رجعت من السفر حكايات رومانى مكرم 4
المنطقة كلها كانت واقفة على رجل، صمت رهيب حلّ على الشارع ومحدش كان قادر يتنفس قدام بركان الغضب اللي كان طالع مني. أمي وقعت على الأرض من طولها لما لقت كدبتها اتكشفت قدام الجيران والبوليس، والولد الصغير استخبى ورا أبوه وهو بيترعش.
في أقل من نص ساعة، كانت الحتة مقلوبة.. رجالة من السويس والقاهرة، صحابي وأصحاب عمري اللي ليهم تقُل وكلمة في السوق وقلبهم ميت، وصلوا وعربياتهم سدت مدخل الشارع. نزلت ليهم وأنا ماسك في إيدي شومة حديد، وعقلي مبقاش فيه مكان غير لـ “حنان ويحيى”.
المحامي حازم جه جري عليا ومسكني من دراعي: *”عاصم، استهدى بالله، بلاش سلاح ودم عشان متضيعش نفسك! البوليس هياخد أقوال الواد الصغير وهيجيبوهم”*
نفضت إيده من على دراعي وزعقت في وشه: *”بوليس إيه يا حازم؟! الشقة وولعوا فيها عشان يداروا على جريمتهم، ومراتي وابني مخطوفين مع سحرة ومجاذيب.. والـله العظيم لو استنيت الإجراءات ليكونوا دبحوا ابني ولا عملوا فيهم مصيبة! اللي يقرب من لحمي، ملوش عندي غير الموت!”*
بصيت لـ “زنّوبة” خادمة الست أم جلال، كنت عارف بيتها فين.. بيت قديم مهجور على أطراف المدافن في آخر المرازيق، مكان يقطع النفس وميدخلوش غير الشياطين. ركبت العربية وجنبي الرجالة، وطرنا على هناك كأننا عاصفة هتاكل الأرض.
وصلنا المكان مع أول خيوط شمس الصبح وهي طالعة باهتة وميتة وسط الضباب. البيت كان طابق واحد مبني بالطوب اللبن، وحواليه كراكيب وغبرة تقبض القلب. نزلنا من العربيات في صمت، والرجالة حاصروا المكان من كل اتجاه.
قربت من الباب الخشب المتهالك، وبكل ما فيا من غل وعصبية، هبدته برجلي طيرته جوة الأوضة.
الدخان والتراب طاروا، وشميت ريحة بخور تقرف النفس.. وجوة، لقيت “منى وعبير” قاعدين على الأرض، ووشهم عليه علامات الرعب والذهول أول ما شافوني واقف بطولي والشر في عيني. وجنبهم الست الساحرة “أم جلال” وخادمتها زنوبة، كانوا بيحضروا حاجات غريبة على الأرض.
وعلى سرير قديم ومصدي في ركن الأوضة.. كانت حنان مربوطة من إيديها ورجليها، وبقها متكمم بقماشة، وعينها حمرا من كتر العياط، ويحيى ابني محطوط جنبها في قفص خوص وهو بيصرخ وصوته رايح تماماً من الخوف.
أول ما حنان شافتني، عينيها لمعت بدموع الأمل وبدأت تتحرك بعنف وهي مكتومة.
منى وعبير صرخوا وقاموا وقفوا واستخبوا ورا الساحرة: *”عاصم! أنت جيت هنا إزاي؟!”*
مردتش بكلمة.. دخلت زي القضاء المستعجل. الساحرة أم جلال مسكت عصاية وبدأت تبرق وتتمتم بالكلام، نزلت بالشومة على إيدها كسرتها في ثانية، صرخت ووقعت على الأرض بتنهش من الوجع. زنوبة خادمتها جرت على برة، بس رجالتي كانوا واقفين على الباب أخدوها وكتفوها.
لفيت لإخواتي البنات.. منى قعدت على ركبها وتبكي: *”سامحنا يا عاصم! والـله أم جلال هي اللي قالت لازم نجيبهم هنا ونعملهم عمل سفلي يخليهم يختفوا من حياتك عشان ترجعلنا وترجع الفلوس والبيت! مكناش هنموتهم والـله مكناش هنموتهم!”*
مسكت منى من شعرها وقولت والشرر بيتطاير من عيني: *”تحرقوا شقتي؟ وتخطفوا مراتي وابني؟ وتجيبوهم في وسط المقابر والدجل؟ أنتوا مش إخواتي.. أنتوا شياطين!”*
زقيتها على الأرض، وجريت على السرير. قطعت الحبال اللي على إيد حنان ورجليها وشيلت القماشة من بقها. حنان رمت نفسها في حضني وهي بتصرخ بهستيريا: *”أخدوا الواد يا عاصم.. كانوا عاوزين يدفنوا العمل تحت سريره! كانوا هيموتوا ابني يا عاصم!”*
شيلت يحيى في حضني، وضمتهم هما الاتنين لصدري، ودموعي نزلت غصب عني.. دموع قهر ووجع، بس مخلوطة بنار مش هتنطفي.
التفتت للرجالة وقولت بصوت حاد قاطع: *”الستات دول يتكتفوا كلهم.. منى وعبير وأم جلال وزنوبة، ويترموا في العربيات برة. حازم المحامي مكلم النجدة، والمرة دي التسليم هيبقى في قلب الوكر.. بالجرم المشهود، خطف، وشعوذة، ومحاولة قتل، وحرق عمد”*.
عبير بدأت تصرخ وتلطم: *”هتسجن إخواتك يا عاصم؟! فضيحتنا هتبقى بجلجل في البلد!”*
بصيت لها وأنا شايل ابني على كتفي وماسك إيد مراتي: *”أنتوا اللي اخترتوا الفضيحة والسجن.. والـله العظيم لخليكم عبرة لكل واحد يفكر يظلم أو يخون الأمانة. حكم المحكمة في حرق الشقة والخطف هيبقى سواد على دماغكم”*.
خرجنا من البيت المهجور، وحنان ساندة عليا ودموعها مش بتطفي، ويحيى بدأ يهدأ في حضني. النجدة وصلت المكان بناءً على اللوكيشن اللي حازم بعته ليهم، وقبضوا على الكل بالكلابشات قدام عيني.
رجعت المنطقة، الشقة المحروقة كانت لسه بتطلع دخان، وأمي كانت قاعدة وسط الناس مستنية مصير بناتها. أول ما شافتني نازل وحنان معايا والواد، وشها جاب ميت لون وعرفت إن اللعبة خلصت.. وللأبد.
نزلت حنان في عربية حازم عشان تروح تقعد في الشقة الإيجار البعيدة اللي محدش يعرفها، ووقفت أنا بطولي في نص الشارع، وبصيت لأمي وقولت لها: *”بناتك في النيابة بتهم جنائية هتشيب شعر راسهم.. والبيت ده من النهاردة هيتقفل بالجنازير، ومفيش مخلوق هيعتب فيه”*.
أمي صرخت: *”وهترمي أمك فين يا عاصم؟!”*
رديت ببرود قاتل: *”هتقعدي في الأوضة والصالة اللي كنت مأجرها لبناتك.. وتدوقي من نفس الكاس”*.
الحكاية لسه منتهتش، والمحاكم والجنايات هتبدأ، والنار اللي في قلبي مش هتبرد إلا لما أشوف الحكم العادل بعيني..
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
أيام النيابة والمحاكم مرت عليا كأنها سنين، بس السنين دي مكنتش بتضعفني، دي كانت بتزيد قلبي قساوة وصلابة زي الحديد. المحامي حازم مسبش ثغرة واحدة؛ محضر الحريق العمد من المعمل الجنائي، تقرير طبي بحالة حنان، شهادة الواد الصغير، والأعظم من ده كله: ضبط منى وعبير مع الساحرة “أم جلال” في وكر المقابر والجرم مشهود والحبال والطلاسم في إيديهم.
القضية اتحولت لمحكمة الجنايات بسرعة الصاروخ، وبقت حديث الرأي العام في المنطقة كلها. الكل بيتكلم عن “عاصم” اللي وقف ضد أهله عشان يحمي مراته وابنه، وناس لسه بتبخ سمها وتقول: *”يا عاصم، ارحم أمك وبناتها، دول حريم من دمك، بلاش تبيتهم في السجن مأبد”*. كنت ببص لهم وأقول كلمة واحدة: *”الحريم اللي من دمي ولعوا في بيتي وخطفوا ابني الرضيع وكانوا هيقبروه حي مع عمل سفلي.. دول مش حريم، دول وحوش، والوحش مكانه القفص”*.
نقلت أمي بـ إيدي للأوضة والصالة اللي في آخر الدنيا، قفلت عليها الباب وسبت لها قرشين للأكل والشرب، وقولت لها: *”ده مقامك الجديد يا أمي، دوقي السقعة والوحدة اللي دوقتيها لحنان فوق السطوح”*. بكت وصرخت ودعت عليا، بس دعوتها كانت بتخبط في جدار ظلمها وترجع لها.
يوم جلسة النطق بالحكم..
المحكمة كانت زحمة، كأن مصر كلها جاية تتفرج على نهاية الغدر وخيانة الأمانة. وقفت أنا وحنان في آخر القاعة، حنان كانت ماسكة في دراعي وبتترعش، بس المرة دي مش من الخوف، من اللهفة على الحق. و”يحيى” كان في حضنها، وشه رد وبقا زي البدر، كأنه حاسس إن أبوه واقف في ضهره وهيرجع له حقه.
دخل القاضي، وساد الصمت في القاعة. وبص في الأوراق، وبص للمتهمين ورا القفص.. منى وعبير كانوا واقفين وشهم في الأرض، الوشوش اللي كانت بتطرد وتظلم وتحرق، بقت دبلانة ومكسورة والكلابشات في إيديهم بتاكل في لحمهم.
نطق القاضي بالحكم اللي زلزل القاعة:
> **”حكمت المحكمة حضورياً على كل من: منى متولي، وعبير متولي، والمدعوة أم جلال، بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات عما أسند إليهم من تهم الخطف، والاحتجاز القسري، والحريق العمد لمنشأة مأهولة بالسكان، والدجل والشعوذة لإلحاق الأذى العمدي.”**
>
صراخ وعويل ملى القفص. منى وقعت من طولها، وعبير بقت تلطم على وشها وتصرخ وتناديني: *”عاصم! يا عاصم الحقنا يا أخويا! ارحمنا!”*.
لفيت وشي الناحية التانية، مسكت إيد حنان وخرجنا من القاعة، وكل خطوة كنت بخطيها برة المحكمة، كانت حمل جبل بيتشال من فوق ضهري. الدم الحامي هدي، والنار اللي في صدري انطفت، بس الحساب لسه مقفلش قفلته الأخيرة.
طلعت برة المحكمة، الشمس كانت حامية ومالية الدنيا نور. بصيت لحنان وقولت لها: *”الحق رجع يا بنت الأصول، وبنات أمي هياخدوا جزاءهم ورا القضبان، مفيش مخلوق يقدر يمسك بكلمة تاني”*.
حنان دمعت وقالت بصوت كله راحة: *”الحمد لله يا عاصم.. ربنا يخليك لينا وضهر لينا طول العمر”*.
باقي خطوة واحدة.. الخطوة الأخيرة اللي هقفل بيها كتاب الماضي ده كله، وأبدأ صفحة جديدة مفيش فيها غير أنا ومراتي وابني، وبيت العيلة اللي اتقفل بالجنازير.. جه وقته عشان يتصرف فيه التصرف الصح.
الحكاية خلاص على أبواب النهاية، والجزء الجاي والآخير هو قفلة الحساب اللي تليق برحلة الشقى والغدر دي كلها.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
بعد الحكم المشدد اللي نزل على منى وعبير، الدنيا لفت لفتها، والكل عرف إن الظلم ليله قصير، وإن شقى الغربة والدم الحامي لما بيثوروا للحق مبيقفش في وشهم مخلوق.
رجعت لبيت العيلة للمرة الأخيرة.. البيت اللي شهد شقايا، وشهد أول فرحتي، والبيت اللي برضه شهد أبشع أنواع الغدر وخيانة الأمانة. وقفت قدام الباب الكبير، وبصيت للجنازير الحديد اللي أنا قفلت بيها البيت. كان معايا سمسار وعقود بيع. أنا مكنتش طايق أشوف طوبة واحدة من المكان ده تاني، كل شبر فيه كان بيفكرني بدموع حنان وسقعة السطوح وعشة الكراكيب.
مضيت عقود بيع البيت كله، بنصيبي الشركي ونصيب أمي اللي أخدته بالقانون كتعويض. بعت البيت لأحد التجار في المنطقة عشان يهده ويبنيه من أول وجديد، وقولت في بالي: “البيت اللي يتهان فيه عرضي ومالي، ميتعاش فيه.. يتهد ويترمي ترابه في الزبالة”.
أخذت الفلوس، وطلعت على الشقة الإيجار اللي قاعدة فيها حنان ويحيى. دخلت عليهم والابتسامة مالية وشي لأول مرة من شهور. حطيت الشنطة قدام حنان وقولت لها: **”لمي حاجتك يا أم يحيى.. إحنا خارجين برا المحافظة دي كلها، وبرا السيرة دي خالص. اشتريت ليكي أرض وشقة ملك باسمك وباسم ابننا في مكان جديد، مكان مفيش فيه حد يعرفنا ولا حد يحسدنا على لقمة ناكلها”**.
حنان بكت من الفرحة، وضمت يحيى لحضنها وقالت: **”ربنا ينصرك ويعوض صيرك خير يا عاصم، أنت صنت الأمانة وصنت اللي صانتك في غيابك”**.
قبل ما نسافر بيوم، روحت لأمي الأوضة والصالة اللي قاعدة فيها. دخلت وسبت معاها دفتر توفير باسمها في البنك، فيه مبلغ يعيشها مستورة وميخليهاش تحتاج لمخلوق لحد آخر يوم في عمرها. بصيت لها وقولت بقلب هادي بس حاسم:
**”أنا مسبتكيش لـ لقمة العيش يا أمي.. عشان دي أصول ربنا اللي عرفتها، وميرضيش ربنا إن ابن يرمي أمه للجوع مهما عملت. بس من هنا ورايح، ماليش أم، وأنتِ مالكيش ابن اسمه عاصم. النفوس انقطعت، والود اتمحى بيوم ما سيبتي مراتي وابني في السقعة وولعتي في بيتي. فلوسك هتوصلك كل أول شهر، بس وشي مش هتشوفيه تاني”**.
أمي بكت بكاء حر، دمع ندم وحسرة وهي شايفة ابنها البكر، وضهرها في الدنيا، بيمشي ويسيبها بسبب طمعها وغلها وبناتها اللي بقوا ورا الحديد لعشر سنين قدام. خرجت وقفلت الباب ورايا، وكنت بحس إن الروح ردت فيا من جديد.
سافرنا.. بدأنا حياتنا في مكان جديد، وسط ناس جديدة. فتحت مشروعي الخاص، ويحيى بدأ ييكبر قدام عيني وهو شبعان حنية وأمان، وحنان رجعت الضحكة تنور وشها من تاني.
### 💡 الحكمة من الحكاية
خرجت من التجربة المرة دي بحكمتين هما أساس حياتي الجديدة، ولكل راجل بيشقى في الغربة:
* **الأمانة لا تُختبر في المال فقط، بل في العِرض والكرامة:** الشقى والقرش الأبيض ملوش قيمة لو كان تمنه كرامة أهل بيتك. الراجل الحقيقي مش اللي بيبعت فلوس بس، الراجل هو اللي بيحمي ضهره ويضمن إن الست اللي سابت أهلها علشانه قاعدة معززة مكرمة.
* **اتقِ شر الحليم والساكت إذا غضب:** حنان سكتت كتير عشان تحافظ على بيت العيلة، وعاصم صبر وشقي، بس الظلم لما بيفوق الحد، بيتحول لإعصار بياكل الأخضر واليابس. والقانون والعدل هما الحماية الوحيدة ضد الغدر، حتى لو كان الغدر ده جاي من أقرب الناس ليك.
**تمت الحكاية.. والحق دايماً بيفوز في النهاية.**