جوزى مسافر حكايات رومانى مكرم 2

## الجزء الثالث: الزائر غير المتوقع

تسمرت في مكاني، وتوقفت أنفاس “كريم” الذي كان يقف على بُعد خطوة مني. صوت المفتاح وهو يدور في القفل كان بمثابة طوق نجاة، لكنه في نفس الوقت كان لغزاً… مَن يملك مفتاح هذه الشقة غيري أنا وحسام؟ وحسام في السعودية!

انفتح الباب ببطء، ودخلت “الحاجة فاطمة” حماتي، ومعها ابنتها “هناء”.

تراجع كريم بسرعة للوراء، وتغيرت ملامحه في ثانية من تلك النظرة المريبة إلى وجه الأخ القلق الهادئ.

* **الحاجة فاطمة باستغراب:** “إيه ده؟ الكهرباء قاطعة ليه كدة؟ وإيه اللي طلعك هنا يا كريم في الضلمة دي؟”

ارتبكتُ للحظة، لكن كريم رد ببرود يحسد عليه:

* **كريم:** “أهلاً يا أمي.. أبداً، أنا سمعت خبط على السطوح وقولت أطلع أطمن على سمر، خصوصاً والمنطقة كلها كحل.”

نظرت إليّ حماتي بنظرة فاحصة، وكأنها تحاول قراءة ما جرى قبل دخولها. أما “هناء” فكانت تبادلت مع كريم نظرة سريعة لم أفهم معناها.

### المواجهة المستترة

جلست حماتي في الصالة، وأشعلت هناء كشاف هاتفها. شعرتُ بالارتياح لوجودهم، لكن ثقل جبال الأرض كان على صدري.

* **الحاجة فاطمة:** “حسام كلمني وقال لي إنه قلقان عليكي يا سمر، قولت لـ”هناء” تعالي نبات مع سمر ليلتين لحد ما الكهرباء تتظبط وكريم يروح يشوف مصالحه.”

كريم لم يعجبه الكلام، بان الضيق على وجهه لكنه سرعان ما أخفاه بابتسامة صفراء:

* **كريم:** “ماشي يا أمي، أنا موجود تحت لو احتجتوا حاجة.. تصبحوا على خير.”

قبل أن يخرج، التفت ونظر إليّ نظرة أخيرة، كانت طويلة وكأنه يعاتبني أو يتوعدني، ثم نزل السلم وسمعت صوت باب شقته يُغلق بقوة.

### سر في الغرفة القديمة

في تلك الليلة، نامت حماتي في غرفة الضيوف، أما هناء فنامت بجانبي. لم أستطع النوم، كنت أفكر في جملة كريم: *”حسام دايماً بياخد الحاجة الجاهزة.. وأنا اللي هنا دلوقتي”*.

شعرت بحركة بجانبي، كانت هناء مستيقظة هي الأخرى.

* **هناء بهمس:** “سمر.. أنتي نمتي؟”

* **سمر:** “لا يا هناء، مش جايلي نوم.”

* **هناء (بتردد):** “خدي بالك من كريم.. هو طيب بس.. بس من ساعة ما موضوع “خطوبته القديمة” باظ وهو مبقاش طبيعي، وحاسس إن الكل ضده.”

سألتها بفضول وقلبي يدق:

* **سمر:** “خطوبة إيه؟ أنا معرفش حاجة عن الموضوع ده.”

* **هناء:** “أصله كان بيحب واحدة زمان، ولما جه يتقدم لها أهلها رفضوه عشان مكنش معاه فلوس، وبعدها بشهرين حسام خطبك أنتي.. كريم من يومها وهو شايف إن حسام خد نصيبه من الدنيا وهو مخدش حاجة.”

تجمدت الدماء في عروقي. هل يراني كريم كـ “تعويض” عما فاته؟ هل نظراته لي ليست إعجاباً بقدر ما هي رغبة في امتلاك ما يملكه أخوه؟

### مفاجأة الفجر

قبيل الفجر، عادت الكهرباء. قمتُ لأغلق الشباك الذي تركه كريم مفتوحاً في المطبخ. وبينما كنتُ أغلقه، لمحت شيئاً غريباً على الرخامة بجانب الحوض.

كان “مفتاحاً”.

مفتاح قديم، ليس مفتاح شقتي، وليس مفتاح شقته بالأسفل. كان مفتاحاً عليه علامة مميزة… تذكرت فوراً أين رأيت هذه العلامة. إنها علامة “صندوق الذكريات” الخاص بحسام، الذي يضعه في الدولاب ويقفله دائماً.

لماذا تركه كريم هنا؟ وكيف فتحه؟

هرعتُ إلى الغرفة، فتحت الدولاب، ووجدت الصندوق مكانه، لكن القفل كان مكسوراً! سحبت الصندوق وفتحته وأنا أرتجف، لأجد مفاجأة لم تخطر لي على بال.

أوراق رسمية، وصور قديمة لكريم… وصورة لي أنا، لم ألتقطها أبداً، كانت ملتقطة من بعيد وأنا واقفة في شرفة منزلي قبل أن أتزوج حسام بسنة كاملة!

في تلك اللحظة، سمعت صوت خطوات حافية تقترب من باب الغرفة.. لم تكن خطوات حماتي ولا هناء، كانت خطوات ثقيلة أعرفها جيداً.

توقف الظل خلف الباب، وانطفأ نور الغرفة فجأة مرة أخرى، وجاءني صوته من خلف الخشب:

— “لقيتي اللي بتدوري عليه يا سمر؟”

**يتبع…**حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

 

## الجزء الرابع: فخ الذكريات

تسمرت في مكاني، والصورة في يدي ترتجف كأنها قطعة من الجمر. الظلام الذي لف الغرفة فجأة جعل حواسي كلها في حالة استنفار. صوته من خلف الباب كان هادئاً بشكل مرعب، لم يكن صوت شخص يطلب مساعدة، بل صوت شخص كشف ورقة اللعب الأخيرة.

— “فتحي الباب يا سمر.. عشان تفهمي الحكاية صح.”

تراجعت إلى الخلف حتى اصطدمت بالدولاب، ووضعت يدي على فمي لأمنع صرختي من الخروج. كيف دخل ثانية؟ حماتي وهناء في الغرفة المجاورة، هل يعقل أنهما لم يشعرا به؟ أم أنه لم يخرج أصلاً؟

### المواجهة خلف الباب

جمعت شجاعتي وقلت بصوت محشرج:

— “امشي يا كريم.. هصوت وألمّ عليك البيت كله، أمك وأختك جوه!”

سمعت ضحكة مكتومة، ضحكة باردة خالية من أي مشاعر، ثم قال:

— “أمي وهناء نومهم تقيل، وأنا عارف هما بيشربوا إيه قبل ما يناموا عشان يروحوا في سابع نومة.. متخافيش، أنا مش هأذيكي، أنا بس جيت آخد حاجتي اللي حسام سرقها مني.”

مددت يدي ببطء وأمسكت “بفازة” ثقيلة كانت فوق الكومودينو، وقلت بصوت أعلى قليلاً:

— “قصدك إيه؟ حسام ميسرقش حاجة، والصور دي بتعمل إيه في صندوقه؟ وأنت كنت بتراقبني من قبل الجواز ليه؟”

ساد صمت طويل، لدرجة أنني ظننت أنه انصرف، لكن صوته جاء هذه المرة أقرب، كأنه يضع رأسه على خشب الباب:

— “حسام مكنش يعرفك يا سمر. أنا اللي شوفتك الأول، أنا اللي وقفت تحت بلكونتك شهور، وأنا اللي صورتك الصور دي عشان أروح أتقدم لك.. حكيت له عنك، قولت له لقيت البنت اللي هكمل معاها عمري. وبدل ما يساعد أخوه الصغير، سبقني وخطبك هو، عشان هو “المهندس” اللي معاه فلوس، وأنا كنت مجرد دبلوم مش لاقي شغل.”

### الحقيقة المرة

شعرت بدوار شديد. هل من الممكن أن يكون حسام، زوجي الذي أحبه، قد فعل ذلك حقاً؟ هل بنى سعادتنا على أنقاض حلم أخيه؟

— “حسام سرقك مني يا سمر، ولما سافر وسابني هنا، ساب لي فرصة إني أرجع حقي.”

وفجأة، دفع الباب بقوة. القفل الذي كنت أظنه مغلقاً كان قد تم التلاعب به مسبقاً. دخل كريم وفي يده كشاف صغير، سلطه على الصور المبعثرة على السرير.

نظرت إليه بعينين دامعتين وقلت:

— “حتى لو اللي بتقوله صح.. ده مايديكش الحق تقتحم بيتي وتراقبني وتخوفني. أنا دلوقتي ست أخوك، فاهم يعني إيه؟”

اقترب خطوة، ولمعت عيناه بنظرة غريبة:

— “أخويا سابك لوحدك في البيت ده.. سابك لحيطان بتنطق بالوحدة. أنا الوحيد اللي كنت حاسس بيكي، حتى وأنا في البلد كنت بسمع صوتك في خيالي.”

### الخيط المفقود

في تلك اللحظة، لاحظت شيئاً لم ألحظه وسط الزحام. في قاع الصندوق الذي كسره كريم، كانت هناك رسالة مطوية بعناية، لم تكن بخط حسام، بل كانت بخط نسائي رقيق.

سحبتها بسرعة قبل أن يصل إليها، وفتحتها تحت ضوء كشافه. كانت الرسالة بتاريخ قديم، موجهة لحسام، وموقعة باسم… “نهى”.

تغير وجه كريم فجأة حين رأى الرسالة في يدي. اندفع ليأخذها، لكنني تراجعت خلف السرير.

— “مين نهى يا كريم؟ وليه كاتبة لحسام إنها “حامل” منه قبل فرحنا بشهر؟”

سقط الكشاف من يد كريم على الأرض، وظهرت على وجهه علامات الرعب، ليس مني، بل من السر الذي انكشف فجأة. وفي تلك اللحظة بالذات، سمعنا صوت صرخة مكتومة تأتي من الغرفة المجاورة… غرفة حماتي.

ركضتُ باتجاه الباب، لكن كريم أمسك بذراعي بقوة وقال بصوت مخنوق:

— “متخرجيش.. نهى ممتتش يا سمر.. نهى لسه عايشة، وهي اللي بره!”

**يتبع…**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *