بقالي 8 سنين حكايات رومانى مكرم 1
أنا متجوزة بقالي 8 سنين وسلفتى اتجوزت من حوالي 7 شهور. وجوزها مسافر الكويت وهى حامل فى الشهر الخامس
وهى دلوقتي عايشه مع حماتى ال هى امها وكل يوم حماتى تكلمنى تقولى تعالى نضفى علشان سلفتك تعبانه تعالى اطبخى وغسلى كل يوم والتانى على نفس النغمه دى
الاسبوع ده سلفتى راحت شفتها هى وحماتى اتفاجت بيتصلو بيا ويقولو الشقه كلها تراب تعالى نضفيها وغيرى الفرش وهاتى خضار وفاكها معاكى علشان تجهزينا الاكل
رديت عليها وقولتلها مقدرش اسيب عيالى لوحدهم وانا بخدمك انتى ياحماتى فى بيتك مش فى بيوت الناس
البداية
ثمان سنين كاملة وأنا شايلة البيت دا على كتافي، ولا عمري فتحت بؤي بكلمة ولا اتقال مني العيب. من أول ما دخلت بيت جوزي عروسة صغيرة، وأنا ماشية تحت الحيطة.. أخدم الكبير والصغير، وأقول “أمري لله.. كله بأجره”. أبتلع الإهانة وأجي على صحتي وأعصابي عشان أشتريهم، لحد ما افتكروا إن جدعنتي وصبري دول حق مكتسب، وإني شغالة عندهم ملهاش قيمة ولا كرامة!
من سبع شهور بس، دخلت “سلفتي” العيلة. عروسة جديدة، دلوعة، ومش مستحملة الهوا! ومفيش كم أسبوع إلا وأعلنت خبر حملها في الشهر الأول. من يومها والدنيا اتقلبت رأس على عقب! البت بقت هي الشريفة العفيفة اللي ما تمسش الأرض برجلها، وأنا بقيت في نظرهم الشغالة الرسمية للبيت كله!
جوزها مسافر الكويت بياكل عيش، وبحجة إنها “حامل وتعبانة وفي أشهرها الأولى”، حماتي قامت جيباها تعيش معاها في بيتها طالع نازل. ومن اليوم دا وحياتي اتقلبت جحيم لا يطاق!
التليفون ما كانش بيبطل رن.. لا صبح ولاليل. صوت حماتي يرن في ودني زي الشاكوش، حامي وآمر وما بياخدش وبيدي:
ـ “تعالي يا بت بسرعة.. سلفتك تعبانة ومش قادرة تقف في المطبخ، تعالي اطبخي واغسلي الملايات ونضفي الشقة.. لازم نراعيها دي حبلة وشايلة ابن أخو جوزك!”
أبقى سايبة بيتي وعيالي وأجري عشان أرضيها. أدخل ألاقي الهانم متلقحة على الكنبة بتتفرج على التليفزيون وبتشرب العصير، وأنا الملم التراب وأطبخ وأغسل المواعين لحد ما إيديا تتشقق من الصابون.. وفي الآخر؟ ولا كلمة حلوة ولا حتى أصل الله يصلح حالك! بالعكس، نظرات قرف وتنطيط من سلفتي، وكلام زي السم من حماتي بتطلع فيا القطط الفاطسة.
سكتت وقولت معليش: “عشان خاطر جوزي وعشان العيل اللي في بطنها.. بكره تولد وترجع بيتها ونرتاح”. بس اللي يوطي ضهره للناس، بيكركبوا عليه!
النهاردة كان يوم زي النار، جو حار يكتم النفس. أطفالي الاثنين صغار، الكبير مسخّن ومحسوس وعمال يئن، وأنا بلف حولين نفسي بجدد له الكمادات وبحاول ألملم البيت وأعمل لقمة أكل، وحيلتي مهدود وجسمي بيبتعد من التعب.
وفي وسط المعمعة دي.. رن التليفون.
لقيتها حماتي. رفعت السماعة بقلب مقبوض وأنا بتنفس بالعافية:
ـ “أيوة يا حماتي.. خير؟”
جاني صوتها لا فيه رحمة ولا سؤال عني ولا عن أحفادها السخان، صوت شاحن قسوة وأنانية تقرف:
ـ “سمعي يا بت أنتِ.. أنا وسلفتك دلوقتي في شقتها.. أصلها نزلت تطل عليها وتشوفها، اتفاجئنا إن الشقة كلها تراب ومتبهدلة ع الآخر! وهي طبعاً في الشهر الخامس ومتقدرش تمد إيدها في حاجة ولا تحرك كنبة!”
سكت لثانيتين ببلع ريقي وبحاول أستوعب كلامها، بس هي كملت بردم وقاحة وفوقية:
ـ “اتصرفي بسرعة وسيبك من اللي في إيدك.. البسي وتعالي فوراً على شقة سلفتك. هاتي معاكي وأنتِ جاية خضار وفاكهة وطماطم وزيت عشان تعمليلنا أكل محترم تجهزينا الغدا، ولما توصلي تمسكي الشقة تنضفيها حتة حتة وتغيري الفرش والملايات كله.. يلا مستنيينك متتأخريش!”
وراحت هابدة الخط في وشي قبل ما أفتح بؤي!
وقفت في نص الصالة، التليفون في إيدي، وصوت ابني المسخّن بيبكي من الأوضة، وشريط الثمان سنين بيلف قدام عينيا. ثمان سنين سكات وخدمة وطيبة، والنتيجة إيه؟ رايحين يطلبوا مني أروح أنضف بيت سلفتي الهانم، وأشتريلهم أكل من طاقيتي، وأسيب عيالي المرضى عشان أكون خدامة لعروسة الست الهانم؟!
الدم غلي في عروقي، والكرامة اللي كنت دافناها تحت التراب قامت ولعت نار. كانت اللحظة اللي عرفت فيها إن السكوت مش صبر.. السكوت خيبة وهوان!
#الكاتب_رومانى_مكرم
مسكت التليفون وضربت على رقم حماتي تاني.
ردت بسرعة بصوت ناشف:
ـ “إيه يا بت؟ اتأخرتي ليه؟ أنتِ لسة عندك؟!”
قبضت على التليفون بكل غلي، وبصيت لنفسي في المراية، ولأول مرة من ثمان سنين، قطعت العرق وسيحت دمه، وجي صوتي حاد زي السكّينة، قاطع وهز السماعة:
ـ “أنا مقدرش أسيب عيالي لوحدهم في البيت وهم تعبانين يا حماتي.. وأنا لما بطلب رضا وبخدم.. أخدمك أنتِ يا حماتي وفي بيتك أنتِ.. مش في بيوت الناس!”
وسكتت اللحظة، والخط اتformsقطع، ووقفت في نص الصالة والتليفون لسة في إيدي..
**الجزء الثاني**
وقفت سكتّ ثواني أتنفس بالعافية، ضربات قلبي كانت بتدب في صدري زي الطبول، وإيدي اللي ماسكة التليفون بتترعش من كتر الغل. الكلمة طلعت مني زي الرصاصة، حسيت بصداها يرن في الشقة كلها. حماتي على الناحية الثانية سكتت من الصدمة، السكوت كان تقيل ومخيف لدرجة إن صمتها كان أشد من صراخها. وبعد ثواني، جاني صوتها مبحوح ومخنوق من كثر الغيظ:
ـ “بتقولي إيه يا بت أنتِ؟! بتسمي بيت أخو جوزك وسلفتك بيت ناس؟! وعيالك مين اللي حجة؟! أنتِ اتجننتي في عقلك ولا نسيتي نفسك أنتِ مين والبيت دا أصحاب فضله عليكِ إزاي؟!”
ما اديتهاش فرصة تكمل باقي الموشح ولا تتطاول أكتر، قفلت الخط في وشها برود لم أعهده في نفسي من ثمان سنين. رميت التليفون على الكنبة، ورحت جري على أوضة عيالي. مسكت ابني الصغير، شيلته في حضني وهو جسمه مولع نار وشفاه بتتعد من السخونية، حطيت خدي على خده وبكيت.. بكيت دموع قهر وثورة متأخرة ثمان سنين. كنت بقول لنفسي: “أنا اللي عملت في نفسي كده.. أنا اللي هانت عليا نفسي لحد ما افتكروني خدامة برتبة ملكية!”
ساعة كاملة مرت وأنا بحاول أهدي العيل وأعمله كمادات خل ومية ساقعة، وعقلي شغال ما بيهداش. عارفة إن اللي عملته دا زلزال في العيلة، وعارفة إن الحساب جاي.. بس المرة دي ما كنتش خايفة، كنت حاسة بإحساس غريب بالحرية، زي السجين اللي كسر باب سجنه بأيده.
وفجأة.. سمعت صوت المحرز في الباب بيتقلب بعنف. الباب اتفتح وهبد في الحيطة بصوت هز الشقة كلها.
خرجت من الأوضة ببطء، ألاقي جوزي “محمود” داخل زي الفتح المظفر، وشه أحمر زي الدم، وعيونه طالع منها شرار، وياقة قميصه متفككة وجايب آخره. واضح إن أمه كلمته وشحنت البارود على آخره قبل ما يوصل.
وقف في نص الصالة، بيمسك نفسه بالعافية، وزعق بصوت هز جدران البيت:
ـ “أنتِ يا هانم! أنتِ يا اللي قلة الأدب طفحت عليكِ! إيه اللي أنتِ هببتيه دا؟! إيه الكلام اللي قولتيه لأمي في التليفون دا؟!”
وقفت قدامه بثبات، حاطة إيدي في وسطي، وبصيت في عينيه بثبات لأول مرة في حياتي:
ـ “أنطق إيه؟ أنت عارف أمك طلبت مني إيه قبل ما تجيلي تجعر كده؟ أمك عاوزاني أسيب ابنك اللي سخن ومولع نار وأروح أنضف شقة سلفتك وأشتريلها خضار وفاكهة من جيبي وأطبخلها! هي سلفتي اشتريتني ولا أنا خدامة أبوهما وأنا مش دارية؟!”
محمود ما استناش يسمع، ولا فكر يبص على ابنه المرمي جوة بيتألم، الشحنة اللي أمه شحنتهاله كانت أعمى من العقل. قرب مني في ثانية، وبدون مقدمات، رفع إيده ولطشني بالقلم على وشي لدرجة إن دماغي لفت، وداني رنت بصوت عالي، ورجعت خطوتين لورا وسندت على الركنة.
زعق وهو بيشاور بإصبعه في وشي وبيفش غله:
ـ “أمك لما تقولك يمين تقولي أمين! أخي مسافر وبيشقى في الكويت، ومراته حبلة وفي غريبتنا، وأنتِ هنا زي الجمصة لا شغلانة ولا مشغلة! لما أمي تقولك روحي نضفي ورجلك فوق رقبتك تروحي وتجزّي على أسنانك وتعملي وأنتِ ساكتة! بيت أخويا هو بيتي، واللي يقل أدبه على أمي أكسر رقبته!”
القلم ما وجعنيش في وشي، القلم نزل على قلبي وكسر آخر خيط كان باضل بيني وبينه. الثمان سنين اللي ضيعتهم من عمري وأنا بتباع وأتشرا عشان أحتويه وأحافظ على بيته، اتبخروا في ثانية واحدة عشان خاطر كلام أمه ونطاعة سلفتي!
رفعت رأسي بصيتله، ما بكيتش، الدمعة تجمدت في عيني، وبصيتله بنظرة كره وقرف استغربها هو نفسه ورجع خطوة لورا.
صوتي طلع واطي بس يرعب:
ـ “بتضربني يا محمود؟ عشان رافضة أكون شغالة عند سلفتك اللي أصلها ما كملتش في العيلة سبع شهور؟ بتضربني وتبيعني وتبيع عيالك اللي مرميين جوة بالسخونية عشان ترضي أمك وتعمل فيها الراجل الأصيل؟”
ـ “أني راجل غصب عنك وعن عين اللي جابوكِ!” زعق محمود وبدأ يقرب مني تاني، بس أنا رفعت إيدي في وشه بكل قوة وقاطعت خطواته:
ـ “إياك تمد إديك عليا تاني! أنت بقيت صغير أوي في نظري يا محمود.. صغير للدرجة اللي تخليك تبيع كرامة مراتك وأم عيالك عشان شوية كلام فارغ!”
دخلت الأوضة فوراً، وفتحت الدولاب، وسحبت شنطة السفر الكبيرة. بدأت أرمي فيها هدومي وهدوم عيالي بعشوائية وسرعة. محمود دخل ورايا الأوضة، يتفرج عليا وهو متفاجئ من رد فعلي، افتكرني هعيط وأترجاه وأبوس على إيده زي كل مرة نتخانق فيها.
ـ “أنتِ بتعملي إيه يا مجنونة أنتِ؟ فاكرة نفسك رايحة فين؟”
ما رديتش عليه، كملت لَمّ الهدوم واللعب بتاعة العيال، وسحبت علبة الدهب الصغير بتاعي اللي كنت شايلاها للزمن، وحطيتها في الشنطة.
شيلت ابني الكبير اللي كان مش قادر يقف على حيله، ومسكت إيد البنت الصغيرة، وسحبت الشنطة بإيدي الثانية، وخرجت للصالة.
وقف محمود قدام باب الشقة يسد عليا الطريق، وشه بقى أصفر من التوتر لما شافني مصممة بجد:
ـ “أنتِ هتسبي البيت وتمشي؟ اتهدي واقعدي بدل ما أقسم بالله لو خرجتي من الباب دا ما أنتِ داخلة تاني!”
بصيت في عينيه بابتسامة وجع وقرف وقام هديت جسمي كله، وقولتله بكل ثبات:
ـ “الباب دا أنا اللي مش هدخله تاني برجلي إلا وأنا واخدة كرامتي وحقي تالت ومتالت. أوصيك يا محمود.. روح كمل خدمتك عند سلفتك، روح أطبخلها ونضفلها الشقة، أصلك أولى بيها من غريب!”
زقيته بكتفي بكل قوتي، وفتحت الباب وخرجت. نزلت السلم وأنا شايلة ابني وبسحب الشنطة والبنت ماسكة في جلابيتي، وصوت محمود نازل ورايا يزعق ويشتم ويهدد بيمين الطلاق، بس ولا كلمة منه كانت طالعة لمست ودني.
خرجت الشارع والشمس كانت بتغيب، والهوا يلفح وشي في أثر القلم اللي أكلته. بصيت لعيالي، وبصيت للشارع، وحسيت لأول مرة إني مش هربانة.. أنا رايحة أرجع كرامتي اللي ضاعت تحت جزمة العيلة دي ثمان سنين كاملة، والكتف اللي يشيل القهر دا كله، قادر يهد المعبد على راس الكل!
