بعد ما اتطلقت حكايات رومانى مكرم 2

الخوف خلاني مش قادرة أقف على رجليا، سحبت الكرسي الخشب اللي ورايا وقعدت وأنا حاسة إن الهوا طار من ديرتي. بصيت للراجل اللي بيقول إنه أبويا، وبصيت للسلسلة المحطوطة على القطيفة الحمراء فوق مكتب الصايغ.. شكلها فجأة اتمسح منه البساطة، وبقت شبه لعنة ونزلت عليا.

قلتله وصوتي طالع بالعافية: “فهموني.. أنا مش فاهمة حاجة، مين دول اللي هيوصلوا لي؟ وأمي كانت خايفة عليا من إيه؟”

الراجل الطويل قعد على ركبه قدامي عشان يبقى في نفس مستوى نظري، وعينه لسه مدمعة، قال بصوت واطي ومكتوم كأنه خايف الحيطان تسمعه: “عيلتنا زمان في الصعيد كانت دافنة أمانة غالية قوي يا نجلاء.. الأمانة دي مكنتش فلوس، كانت ورق وحجج لأراضي وممتلكات عائلات كبيرة، جدي شالها سر لحساب ناس واصلين قوي لما قامت ثورة زمان. الورق ده محطوط في خزنة حديد قديمة مدفونة تحت بيتنا القديم في أسيوط.. ومحدش يعرف طريق الخزنة ولا تركيبتها غير بالنقش اللي ورا السلسلة دي.”

بلعت ريقي وبصيت للصايغ اللي كان واقف مبرق، فكمل أبويا وقال: “عمامك لما عرفوا بالسر، طمعوا.. وباعوا العيلة للناس اللي الورق ده يدينهم ويخرب بيوتهم. أمك لما حست بالغدر، وموتوا أخويا الصغير عشان يضغطوا علينا، خافت عليكي.. كانت لسه والداكي. لمت هدومها في نص الليل، وأنا هربتها بنفسي وأديتها السلسلة دي، واتفقنا إننا نتقابل بعد ما الهوجة تخلص.. بس عمامك حبسوني، وقضيت خمساشر سنة في السجن بتهمة أنا ماليش ذنب فيها، ولسه خارج من كام سنة وقاعد هنا مستني أي أثر ليكي أو لأمك.”

دموعي نزلت غصب عني.. افتكرت أمي لما كانت بتقفل الأبواب بالترابيس مية مرة بالليل، وافتكرت خوفها المرعب من أي خبطة باب مفاجئة. كانت عايشة في رعب طول السنين دي عشان تحميني أنا!

سألته بخوف: “وطالما أنت هربتها.. عمامي والناس دي ميعرفوش طريقنا؟”

هز راسه بالنفي وقال: “أمك غيرت اسمها واسمك في شهادة الميلاد، وعشنا عشرين سنة بندور في ساقية مابتخلصش.. الصايغ ده صاحب عمري، وهو الوحيد اللي معاه سر الختم ده، وكنت دايماً بقوله لو السلسلة دي دخلت محلك في يوم من الأيام، يبقى فاطمة أو بنتها ظهروا.”

وفجأة.. وإحنا بنتكلم، سمعنا صوت فرملة عربية جامدة بره المحل، وصوت خطوات رجالة كتير بتقرب من الباب الزجاج.

الصايغ ملامحه اتقبضت، وطلع يجري يبص من ورا الستارة، ووشه رجع أبيض تاني زي الورقة.. التفت لينا وهو بينهج وقال برعب: “يا نهار مش فايت.. دول نزلوا من عربيتين جيب.. شكلهم مراقبين المحل أو حد شاف البنت وهي داخلة!”

أبويا وقف بسرعة، ملامحه رجعت قاسية ومتأهبة، خطف السلسلة من على المكتب وحطها في جيب بالطوه، ومسك إيدي بقوة وقال بصوت حاسم: “مفيش وقت للخوف يا نجلاء.. لو مسكوني ومسكوكي، مش هيرحمينا.. لازم نخرج من الباب الجواني حالاً!”

إيد أبويا كانت ضاغطة على إيدي بقوة خلتني أحس بدفا مكنتش فاهمة قيمته، بس الرعب اللي كان مالي المكان مخلانيش أفكر. صوت خبط رزع على الباب الزجاجي بره خلى الصايغ العجوز يترعش وهو بيقفل الترباس الحديدي بإيد بتترعش.

“افتح يا عم كامل! افتح بدل ما نهد المحل فوق دماغك!” الصوت بره كان غليظ وقاسي، مع نبرة صعيدية واضحة مفيش فيها أي تفاهم.

أبويا شدني من إيدي بسرعة ووداني ناحية الباب الجواني اللي طلع منه. كان ممر ضيق ومظلم، ريحته تراب ورطوبة، وآخره سلم خشب متهالك مأدي لسطح المحل. الصايغ العجوز بص لأبويا بدموع وقال بصوت واطي: “اِجروا يا حسني.. أنا هعطلهم على قد ما أقدر، بس متقفش.. السلسلة دي لو راحت، دم البنت دي هيبقى حلال عندهم.”

“مش هنسى وقفتك معايا يا صاحب عمري،” أبويا قالها وهو بيزقني قدامه على السلم.

أول ما وصلنا السطح، المطر كان بينزل بغزارة والبرد نهش في عضمي. السطح كان مكشوف وواصل بأسطح البيوت القديمة اللي جمبه، والمحلات اللي في ضهر الفرن القافل. كنا بنجري فوق الكراكيب والألواح الخشب، وأنا بنهج ونفسي مقطوع، حافية بعد ما فردة جزمة مني ضاعت في الممر المظلم.

وفجأة، سمعنا صوت تكسير زجاج قوي جاي من تحت.. العيال كسروا باب المحل ودخلوا.

أبويا وقف ورا سور واطي، وشدني جمبه وهو بيتنفس بصعوبة. بص في عيني وقال بنبرة فيها رجاء: “نجلاء.. أنا عارف إنك مش مصدقاني، وعارف إن كل ده كتير عليكي.. بس مفيش وقت. السلسلة دي معاها سر الخزنة، بس الأهم من الخزنة.. إن جواها ورقة تثبت إن طليقك كريم، وعمامك، هما اللي خططوا لكل ده من الأول!”

برقت عيني بذهول: “كريم؟! كريم طليقي ماله ومال عمامي؟”

أبويا بلع ريقه وهو بيبص وراه على السلم اللي جينا منه، وقال بسرعة: “كريم مكنش جوازة صدفة يا بنتي.. كريم يبقى ابن عمك الكبير، دخل حياتك وخلى أمك توافق عليه بأسماء مزورة عشان يوصل للسلسلة دي.. ولما لقاها مش معاكي وطليقك ورمى حِملك، كان فاكر إنك هتبيعيها أول ما تتزنقي.. وهو ده اللي حصل! هما اللي مراقبينك وموصلينك للنقطة دي!”

الدنيا لفت بيا تاني.. طليقي اللي عشت معاه سنين، اللي كسر ضهري وخد حاجتي، كان مجرد جاسوس مستني اللحظة دي؟

قبل ما أستوعب الصدمة، ظهر خيال راجل طويل على باب السطح، وماسك في إيده سلاح. لمحنا وزعق بصوت جهوري: “لقيتهم هنا يا باشا! أهم فوق السطح!”

أبويا مسك كتفي وبصلي بنظرة أخيرة كلها قوة وقال: “انطَّي معايا على سطح الفرن يا نجلاء.. دي خطوتنا الأخيرة يا نعيش سوا أحرار، يا نموت سوا ونقفل الحكاية دي!”

غمضت عيني، وبنفس واحد نطيت مع أبويا. الهوا خبط في وشي والمطر كان بيجلدنا، ونزلنا فوق كراكيب سطح الفرن القديم بصدمة هدت حيلنا. رجلي اتلوت وصرخت مكتومة، بس أبويا مسبش إيدي.. شدني وقومني وهو بيلفت وراه، السلاح كان بيصوب علينا من السطح التاني، وبصوت هز السكون ضربوا طلقة جت في كتف أبويا.

أبويا صرخ وجز على سنانه، والدم صبغ البالطو الأسود، بس عينه كانت لسه بتلمع بإصرار غريب. “متخافيش.. اِجري!” قالها وهو بيزقني لباب السطح بتاع الفرن اللي كان موارب. دخلنا وجرينا وسط ضلمة الدكان القافل، لحد ما طلعنا من باب خلفي على عطفة ضيقة وضلمة مفيهاش صريخ ابن يومين.

أبويا ساند على الحيطة ونفسه بيتقطع، طلع السلسلة من جيبه وحطها في إيدي، وضغط عليها بقوة خلت نقش الختم يعلّم في لحمي. بصلي وقال بصوت متهدج: “الورق اللي في أسيوط مش بس هيرجع حقنا.. ده هيدفن كريم وعمامك في السجن طول عمرهم. السلسلة دي معاكي.. أنتِ الحقيقة الوحيدة اللي فاضلة لي.”

وفي الممر الضيق، ظهرت كشافات عربية جيب بتلف العطفة وبتقفل علينا المخرج الوحيد. النور عَمى عينا، وباب العربية اتفتح.. ونزل منه “كريم” طليقي، وبابتسامة باردة مفيش فيها أي رحمة، كان ماسك طبنجة في إيده وبيمسح المطر عن وشه.

“منور يا عمي.. عاش من شافك،” كريم قالها وهو بيقرب بخطوات بطيئة، وعينه نزلت على السلسلة اللي في إيدي. بصلي وقال: “كنت عارف إنك غبية وهتجيبيها لحد عندي يا نجلاء. سلمي الأمانة وخلي الليلة تعدي.. كفاية عشرين سنة هرب.”

أبويا وقف قدامي بجسمه كله، مداري عليا، وقال بنبرة طالعة من وسط الوجع: “على جثتي يا كريم.. البنت دي مش هتشوفوا منها حاجة.”

كريم رفع السلاح ببرود تام ووجهه لقلب أبويا: “يبقة على جثتك يا عمي.”

وفي الجزء من الثانية اللي صباع كريم اتهز فيه على الزناد.. سكون المطر اتقطع بصوت سرينات بوليس زلزلت المكان! النور الأزرق والأحمر ضرب في حيطان العطفة الضيقة، وصوت خطوات عساكر وظباط بيلفوا المكان من كل حتة.

كريم وشه اتقلب وجاب ألوان، وبص وراه برعب.. ومن وسط العساكر طلع الصايغ العجوز، عم كامل، وهو بينهج وواخد بوكس في وشه، ووراه ظابط كبير زعق: “إرمي السلاح يا كريم! المكان كله محاصر!”

الصايغ مكنش بيعطلهم بس.. الصايغ كان مكلم مباحث الأموال العامة والشرطة من أول ما شاف الختم، لأن القضية دي كانت قديمة ومفتوحة من عشرين سنة.

كريم رمى السلاح ورفع إيده وهو بيترعش، والعساكر هجموا عليه وكلبشوه هو ورجالته اللي كانوا فوق الأسطح.

أبويا وقع على الأرض من التعب والنزيف، نزلت على ركبي وجريت عليه، رفعت راسه على رجلي وأنا بعيط وبقوله: “متموتش.. أنا صدقتك.. متمشي وتسبني تاني.”

فتح عينه بالعافية وابتسم وسط الدموع: “أنا عشت عشرين سنة مستني اللحظة دي يا بنتي.. مكنتش همشي قبل ما أطمن عليكي.”

الإسعاف جت ونقلت أبويا، والبوليس حرز السلسلة كدليل رسمي هيفتح خزاين عيلة “المنشاوي” في أسيوط، الخزاين اللي مش بس هتدفع لي إيجار البيت.. دي هترجع لي اسمي، وعيلتي، وحقي اللي اتسرق مني من يوم ما اتولدت.

بصيت للسما والمطر بيغسل وشي، ولأول مرة من يوم ما اتطلقت، حسيت إن الدنيا مش سودة.. حسيت إن ربنا قفل باب كداب، عشان يفتح لي باب الحقيقة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *