أنا مطلقة حكايات رومانى مكرم 3

تسارعت دقات قلبي، ونظرت إلى طارق بذعر. تعالت الطرقات على الباب من جديد، وكانت أعنف هذه المرة، وكأن من يقف بالخارج لا يريد مجرد الدخول، بل يريد اقتلاع الباب ومن فيه.

أشار لي طارق بيده أن أهدأ، وقال بصوت منخفض حازم:

*”هند، ادخلي جوه عند الأولاد، ومش عايزك تخرجي مهما حصل بره. أنا اللي هقابلهم”*

أومأت برأسي ممتثلة لطلبه، ودخلت مسرعة إلى غرفة الصغار. نظرت إلى “عمر” و”ندى” و”ياسين” المستغرقين في نوم ملائكي لا يدرون شيئاً عن العواصف التي تدور حولهم، وجلست بجانبهم أستمع إلى ما يحدث في الصالة وقلبي يكاد يقفز من صدري.

سمعت صوت فتح الباب، ثم اندفاع خطوات ثقيلة وصياح غاضب. كان هذا صوت “محمود”، شقيق طارق الأكبر، يصرخ بنبرة مليئة بالاستنكار:

*”أنت اتجننت يا طارق؟ اللي سمعناه من حماتك ده حقيقي؟ لحقت؟ هالة ملحقتش تكمل سنة في تربتها، تروح تتجوز أختها؟! هي دي الأمانة؟”*

وجاء صوت عم أولاد هالة، “الحاج رأفت”، يكمل بغلظة:

*”إحنا جينا ناخد ولاد أخونا يا طارق.. مش هنسيب لحمنا يتربى في بيت دخلته واحدة مكان أختها بالسرعة دي. الناس بتاكل وشنا بره، وبيقولوا إنكم كنتم على علاقة من زمان! إحنا مش هنشيل العار ده”*

رد طارق بصوت جهوري وثابت، حاول فيه تملك أعصابه قدر الإمكان:

*”يا جماعة صلوات النبي في قلبكم واسمعوني.. مفيش عار ومفيش خيانة. أنا اتجوزت هند عشان هي أحن واحدة على ولاد أختها، وعشان طليقها كان جاي ياخد ابنها ويحرمها منه. الجواز ده حمى ياسين، وهيحمي ولاد هالة من إنهم يتربوا مع واحدة غريبة لو أنا اتجوزت بره العيلة!”*

زعق محمود مقاطعاً:

*”متحوراش يا طارق! حماية إيه وكلام فارغ إيه؟ أنت كسرت الأصول، وخليت سيرتنا على كل لسان. حماتك نفسها مكسورة ومش قادرة تبص في وش حد! الجوازة دي مش هتم، ولو مأطلقتش هند دلوقتي، ولاد هالة مش هيقعدوا معاك ثانية واحدة، وهنرفع عليك ق*ضية ضم حضانة لأم هالة أو لينا إحنا”*

أمام تهديد طارق بأولاده، شعرت أنني لا يمكنني الاختباء أكثر من ذلك. لم أعد تلك المرأة المستسلمة التي ترتعد خوفاً. فتحت باب الغرفة وخرجت بخطوات ثابتة إلى الصالة.

وقفت أمامهم، ونظرات الذهول والاشمئزاز تصوب نحوي من محمود والحاج رأفت. نظرت إليهم وقلت بنبرة قوية واضحة:

*”أنا مخدتش مكان أختي.. ولا عمري هكون مكانها. أنا هنا خالة لولادها، وأم لياسين. لو كنتم خايفين على كلام الناس، فالناس بتتكلم في كل الأحوال. طارق محتاج اللي يشيل معاه الحمل، والأولاد محتاجين أم.. وأنا أولى بيهم من أي غريبة. مش هسمح لكم تهدوا البيت ده”*

بصق الحاج رأفت على الأرض بغضب وقال:

*”أنتِ بالذات تسكتي خالص! حسابك مع أهلك.. وإحنا كلامنا مع الراجل”*

ثم التفت إلى طارق وقال قاطعاً:

*”قدامك 24 ساعة يا طارق.. يا تطلقها وترجع لوعيك، يا إما بكره الصبح المحامي بتاعنا هيتحرك، وهتشوف ولادك دول في قاعة المحكمة.. اختار يا ابن أبويا، يا مرأتك الجديدة.. يا ولاد هالة”*

خرجوا وصوت إغلاق الباب خلفهم ترك خلفه صمتاً مرعباً.

التفتُّ إلى طارق، وجدته قد انهار على المقعد، ووضع رأسه بين يديه يتنفس بتسارع. اقتربت منه ودموعي تنهمر:

*”طارق.. أنا السبب. أنا اللي بوظت حياتك وحياة ولادك”*

رفع رأسه ونظر إليّ بعيون حمراء متعبة، لكنها مليئة بحب حزين:

*”أنتِ ملقيش ذنب يا هند.. أنا اللي مش هتحمل يخطفوا ولادي مني. هالة أمانتها في رقبتي”*

في تلك اللحظة، رن هاتف طارق برقم غريب. مسح وجهه وأجاب بنبرة مجهدة: *”ألو؟”*

لكن ملامحه تغيرت فجأة، وتحولت من التعب إلى الرعب الخالص. وقف فجأة وهو يصرخ في الهاتف:

*”أنت بتقول إيه؟! فين؟ إزاي ده حصل؟!”*

سقط الهاتف من يد طارق على السجادة، ونظر إليّ بوجه شاحب كالموتى، وقال بصوت يرتجف كلياً:

*”أحمد.. طليقك.. راح المدرسة وأخد ياسين بالقوة، ومحدش عارف مكانهم دلوقتي!”*

*حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو صفحه

وقعت الكلمات على مسامعي كقذيفة مدمرة نسفت ما تبقى من ثباتي. شعرت بروحي تُسحب مني، وأظلمت الدنيا في عيني لثوانٍ تمنيت فيها أن الأرض تنشق وتبتلعني قبل أن أسمع هذه الفاجعة. “ياسين!”.. ابني، قطعة من قلبي، والحصن الذي دمرت حياتي وضحيت بكل شيء لأجل بقائه في حضني، أصبح الآن في يد جلادي.

صرخت بهستيريا وأنا أهز طارق من كتفيه:

“أنت بتقول إيه؟! ياسين فين؟ أحمد خده إزاي؟! المدرسة سابوه إزاي؟! طارق اتصرف.. ابني هيضيع مني!”

التقط طارق الهاتف بسرعة وهو يحاول التماسك رغم الرعب البادي في عينيه، وبدأ يجري اتصالات سريعة بمديرة المدرسة وببعض معارفه في الشرطة. تبين أن أحمد استغل وجود ثغرة قانونية، وبصفتة الأب، وبمساعدة ولاية تعليمية كان قد استصدرها في خضم المشاكل القديمة ولم تلغَ، استطاع أخذ الولد بحجة أنه سينقله إلى مدرسة أخرى، وسط ذهول إدارة المدرسة التي لم تستطع منعه قانوناً.

لم أنتظر ثانية واحدة؛ جرت نحو الباب كالمجنونة، وطارق يحاول الإمساك بي:

“هند.. استني! رايحة فين في الحالة دي؟ مش هتعرفي تعملي حاجة لوحدك، أحمد قفل تلفونه وتلفون محاميه، ومش في بيته القديم!”

صرخت في وجهه بدموع حارقة:

“مش هقعد هنا وأنا ابني مخطوف! هروح له بيته، هروح لأهله، هقلب الدنيا لغاية ما ألاقيه! لو حصل لياسين حاجة أنا هموت نفسي يا طارق!”

ركبنا السيارة وانطلق طارق بأقصى سرعة نحو شقة أحمد القديمة، وطوال الطريق كنت ألتفت يميناً ويساراً في الشوارع وكأنني سألمح ابني في زحام السيارات. وصلنا إلى البناية، وصعدت السلالم ركضاً، وظللت أطرق باب شقته بعنف أحدث ضجة في المبنى كله، لكن دون جدوى.. الشقة كانت خاوية تماماً، والجيران أكدوا أنه لم يأتِ إلى هنا منذ أيام.

انهارت قواي تماماً، وارتميت على الأرض أمام باب الشقة المغلق، أجهش بالبكاء وأنا أردد اسم ابني بحرقة غسلت وجهي بالدموع. اقترب مني طارق، وجلس بجانبي على ركبتيه، ولف ذراعيه حولي محاولاً مواساتي وصوته يرتجف:

“وعد مني يا هند.. وحياة هالة في تربتها، وحياة ولادي، ما هسيب أحمد ياخد ياسين، هجيبهولك لو كان في بطن الأرض.. بس قومي معايا دلوقتي لازم نتحرك بشكل قانوني وبسرعة قبل ما يهرب بيه بره المحافظة.”

في تلك اللحظة، رن هاتفي برقم غير مسجل. خطفته بسرعة وصحت بلهفة: “ياسين؟!”

لكن الصوت الذي جاءني كان صوت أمي.. كان صوتها مليئاً بالندم والكسرة، وهي تبكي بنشيج مسموع:

“هند.. سامحيني يا بنتي.. أنا السبب.. أنا اللي دللت أحمد على مكان مدرسة ياسين الصبح عشان ألاوي ذراعك وتطلقي طارق، مكنتش أعرف إنه بالندالة دي وهيحرمك منه ويخطفه.. أنا بموت يا هند، أحمد كلمني دلوقتي وقال لي إنه هياخد ياسين ويسافر بيه بره البلد ومحدش هيشوفه تاني لو طارق مطلّقكيش وحق أختك رجع!”

سقطت الهاتف من يدي للمرة الثانية، لكن هذه المرة لم يكن الرعب هو ما يتملكني، بل تحول الخوف إلى طاقة غضب واندفاع لا حدود لهما. نظرت إلى طارق وعيناي تلمعان بنظرة حاسمة وقاتلة، وقلت بصوت جاف خاوٍ من أي مشاعر:

“أحمد مش عايز الحضانة يا طارق.. أحمد بيساومنا بدم ابني.. عايز يكسرك ويكسرني، وعايز جنازة أختي هالة تفضل ممدودة بيننا.. مفيش وقت للمحاكم ولا للشرطة.. إحنا لازم نوصل له قبل ما يوصل للمطار، وأنا عرفت هو مستخبي فين!”

وقفت بقوة، واندفعت نحو السلالم، بينما كان طارق يتبعني بذهول وقلق وهو يرى في عيني تحولاً مرعباً لامرأة مستعدة لحرق الأخضر واليابس لإنقاذ طفلها.

اندفعتُ نحو السيارة والشرر يتطاير من عيني، وطارق خلفي لا يكاد يلاحق خطواتي. ركبتُ وقلت له بصوت حازم كالرصاص:

*”على المزرعة القديمة بتاعة أبوه في طريق بلبيس.. أحمد ملوش مكان تاني يستخبى فيه ومحدش يعرفه غيري، كان دايماً بيقول لي إن المكان ده أمانه لما الدنيا تضيق بيه”*.

انطلق طارق بالسيارة بسرعة جنونية، يلتهم الطريق الصحراوي التهاماً. كانت دقات ساعتي تبدو وكأنها تعد أنفاسي الأخيرة، وصوت أخي الصغير “ياسين” يتردد في أذني مستغيثاً. طوال الطريق، كان طارق يضغط على عجلة القيادة بقوة حتى ابيضّت مفاصله، ونظر إليّ قائلاً:

*”هند.. مهما حصل جوه، أنا معاكي.. مش هسيب ابننا يضيع”*. لم تكن كلمة “ابننا” عابرة؛ شعرتُ في تلك اللحظة أن الأقدار ربطت مصائرنا جميعاً برباط لا يمكن الفكاك منه.

بعد ساعة من التوتر القاتل، لاحت من بعيد أسوار المزرعة المهجورة. أطفأ طارق مصابيح السيارة واقتربنا بهدوء. ترجلنا وتسللنا عبر البوابة الحديدية شبه المفتوحة، حتى وصلنا إلى مبنى صغير ينبعث منه ضوء خافت. ومن خلف النافذة المكسورة، رأيت المشهد الذي مزق نياط قلبي: ياسين يجلس على مقعد خشبي يبكي بصمت مروع، وأحمد يقف أمامه ممسكاً بهاتفه، يصرخ بغضب في محاميه مستعجلاً أوراق السفر.

لم أتمالك نفسي، دفعتُ الباب بكل ما أوتيت من قوة واقتحمتُ الغرفة صارخة: *”ياسـيـن!”*.

ارتمى ابني في أحضاني وهو يصرخ: *”ماما! كنت عارف إنك هتيجي!”*. احتضنته بقوة وكأنني أحاول إدخاله بين ضلوعي.

انتفض أحمد بذعر، وتراجع للخلف يصيح: *”أنتِ جيتي هنا إزاي؟! وازاي تجرؤوا تدخلوا عليا كدة؟”*.

في تلك اللحظة، تقدم طارق بخطوات ثابتة ووقف حائلاً بيني وبين أحمد، ونظر إليه بعينين تشتعلان غضباً وقال بصوت منخفض مرعب:

*”اللعبة انتهت يا أحمد.. سلم الولد بالذوق، واحمد ربنا إني مبلّغتش الشرطة بتهمة خطف لغاية دلوقتي”*.

ضحك أحمد بهستيرية وأخرج من جيبه سكيناً صغيراً، وصرخ وعلامات الجنون تكسو وجهه:

*”مش هتمشوا بالولد! أنت خدت كل حاجة يا طارق.. خدت مراتي القديمة، وعايز تاخد برستيجي قدام الناس؟ الجوازة دي لازم تتهد! يا تطلقها حالا وتمضي على إقرار بإن العقد تزوير، يا إما هخلص عليكم كلكم هنا ومحدش هيعرف لكم طريق!”*.

كان المشهد على حافة الهاوية. لكن فجأة، وبحركة سريعة ومباغتة، هجم طارق على أحمد ليجرده من الس*لاح. دارت بينهما معركة عنيفة، سقطت فيها الطاولة وتحطم المقعد الخشبي. كنت أضم ياسين إلى صدري وأبكي برعب، حتى تمكن طارق بقوته وجسده الرياضي من تثبيت أحمد أرضاً وشل حركته تماماً، وألقى بالسكين بعيداً.

وفي نفس اللحظة، اقتحمت المكان قوات الشرطة ومعهم شقيق طارق “محمود” وأمي!

تبين أن طارق، بذكائه، كان قد أرسل إحداثيات الموقع لأخيه محمود أثناء الطريق ليبلغ الشرطة فوراً. اندفعت أمي نحوي وهي تبكي بحرقة، وارتمت على قدميّ تطلب السماح: *”سامحيني يا بنتي.. بغبائي وخوفي من كلام الناس كنت هضيع ضناكي.. سامحيني!”*.

نظرتُ إليها، ورغم كل الوجع، احتضنتها.. فالأم تظل أماً مهما أخطأت.

تم القبض على أحمد بتهمة الخطف والتهديد بالس*لاح، وانتهى كابوسه إلى الأبد بعد أن وقّع في النيابة على تنازل نهائي ودائم عن الحضانة مقابل إسقاط بعض التهم الجنائية عنه.

### ## بعد مرور عام..

نجلس جميعاً في حديقة المنزل. “ياسين” يلعب بالكرة مع “عمر”، و”ندى” الصغيرة تجلس في حجري وأنا أصفف لها شعرها. طارق يجلس بجانبي، يتأمل الأطفال بابتسامة هادئة غابت عن وجهه لسنوات. وأمي تجلس في المواجهة، تدعو لنا بالبركة والستر، بعد أن استوعبت العائلة كلها أن البيوت لا تُبنى بآراء الناس، بل بالرحمة والأمان.

التفتُّ إلى طارق وقلت له بهمس: *”تفتكر هالة زعلانة مننا؟”*.

أمسك يدي بحنو وقال: *”لأ يا هند.. هالة في مكان أحسن، وأكيد مرتاحة وهي شايفاكي بتصوني سرها، وبتحمي ولادها اللي هما ولادك.. إحنا مخلقناش الظروف يا هند، بس الظروف هي اللي اختارتنا نكون لبعض عشان نرمم اللي انكسر”*.

### ### الحكمة من القصة:

> **إن البيوت والقلوب لا تُقاس بنظرة المجتمع وصخب الألسنة، بل تقاس بمقدار الأمان والرحمة التي ننشدها تحت سقفها. في كثير من الأحيان، يضعنا القدر فى اختبارات قاسية تبدو في ظاهرها خطأً أو خروجاً عن المألوف، لكنها في باطنها تكون طوق النجاة الوحيد لأرواح أضناها الفقد والانكسار. التضحية الحقيقية ليست في الاستسلام لكلام الناس، بل في الشجاعة لحماية من نحب، وإعادة بناء الحياة من وسط الركام.. فالأصل في العلاقات الإنسانية هو صون الأمانة، وليس إرضاء البشر.**

> حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *