غبت عن مراتي ١٠ دقائق2

## الجزء الثالث: الانهيار التام

سحبتُ يدي من بين يدَي أبي بقسوة جعلته يتراجع للخلف ويسقط على ركبتيه فوق السجاد الفاخر، أمام أعين الوزراء، ورجال الأعمال، والقضاة الذين طالما دفع لهم الملايين ليشتري هيبته وسطهم. النظرات التي كانت تلاحق عائلة الشناوي بالتبجيل، تحولت في ثوانٍ معدودة إلى نظرات اشمئزاز واحتقار، والبعض بدأ ينسحب من القاعة في صمت خوفًا من أن تطاله شظايا القنبلة التي فجرتها للتو.

أمي كانت تمسك بوجنتها مكان قلم “هنا”، وعيناها تدوران في المكان بجنون، تنظر إلى الشاشات التي ما زالت تعيد بث صوت مازن وهو يعترف بالتزوير والتهريب، ثم تنظر إلى المعازيم الذين كانوا يتوددون إليها منذ دقائق، والآن يديرون ظهورهم لها وكأنها مصابة بالطاعون.

صاح مازن بصوت متحشرج وهو يحاول التقدم نحوي: “أنت مجنون يا كريم! بتدمر اسم الشناوي عشان واحدة غريبة؟! الأوراق دي لو وصلت للنيابة مش هنسجن لوحدي، أبوك هيروح فيها!”

التفتُّ إليه، وثباتي القاتل لم يهتز شعرة واحدة. خطوت نحوه حتى أصبحت أمام وجهه مباشرة، وقلت بنبرة هادئة جمدت الدماء في عروقه: “اسم الشناوي اتمسح خلاص يا مازن… ومن اللحظة دي، مفيش شركة ومفيش حصانة. أنا مش بس سجلت ليلتكم، أنا من ساعة ما دخلت القاعة وأنا باعت التقارير المالية الموازية، وكشوف الحسابات السرية، وعقود شحنات الإسكندرية المضروبة لإيميل نيابة الأموال العامة ومكافحة الفساد… البلاغ اتقدم رسمي باسمي أنا، بصفتي الخبير المالي المسؤول عن مراجعة حساباتكم”.

صاعقة ضربت المكان. أبي رفع رأسه بذهول، وصرخ بصوت مخنوق: “أنت بلغت عن عيلتك؟ عن أبوك اللي عملك قيمة؟!”

ضحكت هنا بسخرية لاذعة، وقفت بجانبي، ونظرت إلى أبي الراكع على الأرض وقالت: “قيمة؟ أنتوا عرفتوا القيمة أصلاً عشان تدوه الـعز؟ كريم هو اللي عمل للشركة اسم بذكائه وتعبه، وأنتوا كنتوا بتسرقوا وتداروا وساختكم ورا ضهره! كنتوا فاكرين البنت الغريبة هتاكل القلم وتسكت عشان تلموا الفضيحة؟ أديكوا لميتوا الفضيحة… لايف وبأعلى جودة”.

في تلك اللحظة، تعالت أصوات سرينات الشرطة بالخارج، تقتحم هدوء الجنينة وأضواء الورد الأبيض المزيفة. الأضواء الزرقاء والحمراء بدأت تعكس على جدران الفيلا وزجاجها المدشدش، لتعلن نهاية الحفلة وبداية الكابوس.

أمي جرت نحو هنا، وحاولت التشبث بطرف فستانها وهي تبكي بهستيرية، بعد أن طارت كل التناكة والكبرياء: “بوس حواجبك يا بنتي… خلي كريم يسحب البلاغ، قولي له يقول إنها تصفية حسابات… بلاش فضايح في جرايد الصبح، شكلنا هيبقى إيه قدام الناس؟!”

نظرت هنا إليها مقلعة يد أمي عن فستانها بنفور، وقالت: “شكلكم؟ هو أنتوا لسه ليكم شكل؟ اسألي نفسك السؤال ده لما تقعدي في الزنزانة وتفتكري الكلمة اللي قولتيها ليا في الممر… ‘أنتِ عملتِ إيه عشان تخليه يعمل كدة؟’… القانون هو اللي هيقولك دلوقتي أنتوا عملتوا إيه في نفسكوا!”.

انفتح الباب الرئيسي للقاعة، ودخل ضباط مباحث الأموال العامة ومكافحة الفساد، مصحوبين بقوة تابعة لقسم الشرطة. تقدم الضابط المسؤول بملامح جادة، ونظر إلى أبي ومازن، ثم وجه كلامه لي: “أستاذ كريم؟”

أومأت له برأسي، وأخرجت الشريحة الرئيسية من جهاز التحكم وسلمتها له: “كل الأدلة، والتسجيلات الحية للي حصل الليلة دي، بالإضافة للمستندات الأصلية اللي بتثبت قضايا التهريب والتزوير موجودة هنا يا فندم، وأنا جاهز للإدلاء بأقوالي كاملة”.

التفت الضابط لقواته وأشار إلى أبي ومازن: “هاتوا المستشار عاصم الشناوي، ومازن الشناوي… والمدام كمان تطلع معانا للتحقيق في التستر والاشتراك في التزوير وتسهيل الاستيلاء على المال العام”.

صرخات أمي ملأت المكان وهي تُقاد للخارج، ومازن كان يسير مطأطأ الرأس، وعينه لا تقوى على النظر في عين أي شخص من المعازيم الذين بقوا ليشهدوا لحظة اقتياد “الملك المتوج” بالكلابشات. أما أبي، فكان يسير وكأنه كبر عشرين عامًا في ثوانٍ، يجر قدميه بإنكسار لم يذقه في حياته قط.

أصبحت القاعة فارغة، ولم يتبقَ فيها سوى أنا وهنا، وسط الورد الأبيض المتناثر والمناضد المقلوبة. نظرتُ إلى هنا، كان وجهها متعبًا، لكن عينيها كانت تلمع بانتصار وعزة لم أرها من قبل.

أمسكتُ يدها، وخرجنا من باب الفيلا، ولم ننظر خلفنا ولو لمرة واحدة. لكن الحرب لم تنتهِ بعد؛ فالتحقيقات ستكشف في الساعات القادمة عن رؤوس كبيرة أخرى متورطة مع عائلتي، ومازن لن يصمت في التحقيق وسيحاول سحبي معه بأي طريقة، وهناك سر قديم ومظلم يخص والد هنا بالذات، كان أبي يخفيه في خزنة المكتب المقفولة… سر سيقلب الطاولة علينا جميعًا في الجزء القادم.

## الجزء الرابع: أسرار الخزنة المقفولة

خرجنا من الفيلا وأصوات سيارات الشرطة تبتعد شيئاً فشيئاً، تاركةً خلفها رماد عائلة كانت تظن أنها فوق القانون. أركبتُ “هنا” في السيارة، وجلستُ خلف عجلة القيادة وأنا أتنفس الصعداء لأول مرة منذ ساعات. نظرتُ إليها؛ كانت ملامحها هادئة، لكن هدوءها كان يحمل ثقلاً غريباً، وكأن الانتصار الذي حققناه لم يكن كافياً ليريح قلبها.

قالت وهي تنظر من النافذة إلى شوارع القاهرة المظلمة: “كريم… تفتكر الموضوع خلص؟ أبوك وأخوك مش هيسكتوا، ومازن مستعد يحرق الدنيا كلها قبل ما يدخل السجن لوحده”.

أمسكتُ يدها وضغطت عليها برفق: “الورق اللي معايا يدمر عائلات مش بس عيلتي يا هنا. أنا أمنّت نفسي وأمّنتك، ومحدش فيهم هيقدر يلمس شعرة منك”.

لكن كلامي كان يحمل جزءاً من الطمأنينة الزائفة؛ ففي طريقي إلى قسم الشرطة للإدلاء بأقوالي الرسمية، رن هاتفي برقم غريب. فتحت الخط، فجاءني صوت محامي العائلة العجوز، الأستاذ رفعت، ونبرته كانت خالية من أي تهديد، بل كانت مليئة بتحذير مريب: “كريم يا ابني… اللي عملته الليلة دي كان انتحار. أنت فاكر إنك بتنتقم لمراتك؟ أنت فتحت أبواب جهنم على الكل، وأولهم مرتك ‘هنا’!”.

عقدت حاجبي وقلت بحدة: “أنت بتهددني يا متر؟”

قال رفعت بصوت خفيض: “أنا مبتهددش يا كريم، أنا بقولك حقيقة أبوك كان دافنها. فتش في خزنة مكتب أبوك المقفولة بالرقم السري اللي عمره ما غيره… تاريخ ميلاد والدتك. فتش فيها قبل ما النيابة تحرز كل حاجة الصبح، وشوف الورقة اللي مكتوب عليها اسم ‘منصور الهواري’… والد هنا!”.

تسمّرت يدي على عجلة القيادة، والتفتُّ بجسدي كله نحو هنا التي لاحظت تغير تعابير وجهي فوراً. منصور الهواري؟ والد هنا توفي وأنا وهي في الجامعة، وكل ما نعرفه أنه كان مهندساً بسيطاً مات إثر أزمة قلبية مفاجئة. ما علاقته بأبي وبخزنة المستشار عاصم الشناوي؟

بدل أن أتجه لقسم الشرطة، غيّرت مساري فوراً وعدت إلى الفيلا. كانت الأبواب مفتوحة، والخدم في حالة ذهول والفيلا خاوية تماماً بعد أن غادرتها الشرطة بالمتهمين لحين صدور قرار النيابة بتفتيش المكان صباحاً.

دخلتُ أنا وهنا إلى المكتب المقفول. اقتربتُ من اللوحة الخشبية المعلقة خلف مكتب أبي، أزحتها بيدي لتظهر الخزنة الحديدية الرقمية. كتبتُ الرقم السري بسرعة: تاريخ ميلاد أمي. انفتحت الخزنة بصوت تكة حديدية مألوفة.

بدأتُ أبعثر الأوراق والملفات، حتى وقعت عيني على مغلف جلدي أسود قديم ومكتوب عليه بخط يد أبي: “قض*ية تصفية شركة الهواري للمقاولات – ٢٠١٢”.

فتحتُ المغلف بسرعة، وهنا تقف بجانبي وأنفاسها متهدجة. كانت الصدمة أكبر من طاقتنا على الاحتمال: أوراق تثبت أن والد هنا لم يمت بأزمة قلبية طبيعية، بل كان شريكاً لأبي ومازن في بداياتهم، وعندما اكتشف أنهم يقومون بتهريب مواد بناء مغشوشة تسببت في سقوط مبنى سكني وقتها، قرر إبلاغ النيابة.

الورقة الأخيرة كانت تقريباً طبياً مزوراً من المستشفى الصادر منه شهادة الوفاة، وبجانبها تنازل رسمي عن كل أملاك منصور الهواري لصالح عاصم الشناوي… تنازل ممهور بإمضاء والد هنا، لكن بتاريخ بعد وفاته بيومين!

التفتُّ إلى هنا، وجدتها قد تراجعت خطوتين للخلف، وعيناها متسعتان من الرعب والدموع تجمدت في مآقيها. همست بصوت يرتجف: “أبويا… أبوك قت*له؟ أبوك سرقنا وعاش بفلوسنا، وأنا كنت فاكرة إني اتجوزت الراجل اللي حماني من الدنيا؟!”

سقطت الأوراق من يدي، وشعرت أن الأرض تدور بي. الرجل الذي دمر عائلتي لأجلها، يكتشف الآن أن عائلته هي السبب في دم مار عائلتها ويتم والدها!

وقبل أن أنطق بكلمة واحدة لأواسيها، اهتز هاتفي مجدداً برسالة نصية من رقم مازن من داخل الحجز، كانت مكتوب فيها جملة واحدة قطعت الشك باليقين: “لو البلاغ متسحبش الصبح يا كريم، الورق الأصلي لقض*ية منصور الهواري هيتسلم للصحافة، والكل هيعرف إن مرتك عايشة بفلوس دم أبوها اللي شال القض*ية ومات بسببي أنا وأبوك… وريني هتبص في وشها إزاي بعد الليلة دي!”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *