي فيها إيه يخليك فاكر إنك لويت دراعي؟”

كريم ضحك بصوت عالي، ضحكة رنت في المكتب الضلمة: “فيها إثباتات إن نص ثروة عيلتكم، والشركات اللي ورثتيها، طالعة من عمليات غسيل أموال وتهريب آثار مع شبكة دولية من عشرين سنة! أبوكي مكانش رجل أعمال شريف يا ليلى… أبوكي كان رئيس العصابة! والورق ده لو وصل للنيابة، مش بس ممتلكاتك هتتصادر… إنتي كمان هتدخلي السجن كشريكة ومستفيدة من أموال حرام، وابنك “آدم” هيترمي في الملجأ لأني هكون في السجن بسبب ديونك!”

حسيت إن الهوا اتقطع عني. الكلام كان صدمة فوق طاقتي، لكن في اللحظة دي، افتكرت حاجة مهمة… حاجة والدتي قالتهالي عن طبيعة الورق ده، وعن “الفخ” اللي والدي سابه للزمن.

جمعت كل قوتي، وقفت، وسندت بإيديا على المكتب وقربت من وشه وقلتله بثقة هزت كيانه: “أنت غبي يا كريم… وطول عمرك غبي وعينك عميا من الطمع. أنت فاكر إنك لقيت ورق يدين أبويا؟”

كريم ملامحه اتغيرت والابتسامة بدأت تختفي: “يعني إيه؟ الورق مكتوب فيه الأسامي والمبالغ بالمليون!”

قلتله وأنا ببتسم بسخرية: “أبويا الله يرحمه كان شغال مع الأجهزة السيادية في الدولة… والأجندة دي هي القضية اللي قفل بيها الشبكة دي سنة 2010، والورق اللي معاك ده مجرد صور من التحقيقات اللي انتهت أصلاً، والفلوس والشركات دي كلها متقننة ومعاها شهادات براءة وإبراء ذمة مالية من أعلى جهات في البلد بعد ما أبويا ساعدهم في القبض على الشبكة الحقيقية!”

كريم وقف، وشه اتقلبت ملامحه لرعب حقيقي، وبدأ يقلب في الورق اللي في إيده باهتزاز: “لا… لا أنتي بتكذبي! أنتي بتمثلي عشان تخوفيني!”

في اللحظة دي، باب المكتب اتفتح بعنف… ودخل حازم ومعه اتنين ضباط بشرطة الأموال العامة!

كريم تراجع لورا وهو بيترعش، والضابط خطى لورا المكتب وقال بصوت صارم: “كريم عبد العزيز؟ أنت مقبوض عليك بتهمة ابتزاز، ومحاولة استخدام مستندات رسمية تخص قضايا أمن دولة منتهية، بالإضافة لأمر الضبط والإحضار الصادر ضدك في قضية التبديد والتهرب الضريبي للفيلا.”

كريم بصلي وهو بيترمي في الكلبشات، وعينيه كانت مليانة جنون وصدمة، صرخ وهو بيتشد من العساكر: “مش هسيبك يا ليلى! المحامي بتاعي معاه النسخ الأصلية… هيدمرك!”

الضابط التفت لكريم وقال ببرود: “المحامي بتاعك مرشد معانا من تلات أيام يا كريم بيه… وهو اللي بلغنا بميعاد الجلسة دي.”

خرجت من المكتب وأنا حاسة إن جبل انزاح من على كتفي… السر اللي كان خانقني وخانق والدتي مات النهاردة، وكريم أخيرًا أخد جزاءه.

بعد أسبوع…

كنت قاعدة في جنينة بيت والدتي، آدم بيجري وبيلعب قدامي، ومنى الشاذلي بتشرب معايا قهوة وتقولي: “كده نقدر نقول مبروك يا ليلى… كريم لبس القضية رسمي، وحكم الحضانة بقى نهائي وغير قابل للطعن بعد سلوكه الإجرامي الأخير.”

ابتسمت وأنا ببص لآدم، وحسيت براحة عمري ما دوقتها… لكن فجأة، تليفوني رن… الرقم كان من سجن طرة.

فتحت الخط، وجالي صوت كريم، بس مكانش بيصرخ ولا بيهدد… صوته كان هادي ومخيف جداً، لدرجة خلقت قشعريرة في جسمي:

“مبروك الجولة دي يا ليلى… بس أنتي نسيتي تسألي نفسك سؤال واحد… لو أبوكي كان شريف والورق ده رسمي… ليه أمك ماتت مقتولة بالسم في بيتك القديم؟ وليه الأجندة دي كان فيها اسمك أنتي بالذات كـ “مطلوبة” للشبكة دي لحد النهاردة؟”

الخط قطع… وفنجان القهوة وقع من إيدي اتكسر ميت حتة على الأرض.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *