انا و زوجي حكايات رومانى مكرم 2
سرت برودة كالثلج في عروق مريم. كانت القشة الأخيرة التي تسندها قد تحطمت تماماً. لم تكن الصدمة في خيانة حناتها أو مخططاتها الدنيئة، بل كانت في صوت أحمد… نبرته الباردة، استسلامه، والتواطؤ الخفي الذي جعل سنوات حبهما ودعواتهما مجرد هباء.
تراجعت خطوتين إلى الخلف بأقدام ثقيلة لا تكاد تحملها. فتحت باب الشقة وأغلقته بصوت مرتفع عمداً ليوحي بإنها دخلت للتو.
خرج أحمد من الغرفة متفاجئاً، وعلى وجهه قناع من الوجوم والحزن المزيف. وراءه خرجت والدته بابتسامة متكلفة محاولة إخفاء ارتباكها.
قال أحمد بنبرة متعبة:
“مريم؟ كنتِ فين من الصبح؟ دورنا عليكِ.”
نظرَت إليه مريم بثبات غريب. انطفأت في عينيها كل علامات الضعف، وحلت محلها نظرة حادة جعلت أحمد يتراجع بقدمه للوراء دون أن يدري.
قالت بصوت هادئ جداً، لكنه يحمل وزناً ينذر بالعاصفة:
“كنت عند الدكتور يا أحمد… برجع التحاليل الأخيرة.”
ارتبكت الأم، وتقدمت خطوة وقالت بسرعة:
“تحاليل إيه تاني يا حبيبتي؟ الدكتور قال كل حاجة خلصت، وإحنا لازم نرضى بقضاء الله ونفكر في اللي جاي…”
التفتت مريم إليها، وبنبرة قاطعة ردت:
“فعلاً يا طنط… إحنا لازم نفكر في اللي جاي، وفي كل أسبوع كنتِ بتسقيني فيه العصير بيدك وتقوليلي دي فيتامينات.”
شحب وجه الأم فوراً، وتلعثمت:
“إيه… إنتِ بتقولي إيه يا بت إنتِ؟”
أخرجت مريم من حقيبتها الملف الطبي الكامل، ومعه التقرير الجديد المقترن بتوقيع الدكتور سامر ودكتورة الجينات، وألقت به على الطاولة أمام أحمد.
قالت مريم بمرارة:
“افتيلك الملف يا أحمد… شوف التزوير اللي اتعمل في تقارير المعمل، شوف المواد اللي كانت بتدخل جسمي عشان تهبط التبويض وتنزل التحليل لصفر… شوف أمك كانت بتعمل إيه من وراك، وشوف إنت كنت بتجهز أوراق المأذون إزاي من ورايا!”
اتسعت عينا أحمد بصدمة حقيقية وهو ينظر بين التقارير الطبية وبين وجه أمه الذي يكسوه الرعب. مسك الملف بيدين ترتجفان وبدأ يقرأ الأرقام المطبوعة والتأكيدات الطبية الموثقة من المعمل الرئيسي للمستشفى.
صرخ أحمد بصوت هز أركان المنزل وهو ينظر لوالدته:
“إيه الكلام ده يا أمي؟! إيه التحاليل دي؟! يعني مريم سليمة؟ يعني التقرير الأخير ده كان مزور؟!”
صدمت الأم لدقيقة، لكنها سرعان ما تداركت موقفها وحاولت الموازنة، فصرخت في مريم بغل:
“بتتبلي عليا يا مريم؟! عشان خايفة أحمد يتجوز عليكِ طالعة تكدبي وتدبري تهم؟ إنتِ اللي ما بتخلفيش! إنتِ العاقر اللي ضيعت أحلى سنين من عمر ابني!”
ردت مريم بثقة زلزلت المكان:
“المعمل فتح تحقيق رسمي يا طنط، والنيابة هتوصل للموظف اللي قبض عشان يزور النسخة الأخيرة من تقاريري… والأدلة كلها هناك. إحنا مش في كلام مصاطب، إحنا قدام تقارير جينات ونسب.”
التفتت مريم إلى أحمد، الذي سقط على الكرسي وجثا على ركبتيه ينظر للتقارير بذهول لا يصدق، ودموعه بدأت تنزل بانهيار:
“مريم… أنا… أنا والله ما كنت أعرف موضوع الأدوية والتزوير… أنا أمي قالتلي إنك خلاص مش متحملة وعايزة تطلقي لو أنا اتجوزت، وكانت بتضغط عليا أجهز ورق جوازي التاني عشان أ لحق أعمل بيت…”
قاطعه صوت مريم الجاف، الخالي من أي عاطفة:
“مش مهم كنت تعرف ولا لأ يا أحمد… المهم إنك لما سمعت أهانتك ليا وصمتك قدام أمك، لما سمعتك بلسانك بتسأل عن ورق المأذون عشان تحطني قدام الأمر الواقع… وقتها بس عرفت إن السنين اللي ضاعت مش عشان ما فيش خلفة… السنين ضاعت عشان أنا كنت متمسكة بشخص ما يستاهلش أكون أمه لأولاده.”
مسكت مريم حقيبة يدها، ولم تتعب نفسها حتى بجمع ملابسها.
تقدم أحمد ونزل عند قدميها يبكي بحرقة:
“سامحيني يا مريم… أرجوكِ بلاش تضيعي بيتنا! إحنا هنعالج كل حاجة، هنبدأ من جديد، والله العظيم هحاسب أي حد آذاكِ حتى لو كانت أمي!”
نظرت مريم إليه من الأعلى، بعينين خاليين تماماً من أي حب قديم، وقالت جملتها الأخيرة بكل شموخ:
“البيت ضاع من اللحظة اللي خنت فيها ثقتي وسكت يا أحمد… الحمل كان ممكن يحصل، بس الأمل فيك هو اللي استحال.”
سحبت يدها من بين يديه، وفتحت الباب وخرجت إلى الشارع، تشتنشق الهواء النقي لأول مرة منذ خمس سنوات، وهي تعلم أن الفصل الأخير من حياتها لم يبدأ بعد… بل سيبدأ الآن بشروطها هي فقط.
نزلت مريم درج العمارة بخطوات ثابتة، بينما كان صوت أحمد وهو يصرخ باسمها يتردد في البناية كلها. كانت كل خطوة تبتعد بها عن ذلك الباب تبدو وكأنها تزيح جبالاً كانت جاثمة على صدرها لخمس سنوات كاملة.
خرجت إلى الشارع، واستنشقت هواء الصباح لأول مرة برئة مختلفة… لم تعد مريم المكسورة التي تنتظر رحمة الأطباء أو شفقة العائلة، بل امرأة استردت كرامتها وحقيقتها.
أوقفت سيارة أجرة وتوجهت مباشرة إلى منزل والدها.
عندما فتح والدها الباب ورأى وجهها الشاحب وعينيها اللتين تحملان قراراً لا رجعة فيه، لم يسألها عن شيء. احتضنها بقوة وقال كلمة واحدة:
“حقك راجع يا بنتي… والبيت ده بيتك.”
في تلك الأثناء، كان المنزل الذي غادرته مريم يشتعل كالهشيم.
جلس أحمد في الصالة وسط ذهول تام، والأوراق الطبية الموثقة بين يديه. كان يقرأ كلمة كلمة، وكأن التقرير خنجر يغرس في قلبه. التفت إلى والدته التي كانت تقف مرتبكة تحاول تجميع شتات نفسها.
قال أحمد بصوت خافض يخفي خلفه غضباً كالسيل:
“ليـه يا أمي؟… ليه تعملي كدة؟”
صرخت أمه محاولة الدفاع عن نفسها:
“أنا عملت كدة عشان مصلحتك! البنت دي كانت واخدة عقلك، وخمس سنين بتضيع من عمرك على الفاضي! الدكاترة كانوا بيضحكوا عليكوا وياخدوا فلوسك، وأنا كان لازم أتصرف عشان أمتلك حفيد يحمل اسمك واسم أبوه قبل ما أموت!”
وقف أحمد فجأة وضرب بيده على الطاولة بقوة جعلت الأم تتراجع للخلف برعب:
“مصلحتي؟! مصلحتي إنك تدنسي ذمتك وتزوري تقارير طبية؟! مصلحتي إنك تسممي مراتي بأدوية تهبط التبويض وتدمر جسمها ونفسيتها؟! إنتِ عارفة مريم كانت بتبكي إزاي كل ليلة؟ عارفة كانت بتستحمل الألم والعمليات إزاي عشان تجيبلي عيل؟!”
غرق أحمد في دموعه وقال بصوت يمزقه الندم:
“أنا اللي غبي… أنا اللي سمعت كلامك وسبتك تسيبي في مخي إن مريم هي السبب، وسكت لما أهنتيها قدامي… أنا دمرت بيتي بإيدي!”
ترك المنزل وخرج يركض في الشوارع كالمجنون، يحاول الوصول إلى مريم، لكن هاتفها كان مغلقاً تماماً في وجهه.
مر أسبوعان…
كانت مريم خلالهما قد بدأت خطواتها الرسمية والطبية بثبات.
بمساعدة الدكتور سامر والدكتورة نهى، تم رفع تقرير مفصل إلى نقابة الأطباء وللنيابة العامة بشأن التلاعب بالتقارير الطبية وإصدار نتائج مزورة من المعمل الخارجي. تبين خلال التحقيقات أن والدة أحمد استغلت معارف قديمة لها في أحد المعامل الخاصة لتدفع رشوة لموظف مقابل تعديل نتائج العينات وإرسالها باسم المركز، مما وضع الأم والموظف تحت المقاضاة القانونية الرسمية.
أما من الناحية الصحية، فقد بدأت مريم برنامجاً علاجياً بسيطاً جداً لتنظيف جسمها من الآثار الكيمياوية الضارة للأدوية التي كانت تتناولها دون علمها.
في أحد الأيام، وأثناء وجود مريم في عيادة الدكتورة نهى لمتابعة الفحوصات المعتادة، نظرت الطبيبة إلى شاشة السونار باهتمام بالغ، ثم ابتسمت ابتسامة عريضة وقالت:
“سبحان الله يا مريم… سُبحان مَن أمره بين الكاف والنون.”
تجمعت الدموع في عيني مريم وقالت بلهفة وتردد:
“في إيه يا دكتورة؟ خير؟”
قالت الدكتورة وهي تدير الشاشة نحو مريم:
“الجسم لما اتخلص من الأدوية المهبطة، والضغط النفسي الرهيب اللي كنتِ عايشة فيه اختفى… الرحم رجع لنشاطه الطبيعي بسرعة غير متوقعة. مريم… التبويض المرة دي ممتاز، وفي استجابة طبيعية 100%، وكل اللي بنحتاجه دلوقتي مجرد متابعة بسيطة بدون أي تدخل جراحي ولا حقن مجهري تاني!”
بكت مريم، لكنها لم تكن دموع حزن… كانت دموع راحة وشكر لله الذي أظهر حقها.
وفي نفس الليلة…
جاء أحمد إلى منزل والد مريم. كان منظره يرثى له؛ شاحب الوجه، نحيل الجسد، وعيناه ممتلئتان بالندم والتوسل.
جلس أمام والد مريم ومريم تجلس على الكرسي المقابل بكل ثبات ورزانة.
قال أحمد وهو يبكي بحرقة ويده ترتجف:
“مريم… أنا طردت الموظف وعرفت كل الحقائق والقض*ية شغال فيها القانون… أمي أخطأت خطأ عمرها وأنا مش ببرر لها، بس أنا والله العظيم كنت أعمى ومخدوع! أنا بحبك يا مريم، وما أقدرش أعيش من غيرك… أرجوكِ ارجعيلي وخلينَا نبدأ من جديد، الدكاترة قالوا إن الأمل موجود ورجع، نفتح صفحة جديدة ونعمل بيتنا من أول وجديد!”
نظرت مريم إلى أحمد طويلاً. رأت في عينيه الندم والانكسار، لكنها رأت أيضاً الشك والضعف الذي أظهرته الأيام.
قالت مريم بصوت هادئ، حاسم، وقاطع:
“الأمل في الخلفية يا أحمد طلع موجود فعلاً… والدكاترة أكدولي إن جسمي معافى تماماً وبخير.”
اتسعت عينا أحمد بلهفة وشعاع من الأمل المفاجئ:
“جد بجد يا مريم؟! الحمد لله يا رب! الحمد لله… يعني نرجع؟”
ابتسمت مريم ابتسامة هادئة وقالت الجملة التي جمدت الدماء في عروقه:
“الخلفة أملها رجع… بس أملي فيك أنت هو اللي مات وما لوش علاج يا أحمد. اللي يسكت على إهانة مراته، واللي يوافق يتجوز عليها لمجرد إنها ‘تعبت’ من التحاليل، ما ينفعش يكون أب لأولادي.”
أخرجت مريم ورقة مطبوعة من حقيبتها ووضعتها على الطاولة أمامه.
كانت ورقة دعوى طلاق للضرر، مرفقاً بها كل التقارير والتحقيقات الرسمية.
وقفت مريم واستدارت لتدخل غرفتها، وقبل أن تغلق الباب التفتت إليه وقالت:
“المرة الجاية اللي هشوفك فيها يا أحمد… هتبقى عند المأذون، بس عشان ننهي اللي كان، مش عشان نرجع.”
أُغلق الباب بألم في وجه أحمد، وظل واقفاً في الصالة ينظر إلى ورقة دعوى الطلاق الممددة أمامه. كانت الحقيقة أشد إيلاماً من الفراق نفسه؛ لقد اكتشف أن الخسارة لم تكن مجرد عدم إنجاب طفل، بل كانت خسارة لكرامته وللمرأة الوحيدة التي أحبته بصدق وحاربت لأجله لخمس سنوات.
مرت الأيام وسارت الإجراءات القانونية بسرعة. لم يُبدِ أحمد أي مقاومة أمام القضاء؛ كان يستشعر ذنبه ويعلم أن أي محاولة للوقوف أمام مريم ستزيد من حقده في قلبها.
وفي صباح يوم مشهود… تقابلا عند المأذون.
كانت مريم ترتدي ثوباً هادئاً، وعلى وجهها سكينة ورضا لم ترهما منذ سنوات طويلة. أما أحمد فكان يبدو كمن كَبُر عشر سنوات في بضعة أسابيع.
وقّع الطرفان على أوراق الطلاق. وعندما انتهى المأذون ودعا لهما بالتوفيق في حياتهما القادمة، وقف أحمد والتفت إلى مريم بصوت خافض ومليء بالحشرجة:
“سامحيني يا مريم… أنا عارف إن كلمة سامحيني مش كفاية، بس والله ما بتمنى لك في الدنيا دي غير كل خير وربنا يعوضك عن كل لحظة وجع شفتيها معايا.”
نظرت إليه مريم بثبات، ورغبت في أن تترك خلفها أي شائبة من الكراهية أو الانتقام، فقالت بنبرة هادئة ورزينة:
“أنا سامحتك يا أحمد عشان أعيش بقلب صافي ميهوش غل، مش عشان أديك فرصة تانية. بتمنى لك أنت كمان تراجع نفسك وتعرف إن البيوت بتتبنى على الحماية والأمان مش على السكوت والتفريط.”
انسحبت مريم بخطوات واثقة، تاركة خلفها حقبة كاملة من حياتها، مستعدة لاستقبال القادم بنفس متطلعة وأمل لا يحده شيء.
مرت سنة كاملة…
خلال هذه السنة، تغيرت حياة مريم جذرياً. انغدقت في عملها وحياتها الاجتماعية، واستعادت صحتها وروحها المشرقة. كانت تعلم أن الله يعوّض العباد على قدر صبرهم وثباتهم.
في أحد الأيام، وبعد أن استقرت حياتها تماماً، تقدم لخطبتها رجل صالح يعمل مهندساً يُدعى “طارق”، كان رجلاً خلوقاً، يدرك قيمتها ويحترم ماضيها ويُقدر قوتها. لم يتردد والدها في مباركة هذه الزيجة بعد أن رأى شهامة الرجل وصدقه.
وعلى الجانب الآخر، كانت والدة أحمد قد نالت عقابها القانوني بالتغريم والشرط الجزائي عن التلاعب بالتقارير والمشاركة في الإضرار بسلامة مريم الجسدية، إلى جانب العزلة والتجاهل الذي فرضه عليها أحمد الذي عاش عزباً يق*تله الندم في شقته الباردة.
وبعد أشهر قليلة من زواج مريم من طارق…
كانت مريم تقف في نفس العيادة، ولكن هذه المرة ليس برفقة ملفات تحاليل مزورة أو دموع انكسار، بل برفقة يدٍ حنونة تمسك بيديها بقوة وأمان.
ابتسمت الدكتورة نهى وهي تنظر إلى شاشة السونار، ثم التفتت إلى مريم وطارق وقالت بصوت مبهج:
“مبروك يا مريم… مبروك يا بشمهندس طارق، ضربات القلب واضحة جداً.. أنتِ حامل في الشهر التاني، وكل الأمور ممتازة بفضل الله.”
انسكبت دموع مريم، لكنها كانت دموع الفرح والامتنان لله. نظرت إلى زوجها الذي غمرته السعادة وقبل رأسها بحب واحترام أمام الجميع.
في تلك اللحظة، أدركت مريم الجملة التي قالها لها الطبيب قديماً بنظرة مختلفة تماماً:
لم تكن المشكلة يوماً في قدرتها على الإنجاب، ولم تكن العقبة في جسدها… بل كان الله يؤجل رزقها ويدخر طفلها ليكون في بيتٍ ملؤه الأمان، ومع رجلٍ يعرف كيف يحمي زوجته ويكون لها سنداً حقيقياً.
ابتسمت مريم من قلبها وهي تضع يدها على بطنها، وتأكدت أن النهاية لم تكن أبداً خسارة… بل كانت بداية أجمل بكثير مما كانت تتخيل.
