رمت السمك زهرة الربيع 4

## الجزء السابع وليس الأخير

الصدمة لجمت الكل، والسكوت اللي حل في الأوضة كان مرعب. المحامي لسه بيتكلم في التليفون وبيقول: “ألو.. يا أحمد رحت فين؟ طمني الست ندى بلعت الطُعم؟” قفلت السكة في وشه، وبصيت لأحمد ولأمه اللي كانت من ثواني بتموت وبتشيل ماسك الأكسجين، وفجأة النبض رجع لها والجلطة طارت من الرعب!

عمي عبد الحميد وقف بطوله وسط الأوضة، وعينه بتطق شرار، وخبط بعصايته في الأرض خبطة كادت تهد السقف، وقال بصوت زلزل المكان:

– ” بقا بتستغفلونا يا زبالة البندر؟ بتجيبوا بنتنا لحد هنا بالتمثيل والملاوعة عشان تاكلوا حقها؟ وقسمًا باللي رفع السماء بلا عمد، ماني خارج من هنا إلا والشرطة معاكم يا بت مبروك الصياد!”

أحمد انهار وجري على رجل عمي يترجاه:

– “يا حاج عبد الحميد اهدى بالله عليك، أمي تعبانة فعلاً بس المحامي هو اللي أشار علينا بالملعوب ده عشان نخلص من الحبس! أنا عليا وصولات أمانة وممكن أتسجن في أي لحظة.. ارحموني!”

### قلبه الطاولة

بصيت لأحمد بمنتهى القرف والاشمئزاز، وقولت له بصوت حاسم خلاه يرعش:

– “تعبانة؟ الموت مفيش فيه تمثيل يا أحمد، والظاهر إن ربنا أراد يكشفكم في أرذل وقت ممكن.. الحق اللي أنت بتتكلم عنه والمؤخر والوصولات، مفيش فيهم مليم واحد هيتنازل عنه.. بالعكس، أنا هأمر المحامي بتاعي يرفع القض*ية التانية الصبح، والسجن بقا أولى بيك وبأشكالك.”

حماتي شالت الوش المقنع تماماً، وقعدت على السرير وهي بتنهج من الغيظ والغل بعد ما خطتها فشلت، وقالت بصوتها الحقيقي الحاد:

– “جرى إيه يا بت الصيادين؟ هتعملي علينا هانم؟ إحنا عيلة عمران ولينا اسمنا، وأعلى ما في خيلك وخيل عمك اركبوه! مش هتقدري تحبسي ابني، والفلوس دي مش هتشوفي منها مليم!”

ضحكت وبصيت لها وطلعت تليفوني من شنطتي، وقولت لها ببرود:

– “اسمكم؟ اسمكم ده أنا هخليه على كل لسان في البندر الصبح.. المكالمة دي والمكالمات اللي فاتت كلها كانت بتتسجل تلقائي على تليفوني.. تفتكري نسايب منة الجداد اللي طاروا، وجيرانكم في المنطقة، وأصحاب أحمد في الشغل، لما يسمعوا تسجيل ‘الحاجة صفية الهاي’ وهي بتعترف بأصلها وإنها بنت مبروك الصياد وبتاكل حق الغلبانة بالتمثيل والموت.. شكلكم هيبقى إيه؟”

منة أخت أحمد أول ما سمعت سيرة التسجيل والفضيحة، صرخت وقعدت تلطم على وشها:

– “يالهوي يا ماما! هتنقلي خبرنا في الحتة! العريس اللي فات مشي، والتاني اللي بنحاول نصلح معاه هيطفش! هتموتينا بالفضيحة يا ماما!”

### الضربة القاضية

أحمد لقى نفسه في خانة اليك؛ الفضيحة من ناحية، والسجن من ناحية تانية، وأمه اللي كانت مصدر قوته بقت هي نقطة ضعفه الأكبر. رجع يتوسل تاني وهو بيبكي:

– “ندى.. أبوس رجلك بلاش الفضيحة، بلاش التسجيل ده يطلع برا الأوضة دي.. أنا مستعد أمضي على أي حاجة، مستعد أبيع نصيبي في بيت أبويا عشان أسدد لك كل مليم، بس استري علينا!”

بصيت لعمي عبد الحميد، وبإشارة من عينه فهمت هو عايز إيه. قولت لأحمد بقسوة:

– “قدامك ساعتين بالظبط.. تجيب المحامي بتاعك، وتتنازل لي عن نصيبك في شقة البندر دي بالكامل كتعويض عن الخمس سنين والبهدلة، وتدفع تمن وصولات الأمانة كاش قدام عمي.. وإلا، التسجيل ده هيكون على جروبات المنطقة وعلى تليفون العريس الجديد بتاع منة قبل ما الساعتين يخلصوا!”

أحمد مكدبش خبر، وفي أقل من ساعة كان المحامي بتاعه جاي وهو وشه في الأرض، وتمت كتابة عقود التنازل عن الشقة وبيعها ليا، ودفع أحمد كل القرش اللي حيلته من شقاه وتحويشة عمره عشان يشتري سكوتنا.

### الخروج الأخير

أخدت العقود والفلوس، وحطيتهم في شنطتي بكل ثقة. وقفت عند باب الشقة المطفية، وبصيت لحماتي ولأحمد ومنة للمرة الأخيرة.. كانوا قاعدين في الصالة الفاضية على البلاط، مكسورين، ضايعين، والغل بياكل في قلوبهم بس مش قادرين ينطقوا بحرف.

وقفت وقولت لهم بصوت هز المكان:

– “البيت ده أنا اللي كنت منوراه بأصلي وخدمتي ليكم.. ودلوقتي سيبتكم للضلمة والخراب اللي بتستحقوه.. فلوسكم وشقتكم بقت ملكي، وسركم معايا زي السكينة على رقبتكم.. أي حركة كده ولا كده، الفضيحة جاهزة.”

خرجت من باب العمارة وأنا حاسة إني ملكت الدنيا.. عمي عبد الحميد طبطب على كتفي وقال لي: “عافارم عليكي يا بنت أخويا.. رفعتي راسنا وأخدتي حقك بدماغك وعقلك.”

رجعت البلد وأنا ندى تانية خالص.. الست اللي الكل بيعمل لها ألف حساب. فتحت مشغلي، والشقة بتاعة البندر أجرتها بمبلغ كبير بقيت أصرف منه على نفسي وعلى مشروعي، وعشت في وسط أهلي معززة مكرمة.

لكن الأيام لسه مخبية مفاجأة.. بعد شهرين بالظبط من طلاقي، جالي خبر من البندر عن أحمد وحماتي.. خبر صدم المنطقة كلها، وخلى الكل يعرف إن ربنا مبيسيبش حق حد، واللي حصل لهم كان أغرب من الخيال!

 

## الجزء الثامن وقبل الأخير

الشقة بتاعة البندر اللي بقت ملكي أجرتها لعريس جديد بمبلغ محترم، والمشغل بتاعي في البلد بقا يكبر يوم عن يوم، وبنات القرية بقوا يلاقوا فيه لقمة عيش كريمة. كنت فاكرة إن صفحتي مع عيلة عمران اتقفلت تماماً والسكينة سرقتني في نجاحي، لحد ما في يوم، وأنا قاعدة مع عمي عبد الحميد بنشرب شاي العصر في حوش البيت، دخل علينا المحامي بتاعي وهو ماسك جورنال وشه فيه علامات الذهول.

المحامي قعد وقال بنفس مقطوع:

– “يا ست ندى.. يا حاج عبد الحميد.. الحقوا، البندر كله مقلوب، وعيلة عمران مابقاش ليها وجود خلاص!”

### نهاية الطمع والغل

عدلت قعدتي وقلبي دق بسرعة وقولت له:

– “في إيه يا أستاذ؟ إيه اللي حصل لأحمد وأمه؟”

المحامي حط الجورنال قدامنا وكمل كلامه:

– “أحمد بعد ما اتهزم قدامكم وخسر الشقة وتحويشة عمره، الغل عماه تماماً.. وبدل ما يفوق لنفسه ويصلح حاله، أمه ‘الحاجة صفية’ وزّته إنه يدخل في سباق تجاري مع ناس حيتان في البندر عشان يعوض خسارته بسرعة ويرد اعتباره.. أحمد استلف فلوس من طوب الأرض، وكتب على نفسه شيكات وكمبيالات بالملايين، ودخل في صفقة أجهزة كهربائية مغشوشة وهو مش فاهم فيها حاجة.. والنتيجة؟ البضاعة اتمسكت، وأحمد اتنصب عليه في كل قرش!”

عمي عبد الحميد هز رأسه وقال بأسى:

– “الطمع قل ما جمع.. والظلم آخره خراب.. وكمل يا ابني، إيه اللي جرى بعد كدا؟”

المحامي قال:

– “أصحاب الشيكات ميرحموش.. رفعوا عليه قضايا، والبوليس هجم على الشقة اللي كانوا مأجرينها وقبضوا على أحمد وهو هربان فوق السطوح وسط فضيحة جيرانه كلهم! أحمد دلوقتي أخد حكم بسبع سنين سجن مشدد، ومسجون في سجن عمومي.. أما الحاجة صفية، فمن الصدمة والخزي، ومنظر ابنها وهو بيتسحب بالكلابشات قدام المنطقة، جات لها الجلطة الحقيقية المرة دي.. وشللها بقا كامل، ومبقتش تنطق بكلمة واحدة، وقاعدة في أوضة ضلمة لا حيلة لها ولا قوة.”

### ذنب البشر

سكت تماماً.. مكنتش شمتانة، بس كنت حاسة بعدل ربنا وهو بيتحقق في الدنيا قبل الآخرة. الست اللي رمت أكل عيشي في الزبالة وعايرتني بأصلي، بقت مش قادرة ترفع لقمة بوقها لنفسها. والراجل اللي استقوى عليا وظلمني خمس سنين وخاف من الفضيحة ثانية واحدة، بقى لابس البدلة الزرقا ومقضي شبابه ورا القضبان والكل بيتكلم عن خيبته.

سألت المحامي:

– “ومنة؟ منة أخت أحمد راحت فين وسط المعمعة دي؟”

المحامي اتنهد وقال:

– “منة بعد سجن أخوها وفضيحة أمها، العريس الجديد طبعاً هرب ومبقاش حد يعتب بابهم. البنت لقت نفسها بطولها، مفيش معاها مليم يصرف على علاج أمها المشلولة ولا على مأكلهم، وسابوا البندر خالص بعد ما وبشهم بقى في الأرض، وسمعت إنها نزلت تشتري طلبات وتشتغل في البيوت عشان تلاقي اللقمة!”

### المواجهة الأخيرة خلف القضبان

رغم إن حقي رجع وزيادة، كان جوايا إحساس إني لازم أحط نقطة النهاية بنفسي في كتاب عيلة عمران. بعد أسبوع، أخدت تصريح زيارة وسافرت السجن العمومي.

وقفت ورا السلك الحديد، وبعد دقائق ظهر أحمد.. مكنش لابس الهدوم المتبهدلة بتاعة زمان، ده كان لابس بدلة السجن الزرقا، شعره محلوق ميري، وشه باهت وعيونه مكسورة ومطفية تماماً. أول ما شافني واقفة بكامل أناقتي وقوتي، مسك في السلك ودموعه نزلت زي المطر:

– “ندى! أنتِ جيتي؟ جيتي عشان تشمتي فيا يا ندى؟”

بصيت له بكل هدوء ونبرة صوتي كانت خالية من أي غضب أو شماتة، وقولت له:

– “أنا عمري ما كنت شمتانة يا أحمد، ولا جيت عشان أشوف كسرتك.. أنا جيت عشان أديك الأمانة دي.”

طلعت من شنطتي المغلف الكبير القديم.. المغلف اللي كان فيه شهادة ميلاد أم صفية وعقود “المعلم مبروك الصياد”.. وحطيتها للعسكري يوصلها له.

أحمد بص للمغلف بذهول وقال:

– “أنتِ بترجعي لي الورق؟ بعد كل اللي حصل؟”

قولت له وأنا بأداري ظهري وماشية:

– “الورق ده مابقاش ليه لازمة معايا، لأن سركم مابقاش سر، وربنا فضحكم بعدله.. أنا جيت أقول لك إني مسامحاك في حقي الشخصي عشان مش عايزة يربطني بيك ولا بعيلتك أي حبل يوم القيامة.. سيبتكم لعدالة السماء، وهي قامت بالواجب.”

سبته واقف يبكي ويصرخ ورا السلك وينادي على اسمي، وخرجت لبوابة السجن الكبيرة، الهوا برا كان طعمه حرية وانتصار حقيقي.

لكن الحكاية مخلصتش مع خروجي من السجن.. لما رجعت البلد في نفس الليلة، لقيت عمي عبد الحميد مستنيني على الباب ومعاه مفاجأة تانية خالص، مفاجأة هتبدأ بيها صفحة جديدة تماماً في حياتي.. صفحة “الجزء التاسع والأخير”!

 

## الجزء التاسع والأخير: ثمرة الصبر والحكمة

لما رجعت البلد في نفس الليلة، ودخلت من بوابة بيت أبويا الكبيير، لقيت الحوش منور والضحكة مالية المكان. عمي عبد الحميد كان قاعد وفي إيده دفتر حسابات المشغل، وجنب منه مهندس شاب من أصل طيب ومن عيلة معروفة بالجدعنة والأصول في البلد، اسمه “كريم”. كريم كان شغال في مشروع تطوير كبير في المركز، وطالب يد المحامي بتاعي عشان يوصل لعمي ويطلب إيدي.

عمي عبد الحميد بص لي وعينه مليانة فخر وقال بصوت جهوري مريح:

– “تعالي يا بنت أخويا.. تعالي يا ست البنات. الباشمهندس كريم جاي بيوت الأصول من بابها، مش طمعان في ورث ولا شقة، طمعان في الست المأصلة اللي بمليون راجل، الست اللي صانت نفسها وأخدت حقها بدماغها وعقلها.”

كريم وقف وبص لي بكل احترام وتقدير وقال:

– “الست ندى.. أنا بقالي شهرين بتابع نجاحك وكفاحك مع بنات البلد، وبسمع عن أصلك وطيبتك في كل مكان. أنا يشرفني ويسعدني إني أشاركك حياتك الجاية، وتكوني ملكة في بيتي، وليكي مطلق الحرية في شغلك وكيانك.”

في اللحظة دي، حسيت إن ربنا بيعوضني عن كل ثانية قهر عشتها. وافقت وأنا مطمنة، وبدأت أجهز لحياتي الجديدة، حياة مبنية على الاحترام المتبادل والتقدير اللي بيستحقه كل إنسان أصيل.

### نهاية القصة والعدالة الإلهية

تمت خطوبتي وجوازي من كريم في حفل بهيج حضره كل أهل البلد، وعشت معاه في هدوء واستقرار وعوض ملوش مثيل. أما عيلة عمران، فبقت سيرة من الماضي، عبرة لكل من يعتبر في البندر والبلد.

أحمد بقا يقضي أيامه ورا القضبان يندب حظه وغباءه، ومنة بقت تلف على البيوت عشان تخدم وتوفر تمن دواء أمها المشلولة صفية، اللي بقت عايشة بجسد بلا روح، تفتكر ماضيها اللي استعرت منه وحاضرها اللي اتهد بسبب طمعها وظلمها.

### الحكمة من الحكاية

خرجت من الخمس سنين دول، ومن الحكاية دي كلها، بحكم غالية سطرها الزمان بدموعي وصبري، وأحب أقولها لكل واحدة بتمر بنفس ظروفي:

* **الأصل والكرامة خط أحمر:** البيوت لا تُبنى على حساب كرامة المرأة وإهانتها. الصبر على الشريك واجب، لكن الصبر على الإهانة والذل والنكران هوان لا يرتضيه الله.

* **عقد النقص تُدمر أصحابها:** الشخص اللي بيعايرك بأصلك أو بظروفك، غالباً بيكون جواه نقص وخوف دافنه وبيتدارى وراه بالمظاهر الفشنك، والزمن كفيل يشيل القناع.

* **الحق لا يضيع ومعه مُطالب:** القوة مش بالصوت العالي ولا بقلة الأدب. أنا أخدت حقي بالقانون، وبالعقل، وبأهلي (السند الحقيقي)، ومن غير ما أغلط أو أخرج عن حدود الأصول.

* **الدنيا دوارة والظلم ظلمات:** اللي يرمي أكل عيش غيره في الزبالة ويستقوي بفلوسه ومنظره، هييجي عليه يوم يتمنى اللقمة وميلاقيهاش. عدالة السماء بطيئة لكنها حتمية ومبترحم الظالمين.

* **العوض بييجي لما تقفلي الباب القديم:** لو كنت وافقت أرجع لأحمد وأرضى بالذل تاني، عمري ما كنت هفتح مشغلي ولا كنت هقابل كريم اللي عرف قيمتي. اقفلي باب الوجع عشان ربنا يفتح لك باب العوض.

**تمت بحمد الله.**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *