القى زوجى2
لم تدرك هبة أن تهديدها كان المسمار الأخير في نعش علاقتي بتلك العائلة. أغلقت الخط وأنا أشعر بقوة غريبة تسري في عروقي، قوة لم أكن أعلم بوجودها وأنا أخضع لطلباتهم لسنوات.
التفتُّ إلى مدير البنك وقلت بنبرة حاسمة:
“أريد إيقاف كافة الخدمات الإلكترونية المرتبطة بهاتفي القديم، وتغيير كل كلمات المرور. وبناءً على التهديدات التي وصلتني، أريد تقديم بلاغ رسمي عن طريق المستشار القانوني للبنك بوجود محاولات استيلاء على أرصدتي.”
خرجت من البنك ومعي “كشف الحساب” اللعين. كان الورق في يدي أثقل من الجبال؛ مبالغ ضخمة حُولت تحت مسميات “عملية جراحية لوالدته”، “ديون متراكمة على المحل”، “مصاريف مدرسة سليم”.. وكلها كانت تصب في حساب واحد: حساب رأفت الشخصي، ومنه إلى حساب مكتب التشطيبات.
استأجرت سيارة خاصة، وانطلقت نحو الإسكندرية. طوال الطريق، كان سليم نائمًا على كتفي، وكنت أنا أخطط لكل خطوة. لم أعد تلك الزوجة المكسورة، بل أصبحت “أميرة” التي تدافع عن شرفها ومالها ومستقبل ابنها.
وصلت إلى بيت أمي في وقت متأخر. وجدت سيارة رأفت مركونة أمام الباب. قلبي انقبض، لكنني لم أتراجع. صعدت السلالم بخطوات ثابتة، وفتحت الباب بمفتاحي الخاص.
كان المشهد في الداخل يغلي.
رأفت يقف في منتصف الصالة يصرخ في وجه أمي، وهبة تفتش في أدراج المكتبة بحثًا عن أي شيء، وحماتي تجلس على الأريكة تندب حظ ابنها مع “زوجة ناشز” مثل أميرة.
ما إن دخلت حتى ساد الصمت.
نظر إليّ رأفت بغلّ واقترب مني: “أخيرًا جئتِ؟ أعطني سليم، ووقعي على هذه التنازلات عن الشقة والسيارة التي اشتريتها بمالي، وإلا لن تخرجي من هنا حية!”
ضحكت.. ضحكة عالية جعلت هبة تتوقف عن العبث بالأوراق.
قلت له: “مالك؟ أي مال يا رأفت؟ هل تقصد المال الذي سرقته مني طوال سنوات؟ أم تقصد الشقة التي كنت تشطبها لتتزوج فيها (العروس الجديدة)؟”
تغير لون وجهه، ونظرت هبة إلى الأرض بارتباك. أما حماتي فقالت بصوت مرتجف: “عن أي شقة تتحدثين؟ أنتِ تهذين!”
أخرجت كشف الحساب وألقيته في وجوههم:
“هذا كشف الحساب.. وهذه تسجيلات المكالمات التي هددتني فيها هبة بالاعتداء على أمي. والآن، وبما أننا في بيت والدي، وبما أنكم دخلتموه دون إذن وبدأتوا في ترهيب امرأة مسنة..”
أخرجت هاتفي وضغطت على زر الاتصال بالنجدة الذي كنت قد أعددته قبل دخولى.
“نعم.. أنا في العنوان (….)، هناك مجموعة من الأشخاص يحاولون اختطاف ابني وتهديد حياتي.”
جن جنون رأفت، وحاول الهجوم عليّ لانتزاع الهاتف، لكن صرخة أمي كانت أقوى: “توقف يا رأفت! الشرطة على الأبواب، والجيران جميعهم شهدوا على صراخك واقتحامك للبيت.”
في تلك اللحظة، شعرت حماتي بالخطر، فقالت لهبة بصوت خفيض: “لنرحل الآن، سنحل الأمر وديًا لاحقًا.”
لكنني وقفت أمام الباب ومنعتهم.
“لا.. لا يوجد (وديًا) بعد الآن. كوب الشاي الذي ألقيته في وجهي يا رأفت، حرق آخر خيط كان يربطني بك. واليوم، لن تخرج من هنا إلا إلى قسم الشرطة.”
سمعت صوت سرينة الشرطة تقترب.
نظر إليّ رأفت بنظرة انكسار حقيقية لأول مرة، قال بتوسل: “أميرة، فكري في سليم.. لا تجعلي والده يدخل السجن.”
انحنيت لمستوى سليم الذي استيقظ فزعًا، ثم نظرت إلى رأفت وقلت بجمود:
“سليم هو من سألني اليوم: (هل أبي لم يعد يحبك؟).. وأنا الآن أجيبه عمليًا: (أبوك لم يحب أحدًا سوى نفسه، ونحن لا مكان لنا في حياته).”
دخلت الشرطة، وبدأ الضابط في تدوين المحضر. تم اقتياد رأفت بتهمة التعدي والتهديد، وهبة بتهمة الشروع في السرقة والابتزاز.
وقفت في شرفة بيت أمي أراقبهم وهم يركبون سيارة الترحيلات. شعرت بنسمة هواء باردة من بحر الإسكندرية تمسح على جرح خدي.
لكن، وبينما كنت ألملم شتات نفسي، رن هاتفي مرة أخرى من رقم “سعاد” الجارة.
“أميرة.. لم ينتهِ الأمر. رأفت لم يكن يخطط للزواج فقط. الشقة التي اشتراها بمالك ليست باسمه وحده.. هناك شريك آخر، وهذا الشريك هو من يملك الآن مفتاح كل شيء، وسيبحث عنكِ لأنكِ أوقفتِ تدفق الأموال.”
انقبض قلبي مجددًا. مَن هذا الشريك؟ وما الذي يمكن أن يفعله؟تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء الرابع
لم تغب الشمس خلف أفق بحر الإسكندرية إلا وقد تركت في قلبي ألف تساؤل. كلمات “سعاد” كانت تتردد في أذني كصوت ناقوس خطر لا يتوقف. مَن هو هذا “الشريك” الذي كان يقتسم مع رأفت مالي وتوسعاته؟ ولماذا الآن؟
دخلت إلى غرفتي القديمة، وضعت سليم في فراشه، وجلست أمام أمي التي كانت تنظر إليّ بعينين ملؤهما الدمع والندم. قالت بصوت واهن: “سامحيني يا ابنتي، كنت أظن أن صمتكِ دليل استقرار، لم أعلم أنكِ كنتِ تحترقين وحدكِ.”
قبلت يدها وقلت: “انتهى وقت الندم يا أمي.. الآن وقت الحساب.”
فتحت بريدي الإلكتروني، وبدأت أبحث في الملفات القديمة التي أرسلها لي رأفت سابقًا “لأوقعها” بحجة أنها أوراق روتينية لعمله. وفجأة، توقفت عند عقد شراكة لم أنتبه له من قبل.
عقد لشركة “استيراد وتصدير” مسجلة باسم رأفت وشخص آخر يُدعى “عصام الديب”.
اتصلت بسعاد فورًا: “سعاد، من هو عصام الديب؟”
جاء صوتها مرتجفًا: “هذا هو الكابوس يا أميرة. عصام ليس مجرد شريك، هو تاجر ديون، ورأفت اقترض منه مبالغ خيالية بضمان (دخلي الشهري) و(أصول باسمك). رأفت أوهمه أنكِ شريكته في كل شيء، وأنكِ موافقة على رهن نصيبك في الشقة.”
صعقت. رأفت لم يكتفِ بسرقة مدخراتي، بل رهن مستقبلي لرجل لا يعرف الرحمة.
وفي تلك اللحظة، رن جرس الباب بعنف.
ظننت أنها الشرطة قد عادت، أو ربما حماتي جاءت لتتوسل. لكن حين فتحت أمي الباب، وجدنا رجلًا ضخم الجثة، يرتدي بدلة سوداء، ونظراته حادة كالموس.
قال بهدوء مرعب: “أين الأستاذة أميرة؟”
خرجت إليه وقلت بثبات مصطنع: “أنا أميرة.. ماذا تريد؟”
ابتسم بسخرية وأخرج ورقة من جيبه: “أنا المحامي الخاص بالسيد عصام الديب. زوجكِ العزيز وقع على شيكات ورهونات بمبالغ تتجاوز الثلاثة ملايين جنيه، والضمان هو (بطاقتك البنكية) و(راتبك) و(الشقة) التي اكتشفنا للتو أنكِ تحاولين الحجز عليها.”
قلت بصراخ: “هذه الأوراق باطلة! أنا لم أوقع على شيء، ورأفت في القسم الآن بتهمة السرقة!”
رد المحامي ببرود: “القانون لا يحمي المغفلين يا مدام. توقيعكِ موجود على العقود كـ (ضامن متضامن). وسواء كان رأفت في السجن أو في المريخ، الديون الآن أصبحت في رقبتكِ أنتِ.. وأمامكِ 48 ساعة فقط للسداد، أو البدء في إجراءات الحجز على كل ما تملكين، بما في ذلك بيت والدتكِ هذا.”
انصرف المحامي وتركني أصارع الأمواج. شعرت أن رأفت قد نصب لي فخًا لا مخرج منه، فخًا أعدّه بدم بارد طوال شهور “العسل المزيف” التي كان يمثل فيها دور الزوج المحتاج.
دخلت هبة وحماتي إلى المنزل فجأة، وكأنهم كانوا ينتظرون رحيل المحامي.
قالت حماتي بشماتة واضحة: “أرأيتِ؟ كنتِ تظنين أنكِ انتصرتِ؟ رأفت سيخرج من القسم غدًا بكفالة، لكنكِ أنتِ من ستدخلين السجن بسب عنادك. أعطينا البطاقة الآن، ودعي عصام الديب يتصرف مع رأفت، ونحن سننسحب بسلام.”
نظرت إلى هبة التي كانت تمسك بهاتفها وتصورني، ربما لتبتزني لاحقًا بضعفي.
في تلك اللحظة، تذكرت شيئًا.
رأفت كان دائمًا يطلب مني تصوير مستندات العمل بهاتفي ليرسلها للمطبعة.
هرعت إلى “سلة المحذوفات” في هاتفي، وبدأت أبحث بجنون.
وبينما كانت حماتي تواصل صراخها، وجدت “الكنز”.
فيديو قصير مدته 30 ثانية، صوره سليم بالخطأ ذات يوم وهو يلعب بهاتفي.
في الفيديو، يظهر رأفت وهو يضع ورقة كربون تحت عقد، ويقوم بـ “تقليد” توقيعي بدقة متناهية بينما هبة تضحك وتقول له: “برافو يا رأفت.. أميرة لن تكتشف أبدًا أنكِ أصبحت (ظلها) في التوقيع.”
رفعت رأسي ونظرت إليهما والشرر يتطاير من عيني.
قلت لهبة: “صوري جيدًا يا هبة.. صوري هذه اللحظة، لأنها آخر لحظة ستكونين فيها حرة.”
أريتهما الفيديو. شحب وجه حماتي، وسقط الهاتف من يد هبة.
قلت بصوت يرتجف من القوة: “تزوير، وشراكة في النصب، وابتزاز. الآن لن أذهب للشرطة فقط.. سأذهب لعصام الديب نفسه، وسأريه كيف أن صديقه وشريكه رأفت قد خدعه بأوراق مزورة ليورطه في قضية خسرانة.”
وقبل أن ينطق أحدهم بكلمة، وصلني إشعار من تطبيق البنك.
“تم تحويل مبلغ 500 ألف جنيه إلى حسابك.”
نظرت إلى الشاشة بذهول.. مَن أرسل هذا المبلغ؟ ومن أين؟
رسالة جديدة من “سعاد”: “أميرة.. زوجي وجد في مكتب الشغل مستندات سرية تثبت أن رأفت كان يختلس مبالغ من شركة عصام الديب نفسها ويضعها في حساب مخفي باسمكِ لتكوني أنتِ (الكبش) لو اكتشف عصام الأمر. لقد قمت بتحويلها لحسابكِ الأصلي قبل أن يضع عصام يده عليها.. استخدميها لتعيين أكبر محامٍ في مصر.”
اللعبة أصبحت الآن “حياة أو موت”. رأفت في الزنزانة، وعصام الديب على الباب، وأنا أمسك بخيوط جر*يمة ستقلب الموازين.
**يتبع…**