حكايات اسما السيد 4

تسارعت دقات قلبي، ونظرتُ إلى أمي وأختي بنظرات تحمل رعبًا لم أعشه من قبل. تراجعنا جميعًا نحو الممر المؤدي لغرفة “ليان”، وجرس الباب لا يزال يرن بإصرار وقوة. هل يعقل أن يكون الحاج عبد الجليل قد وصل إلينا بهذه السرعة؟

أمسكتُ بهاتفي وأنا أرتجف، وهمستُ لأختي:

— لو حد حاول يكسر الباب، اطلبي الشرطة فورًا.

اقتربتُ من الباب بخطوات تكاد لا تلمس الأرض، ونظرتُ عبر العين السحرية. انقبض صدري ثم انفرج فجأة وخرجت تنهيدة طويلة من أعماقي.. لم يكن خلف الباب رجال الحاج عبد الجليل، بل كان أحمد.

فتحتُ الباب بسرعة وأدخلته وأغلقتُ الأقفال خلفه. كان أحمد في حالة يرثى لها؛ وجهه شاحب، وعيناه حمراوان، وملابسه مجعدة، وبمجرد أن دخل سقط على ركبتيه في الصالة وهو يبكي وينتحب كالأطفال.

رأت أمي حالته فشفقت عليه رغم كل شيء، وقالت:

— جرى إيه يا ابني؟ استهدى بالله، إيه اللي جابك بالشكل ده؟

وقف أحمد ونظر إليّ والدموع تغرق وجهه، وقال بنبرة ممتلئة بالندم والخزي:

— سارة.. أنا جيت عشان أسلمك نفسي.. وجيت أحميكِ أنتِ وبنتي.. أنا سبت المستشفى وجريت لما عرفت إن عمي باعت ناس عند بيتنا.. أنا مش هسمح لأي حد يمسكم بسوء، لو عمي عايز يقتل أو يؤذي، يؤذيني أنا.. أنا اللي استاهل بسبب ضعفي.

نظرتُ إليه بهدوء، ورغم كل الغضب الذي كان في قلبي اتجاهه، إلا أن رؤيته ينتفض لأول مرة لحمايتنا جعلتني أشعر أن هناك أملًا. قلت له بحسم:

— اهدأ يا أحمد.. البكاء مش هيحل حاجة.. عمك فاكر إننا في زاوية ميتة، وفاكر إن الصعيد ملوش حكم هنا في القاهرة.. هو هددك بالرجال والبلطجة لأنه خايف.. والخايف هو اللي بيبدأ بالهجوم.

في تلك اللحظة، رن هاتفي.. كان المستشار القانوني الكبير “سيادة اللواء عادل”، وهو صديق مقرب لمدير البنك ورجل ذو نفوذ وعلاقات واسعة في وزارة الداخلية. رددتُ عليه فورًا، وشرحتُ له الموقف بالكامل؛ من تزوير الأوراق، إلى عقود الأرض المنهوبة، وصولاً إلى التهديد المباشر ورجال الحاج عبد الجليل الواقفين تحت شقتي في مدينة نصر.

استمع إليّ سيادة اللواء بهدوء شديد، ثم قال بنبرة واثقة أثلجت صدري:

— يا مدام سارة، القوانين في البلد دي مبتحميش المزورين والمبتزين.. الحاج عبد الجليل فاكر نفسه فوق القانون.. اديني عناوين الشقة بالظبط، واسم عم أحمد بالكامل.. وخلال ساعة واحدة، الأمور كلها هتتغير.

بالفعل، أعطيته كافة التفاصيل. مرّت ساعة من الترقب الخانق، كنا نجلس فيها جميعًا في الصالة دون أن ننطق بكلمة.. أحمد كان يمسك برأسه، وأنا كنت أحتضن “ليان” التي استيقظت ونظرت إلى والدها باستغراب، لكنها عندما رأته يبكي، اقتربت منه ببراءة ومسحت دموعه بيدها الصغيرة.. هنا انهار أحمد تمامًا واحتضنها وظل يعتذر لها بحرقة: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا حبيبتي”.

بعد مرور ساعتين، رن هاتف أحمد.. كان المتصل هو البواب في شقة مدينة نصر. فتح أحمد الخط وتشغيل السماعة الخارجية، فجاءنا صوت البواب متهللًا:

— يا أحمد بيه! الحق.. الشرطة جات هنا فجأة ولمت كل الرجال الغُرب اللي كانوا واقفين تحت العمارة بجلابيبهم وسياراتهم.. أخدوهم كلهم في بوكس الشرطة، والظابط سأل عن مدام سارة وقالي أبلغكم إن المكان بقا أمان تمامًا!

لم نكد نستوعب الخبر حتى رن هاتف أحمد مجددًا.. والمفاجأة هذه المرة أن المتصل كان “الحاج عبد الجليل” نفسه من البلد!

أجاب أحمد بنبرة قوية لم يعهدها عمه من قبل:

— أيوة يا عمي.

جاءنا صوت العم عبر الهاتف، لكنه لم يكن جهوريًا ولا مهددًا.. كان صوته يرتجف، مكسورًا ومذعورًا للغاية، وقال بنبرة استعطاف ذليلة:

— أحمد.. يا ابني.. كلم مرتك الله يرضى عليك خليها تسحب البلاغ.. الشرطة هنا في البلد قلبت الدوار، وقبضوا على الموظف بتاع السجل المدني اللي زور شهادة ميلاد محمود، والمباحث واقفه على بابي دلوقتي وعايزين ياخدوني.. أنا راجل كبير في السن ومش حمل سجون وفضايح وسط البلاد.. الأرض بتاعتكم هكتبها باسمك وباسم بنتك من بكرة الصبح، وريع السنين اللي فاتت كله هيرجع لكم قرش صاغ.. بس حِلوا عني وخليها توقف اللي بيحصل ده!

نظرتُ إلى أحمد، وأشرت له بيدي الرفض التام. فهم أحمد إشارتي، وقال لعمه بلهجة حاسمة قطعت عهد العبودية والخوف:

— لا يا عمي.. اللي يهدد مراتي وبنتي في بيتي ملوش عندي خاطر.. القانون هو اللي بيننا، والورق اللي مع سارة مش هيتسحب.. اشرب من الكأس اللي سقيتنا منه سنين.

وأغلق أحمد الخط في وجه عمه.. لتنتهي أسطورة الطاغية الكبير في لمح البصر ويساق إلى السجن بتهم التزوير والتهديد والابتزاز.

انتهى كل شيء.. سقطت الأقنعة وتهاوت العائلة التي بنت حياتها على الأكاذيب والظلم..

الحاجة زينب، بقيت في المستشفى عاجزة، مشلولة الجسد واللسان، تنتظر نقلها إلى شقة الإسكندرية لتقضي ما تبقى من عمرها تحت رعاية ممرضة، أسيرة الصمت الذي فرضه القدر عليها جزاءً لما اقترفته يداها ولسانها في حق طفلة بريئة.

محمود، أخذته خالته ليعيش معها، بعد أن تبين أن أمه الحقيقية في البلد قد تبرأت منه تمامًا باعترافات عم أحمد في التحقيقات، وأصبح للولد الصغير نصيب قانوني في شقة الإسكندرية يعيش من ريعها، بعيدًا عن حياتنا إلى الأبد.

أما أنا وأحمد..

فقد وقفتُ أمامه في صباح اليوم التالي في شقتي بمدينة نصر، بعد أن عادت الحياة إلى مجراها وأصبحت الشقة آمنة. كان أحمد ينظر إليّ برجاء حار ألا أخرب البيت، لكنني كنت قد اتخذت قراري.

وضعتُ ورقة الطلاق أمامه وقلت له بهدوء وثقة:

— أحمد.. أنت انفتحت عينك وعرفت الحق، ووقفت في وش عمك عشان تحمينا.. وده خلانى أحترمك كإنسان.. لكن كرجل وزوج، الحبل اللي اتنقطع بنا صعب يرجع.. الطلاق هيتم بالمعروف، وليان هتفضل في حضني، وأنت ليك كامل الحق تشوفها وتراعيها.. الأرض والفلوس اللي هترجع من عمك هتبقى مأمنة مستقبلك ومستقبل بنتك.. لكن أنا، محتاجة أبدأ حياتي من جديد، بعيد عن أي ذكريات تربطني بالماضي.

وقع أحمد على الورقة وعيناه تملأها الدموع، لكنه كان يعلم أن هذا هو الثمن العادل لسنوات صمته وتقصيره.

حملتُ “ليان” في حضني، ونظرتُ من الشباك إلى شمس القاهرة المشرقة.. غسلت دموع ابنتي كل الأوجاع، واقتلعت العاصفة كل الأكاذيب، وخرجتُ من هذه المعركة منتصرة.. رفعت رأسي عاليًا وأنا أعلم أن الحق قد عاد لأصحابه، وأن كرامة ابنتي كانت الخط الأحمر الذي هدم عائلة بأكملها لتولد من جديد حياة نظيفة، نقية، وخالية من الزيف.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *