من أول يوم حكايات رومانى مكرم 3
## الجزء الخامس: ثغرة الليل المظلم
تلفون المحامي في نص الليل كان زي صفارة إنذار بتعلن عن حريقة جديدة. قعدت على السرير، والنوم طار من عيني، وصوت المحامي الأستاذ “رفعت” جاي من السماع مخنوق وفي غاية القلق:
> “الحق يا مصطفى بيه.. أنا كنت بقارن صورة الحكم بدفاتر الحالات بتاعة المستشفى الخاص اللي زوروا فيها نسب سليم، ولقيت كارثة.. المحامي بتاع الدكتور المرتشي لقط ثغرة قانونية في بطلان إجراءات التفتيش والقبض، وكمان في تناقض بين تاريخ تقرير الداية وتاريخ دخول الواد للحضانة! الثغرة دي لو اتقدمت في محكمة النقض، ممكن تقلب الترابيزة، والحكم يتخفف أو القض..ية تعاد من الأول والمجرمين يخرجوا بكفالة!”
>
الدم غلي في عروقي، ومسكت التلفون بعصبية: *”يعني إيه يا متر؟! يعني بعد ما شقوا بطن مراتي ورموها في الكراكيب، يخرجوا بسب غلطة في ورق أو إجراءات؟! أنا مش هسكت، ولو القانون مجابش حقي، أنا هاخد حق مراتي وعيالي بإيدي!”*.
المحامي حاول يهديني: *”اهدأ بس يا مصطفى، إحنا قدامنا 60 يوم على ما مذكرة النقض تتقدم. أنا بكلمك عشان نتحرك ونقفل الثغرة دي بورق رسمي وضغط من النيابة قبل ما يفوت الأوان”*.
قفلت السكة وأنا بنهج، وبصيت جمبي لقيت ياسمين صاحية، وعيونها مليانة رعب. كانت سامعة كل كلمة، وجسمها بدأ يتنفض تاني وكأنها رجعت لأوضة الكراكيب: *”هما هيخرجوا يا مصطفى؟ أمك وأختك هيجوا ياخدوا سليم مني تاني؟! أنا مش هقعد هنا، أنا عايزة أمشي.. عايزة أهرب!”*.
### هروب تحت جنح الظلام
الخوف كان أسرع مننا. مبقتش ضامن أي حاجة، ومستحيل أخاطر بـ ياسمين وسليم لثانية واحدة. في نفس الليلة، ل ميت هدومنا وحاجتنا الأساسية، وخدت مراتي وابني وفي الفجر كنا سايبين الشقة الإيجار، وطلعنا على القاهرة.
حجزت شقة مفروشة في حي هادي بعيد عن العيون، وغيرت أرقام تلفوناتي كلها، ومبقاش حد يعرف طريقي غير المحامي بتاعي بس. كنت بنزل الصبح أخلص ورق سفرنا بره مصر.. كنت بـسابق الزمن عشان أعمل لـ سليم جواز سفر، وأقفل عقد الشغل بتاعي بره عشان أرجع أهججهم معايا لبلد تانية، بلد مفيهاش ريحة الغدر اللي شفناه.
لكن الكابوس مسبناش في حالنا..
وفي يوم وأنا راجع من مجمع التحرير بعد ما خلصت شهادة ميلاد سليم المميكنة، لقيت تلفوني الجديد بيرن.. رقم غريب. فتحت الخط وجاءني صوت راجل غليظ ونبرته كلها تهديد:
> “يا مصطفى بيه.. إنت فاكر لما تستخبى في المحروسة مش هنعرف طريقك؟ أنا (حسين) جوز شيرين أختك.. أختك اللي اترميت في السجن بسبك، وبيتي اتخرب والناس بتاكل وشي في البلد. اسمعني كويس.. المحامين شغالين على النقض، وأمك وأختك هيخرجوا.. لو ملمتش الدور، وتنازلت عن الحق المدني وعملت تصالح في النيابة عن قض..ية الخطف، مش هتشوف ابنك سليم تاني.. إحنا عارفين مكان الشقة المفروشة حتة حتة!”
>
### في عين العاصفة
النفس انقطع من صدري، والتفتّ حواليا في الشارع كأني بدور على حد بيراقبني. صرخت في التلفون كالمجنون: *”ورب العزة يا حسين، لو لمحت طرفك أو طرف أي حد تبعك جمب الشقة، هكون شارب من دمكم.. إنتوا مفيكمش راجل، وأختك مجرمة وأمك أفعى!”*.
قفل السكة في وشي وهو بيضحك ضحكة خبيثة. جريت على الشقة زي المجنون، طلعت السلم تلات درجات في تلاتة. فتحت الباب وأنا بنهج وصوت ضربات قلبي مسموع.
دخلت الصالة.. ولقيت المنظر اللي خل الرعب يضرب نفوخي!
باب البلكونة كان مفتوح على آخره والستارة بتطير مع الهواء.. والسرير بتاع سليم الصغير كان فاضي! الألعاب بتاعته مرمية على الأرض، وياسمين مش موجودة في الصالة ولا في المطبخ!
صرخت بأعلى صوتي: *”ياسمين!! سليم!! إنتوا فين؟!”*
محدش رد.. ركبتي خانتني ووقعت في الأرض، وحسيت إن الدنيا بتسود في عيني. هل حسين وجوز أمي نفذوا تهديدهم وخطفوا ابني ومراتي في غيابي؟ ولا الثغرة القانونية خلتهم يتحركوا أسرع مننا؟
وفجأة.. سمعت صوت خروشة ضعيفة جاي من ورا دولاب أوضة النوم، وصوت ياسمين وهي بتكتم عياطها وبتقول برعب: *”مصطفى.. ده إنت؟”*
جريت على الأوضة، ولقيت ياسمين مستخبية في الفراغ اللي ورا الدولاب، وقافلة بإيدها على بق سليم وهو بيعيط مكتوم، وجسمها كله بيلتعش من الرعب.. بصتلي وعيونها مبرقة من الصدمة وقالتلي:
> “في حد خبط على الباب بقوة وكان بيحاول يكسر الكالون من شوية يا مصطفى.. ولما مشيوا، رموا الورقة دي من تحت الباب!”
>
خدت الورقة منها وأنا إيدي بترتعش، وفتحتها.. كان مكتوب فيها جملة واحدة بالدم: **(القصاص لسه مخلصش.. والنقض مقبول.. والواد هيرجع لأصحابه)**.
يا ترى مين اللي كان بيحاول يكسر الباب؟ وهل فعلاً محكمة النقض هتقبل الطعن وتخرج الأفاعي من السجن؟ وإيه السر الكبير اللي المحامي اكتشفه في ورق المستشفى والداية، وممكن يقلب القض..ية لـ جح..يم ملوش آخر؟
**#الكاتب_رومانى_مكرم**
## الجزء السادس: خيوط اللعبة الأخيرة
الورقة اللي كانت في إيدي ومكتوبة بالدم كانت بترعش زي ورقة شجر في عاصفة. الكلام كان صريح ومفيش فيه هزار: *(النقض مقبول.. والواد هيرجع لأصحابه)*. بصيت لـ ياسمين وهي منهارة في الأرض وحاضنة سليم كأنها بتدخله جوه ضلوعها، وفي اللحظة دي اتخذت قراري اللي مفيش فيه رجعة: الكابوس ده لازم ينتهي فوراً، واللعب بقا على المكشوف.
شيلت ياسمين وابني، ونزلت بيهم في نفس الساعة. مأقعدناش دقيقة واحدة في الشقة المفروشة اللي اتكشفت. رحت بيهم على مكان مستحيل يخطر على بال حسين أو أي حد من طرف أهلي.. رحت لـ بيت واحد صاحبي من أيام الغربة، راجل بـ ميت راجل، أمنّته على مراتي وابني وقفل عليهم بيته في منطقة عسكرية مؤمنة تماماً بالقاهرة.
نزلت وأنا عيني وسط رأسي، وطلعت جري على مكتب الأستاذ رفعت المحامي. دخلت عليه المكتب من غير ما أخبط، حطيت الورقة اللي مكتوبة بالدم على مكتبه وقولتله وعروق رقبتي هتطق:
> “اسمعني كويس يا متر.. اللعب بقا في العرض وفي ابني. التهديد وصلي لحد باب بيتي، وجوز شيرين بيهددني بعيني عياناً. قولي حالا.. إيه حكاية الثغرة دي؟ ومين اللي مصلحته يخرج الدكتور والداية وأمي وأختي من السجن؟!”
>
الأستاذ رفعت عدل نظارته، وشه كان شاحب، وطلع ملف سري من الدرج وقالي بصوت واطي:
> “اقعد يا مصطفى وافهمني. الثغرة مش جاية من فراغ.. أنا لما حفرت ورا المستشفى الخاص والدكتور المرتشي، اكتشفت إن الدكتور ده مش شغال لوحده. الدكتور ده واجهة لـ شبكة كبيرة جداً لـ تجارة الأعضاء وسرقة الأجنة وبيعها للعائلات العقيمة بره وجوه مصر بـ ملايين! والشبكة دي وراها حيتان كبار، هما اللي بيدفعوا للمحامين الغاليين عشان يطلعوا الدكتور والداية براءة بالثغرة الإجرائية دي.. لأن الدكتور لو اتكلم، هيجر معاه أسماء هتهز البلد!”
>
### الفخ المنصوب
الكلام وقع عليا كأنه صاعقة. يعني أمي وأختي من غلهم وعماهم، رمو مراتي في السكة دي؟ اتعاملوا مع شبكة مافيا وهما مش دريانين عشان بس ينتقموا مني ومن ياسمين؟!
المحامي كمل كلامه وقال: *”حسين جوز أختك مجرد أداة في إيدهم.. هما بيستغلوه عشان يضغط عليك تتنازل وتتصالح، لأن تصالحك إنت وياسمين في قض..ية خطف الطفل وسر..قته، هيضعف الق…ضية تماماً ويهدم ركن الجناية، وبكده الشبكة كلها تخرج براءة في النقض!”*
وقفت على حيلي وقولتله: *”طب والعمل؟ إحنا هنقعد نتفرج لحد ما النقض يتقبل؟”*
المحامي ابتسم ابتسامة ثقة وقالي: *”لأ.. هما فاكرين إنهم أذكياء، بس هما وقعوا في شر أعمالهم. أنا بلغت المحامي العام بالتهديدات وبملف الشبكة اللي جمعته. والنيابة العامة بالتنسيق مع الأمن الوطني حطوا خطة.. إحنا هنسايرهم يا مصطفى. هتقابل حسين جوز أختك، وتوهمه إنك مرعوب وموافق على التنازل مقابل إنه يسيبك في حالك، والمقابلة دي هتكون الكمين اللي هيقضي على الشبكة دي من الجذور!”*
### المواجهة في وكر الذئاب
اتصلت بـ حسين.. أول ما سمع صوتي ضحك بـ غل: *”أهو كده يا ابن حمايا.. جيت للحق. عرفت إن الله حق وإننا نقدر نوصلك؟”*
قولتله بنبرة مكسورة ومصطنعة: *”خلاص يا حسين.. أنا شاري نفسي ومراتي وابني. أنا موافق أتنازل عن القض..ية وأعمل تصالح في النيابة، بس عايز ضمانات إن محدش يتعرض لي.. وعايز أشوف المحامي الكبير اللي شغال في النقض عشان أضمن إن اسمي واسم مراتي ميتبهدلش في المحاكم”*.
حسين بلع الطعم وهو مش دريان، وحدد لي المعاد في نفس اليوم بالليل، في مكتب مهجور على أطراف الجيزة، وقالي: *”تيجي لوحدك يا مصطفى.. لو لمحت سرينة عربية شرطة، اعتبر إن حياتك وحياة عيلتك انتهت”*.
وصلت المكان في الميعاد.. المنطقة كانت مقطوعة وضلمة. دخلت المكتب المهجور، لقيت حسين قاعد ومعاه راجل شيك جداً لابس بدلة غالية (المحامي بتاع الشبكة)، وجنبهم اثنين رجالة بـ بنيان قوي وحراسة.
حسين بصلي بسخرية وقال: *”نورت يا بطل.. الورق جاهز اهو، هتمضي هنا إنت وياسمين على إقرار التصالح والتنازل الموثق”*.
بصيت للمحامي الشيك وقلتله: *”وإنت بقا اللي هتخرج الدكتور والداية بالثغرة؟”*
المحامي ضحك بـ ثقة وغرور: *”القانون ده لعبة في إيد اللي يفهمه يا دكتور مصطفى.. الإجراءات عندنا باطلة، والورق اللي معانا يخرج من المشنقة.. امضي وخلص نفسك بدل ما تدفن هنا”*.
في اللحظة دي، طلعت ضحكة قوية من قلبي.. ضحكة خلت حسين والمحامي يتفاجئوا ويبصوا لبعض بقلق. رجعت خطوتين لورا وقولت لهم: *”فعلاً.. القانون لعبة، بس في إيد رجال العدالة اللي بجد.. مش المرتشين!”*
وفجأة.. الباب اتكسر بـ دفعة واحدة، وقوات العمليات الخاصة والشرطة السريين ملوا المكان في ثواني، وصوت الظابط زلزل الحيطان: **”اثبت مكانك منك ليه! المكان كله محاصر!”**
### سقوط الأقنعة
حسين وقع في الأرض من الصدمة وهو بيبول على نفسه من الخوف، والمحامي الشيك تكلبش في ثواني، والشرطة حرزت شنطة مستندات كانت معاه فيها أسماء تانية وبلاوي تخص شبكة تجارة الأجنة والأعضاء!
الظابط قرب مني وطبطب على كتفي: *”برافو يا مصطفى بيه.. بمساعدتك لينا، قفلنا أكبر وكر للجري..مة المنظمة في مصر، وبكده مذكرات النقض بتاعتهم بقت حبر على ورق، وحكم المؤبد على أمك وأختك مفيش قاضي في مصر هيغيره بعد الأدلة الجديدة دي”*.
حسين وهو بيتسحل على السلم بصلي وهو بيعيط: *”ارحمني يا مصطفى! أنا ماليش دعوة.. هما اللي هددوني بـ شيرين أختك!”*.. مردتش عليه، وسبته يواجه مصيره الأسود ورا القضبان مع الباقيين.
### الهدوء قبل العاصفة الأخيرة
رجعت لـ مراتي وابني.. حضنتهم وأنا دموعي نازلة من الفرحة والنصر. خلاص، الحيتان الكبار سقطوا، وحسين وجوز أختي وباقي العصابة اتلحقوا بـ أمي وأختي في السجون، ومبقاش في أي خطر قانوني أو تهديد يقدر يمسنا.
جهزنا ورق السفر، وحجزت تذاكر الطيران خلاص بره مصر.. السفر بعد يومين بالظبط. كنا بنقفل الشنط وياسمين بتضحك لأول مرة من قلبها وسليم في حضنها.. وفجأة، تليفوني رن تاني..
المرة دي المتصل كان مأمور سجن النساء بـ القناطر! فتحت الخط وأنا مستغرب، فـ لقيت المأمور بيقولي بنبرة حزينة وفيها صدمة:
> “البقاء لله يا مصطفى بيه.. والدتك المتهمة (فايزة) اتعرضت لـ أزمة قلبية حادة جوه الزنزانة بعد ما عرفت بـ سقوط الشبكة وفشل النقض.. وهي في أنفاسها الأخيرة في مستشفى السجن وطالبة تشوفك إنت ومراتها ياسمين حالا قبل ما تقابل ربنا.. بتقول عندها سر خطير لازم تقوله لياسمين بالذات وتطلب منها السماح.. وبتقول لو مجيتوش، هتموت وهي شايلة ذنب هيدمركم كلكم!”
>
الدنيا لفت بيا.. أمي بتموت وعايزة ياسمين بالذات؟ وإيه السر الخطير اللي ممكن تقوله واحدة على فراش الموت وهي ورا القضبان؟ هل هروح أنا وياسمين، ولا هنسيبها لمصيرها ونسافر؟ وإيه المفاجأة المدوية اللي مستنيانا في مستشفى السجن في الجزء الأخير؟
**#الكاتب_رومانى_مكرم**
## الجزء السابع والأخير: الوداع الأخير وحكمة الزمان
الخط قطع، وساد صمت رهيب في الأوضة. تذاكر الطيران على السرير، الشنط مقفولة، والحرية كانت على بُعد خطوتين.. بس مكالمة مأمور السجن رجعتنا لنقطة الصفر. بصيت لـ ياسمين، ولقيت في عينيها صراع مرير.. صراع بين الضحية اللي انقهرت واتعذبت، وبين قلبها الطيب اللي ميعرفش القسوة.
ياسمين نزلت سليم في سريره، وقربت مني، حطت إيدها على كتفي وقالت بصوت هادي ومجروح:
> “لازم نروح يا مصطفى.. دي مهما كان أمك، والي بيموت بيبقى بين إيدين ربنا، ومينفعش نرفض طلب حد في أنفاسه الأخيرة، خصوصاً لو طالب السماح.”
>
بست رأس ياسمين وأنا مش مصدق حجم الطهر والنقاء اللي في قلبها.. الست اللي أهلي شقوا بطنها وعذبوها، هي اللي بتفكرني ببر أمي وهي بتموت.
### في مستشفى السجن.. ليلة غسيل القلوب
وصلنا مستشفى سجن النساء بالقناطر وسط حراسة مشددة. الأجواء كانت كئيبة، وريحة المطهرات والموت مالية المكان. المأمور استقبلنا وبص لـ ياسمين باحترام شديد، ودخلنا الأوضة.
على السرير.. كانت واقفة “فايزة” اللي كانت في يوم من الأيام بتهز البيت بكلمتها. الوش اللي كان كله جبروت وغطرسة بقا دبلان، أصفر، وشفايفها بتتحرك بصعوبة، ومتوصلة بأجهزة تنفس. أول ما شافت ياسمين، دموعها نزلت على مخادتها، وحاولت ترفع إيدها المرتعشة عشان تمسك إيد ياسمين.
ياسمين قربت منها وقعدت جمبها، ومسكت إيدها. أمي بدأت تتكلم بصوت حشرجة الموت، والندم بياكل في نبرتها:
> “سامحيني يا ياسمين.. أنا الشيطان عمالي عيني، الغيرة والغل والجهل عموني.. كنت فاكرة إني بحمي بنتي وبيتي، ومكنتش أعرف إني برمي نفسي وبنتي في جهنم.. سامحيني يا بنتي عشان ربنا يقبل توبتي.”
>
ياسمين بكت وقالت لها: *”مسامحاكي يا طنط.. ربنا يغفر لك ويسامحك.. أنا مش شايلة في قلبي ليكي غير الدعاء بالرحمة”*.
أمي لفت وشها ليا، وقالتلي وهي بتنهج وأنفاسها بتتقل:
> “اسمعني يا مصطفى.. السر اللي عشت بيه ومحدش يعرفه غيري أنا وجوز أختك حسين.. الشقة بتاعتك اللي أنا قولتلكم إني بعت عفشها.. أنا مبعتش العفش كله.. الذهب القديم بتاعك، والقرشين اللي إنت كنت بتبعتهم لي عشان أكتب بيهم الشقة باسمي، ومعاهم عقود الأراضي القديمة بتاعة أبوك.. أنا كنت مخبياهم في الخزنة الحديد المدفونة تحت بلاط أوضة الكراكيب.. تحت المرتبة اللي ياسمين كانت تنام عليها بالظبط! أنا كنت فاكرة إني بحوشهم للزمن.. بس الزمن أهو دار واخدني ومخدتش معايا غير كفني.. خد الفلوس والذهب وعوض بيهم مراتك وابنك.. وابعد عن البلد دي يا ابني.. ابعد وعيشوا في سلام.”
>
أمي نطقت الكلمات دي، وبدأت تطلع في الروح.. المؤشرات بدأت تصفر، والدكاترة دخلوا جري.. سحبنا نفسنا وخرجنا، وفي الممر سمعنا صوت جهاز القلب وهو بيبشر بالخط المستقيم.. ماتت أمي، ومات معاها الجبروت والغل، وسابت وراها شيرين أختي بتواجه مصير المؤبد لوحدها ورا القضبان، نتاج تربيتها وغرسها الأسود.
### الحكمة من بين الأنقاض
بعد العزاء والدفن، رجعت أنا وياسمين لبيت العيلة للمرة الأخيرة. دخلنا أوضة الكراكيب.. شيلنا المرتبة القديمة، وحفرنا في البلاط لحد ما لقينا الخزنة الحديد. فتحتها.. ولقيت فيها كل الفلوس والذهب وعقود الأرض.
بصيت لـ ياسمين ولقيت الحكمة واضحة وضوح الشمس.. أمي كانت قاعدة فوق الكنز وفوق فلوس شقايا، وبتعذب مراتي عشان الفلوس، وفي الآخر سابت الكنز وراحت للقبر، والفلوس رجعت لـ ياسمين وابنها رغماً عن أنف الكل!
### شروق جديد
بعد أسبوع، كنا واقفين في مطار القاهرة الدولي.. أنا ماسك الشنط، وياسمين شايلا سليم اللي بقا صحته زي الفل ويضحك للدنيا. بصينا ورايا للمرة الأخيرة، ومسحنا كل ذكريات الألم والسواد.
ركبنا الطيارة.. وأول ما الطيارة اترفعت في السماء، ياسمين مسكت إيدي وقالتلي: *”عارف يا مصطفى.. أنا اتعلمت إيه من كل اللي عشته؟”*
قولتلها: *”إيه يا حبيبتي؟”*
قالتلي والحكمة مالية عيونها:
> “اتعلمت إن الظلم ليلته قصيرة مهما طالت، وإن ربنا لما بياخد الحق بياخده بـ عزته وجلاله.. واتعلمت إن الست الأصيلة بتصون جوزها وشقاه في غيابه، والراجل اللي بجد هو اللي يكون ضهر وسند لمراته وميرضاش بالظلم عليها حتى لو من أقرب الناس ليه.. الأهل سند لما بيعدلوا، بس الحق أحق أن يُتبع.”
>
بست إيدها وقولتلها: *”الحكاية بدأت بكابوس يا ياسمين.. بس النهاردة بتبدأ رواية حياتنا الحقيقية.. رواية عنوانها الحب، العدل، والرحمة”*.
سندت رأسها على كتفي، والطيارة شقت السحاب نحو بكرة الجديد.. بكرة اللي مفيش فيه غدر ولا وكر أفاعي.. بكرة اللي بنبنيه بـ عرقنا وبأصولنا الطيبة.
### 💡 الحكمة من القصة:
1. **الجزاء من جنس العمل:** من نزع الرحمة من قلبه من أجل المال والبنون، نزع الله منه حريته وحياته وسلبه كل شيء في لحظة.
2. **الرجل سند وعماد بيته:** الزواج ليس مجرد عقد، بل هو ميثاق غليظ؛ والزوج الحقيقي هو من يحمي بيته وعرضه ولا يقبل بالظلم لزوجته مهما كانت صلة القرابة مع الظالم.
3. **معدن بنت الأصول:** ياسمين رغم كل العذاب سامحت عند المقدرة وهي على فراش الموت، لأن الأصل الطيب لا يتغير بالظروف.
4. **الدنيا فانية:** المال والذهب والبيوع لا تنفع صاحبها إذا كانت مبنية على أنقاض دموع المظلومين، وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح.
**تمت بحمد الله**
**#الكاتب_رومانى_مكرم**
