حكايات محمد عبده 1
“لو عرفتي ترقصي أحسن مني… هدّي أمك مليون جنيه!”
ضحكت خطيبة الملياردير باستهزاء… لكن بنت الخادمة رقصت على أغنية ما يعرفهاش غير عيلته!
—
“لو رقصتي أحسن مني يا حلوة… هدّي أمك مليون جنيه.”
قالتها ليلى الكيلاني وهي رافعة كاس العصير الفاخر، وابتسامتها فيها سخرية، بينما عيون أكتر من 200 واحد من أغنياء القاهرة الجديدة اتوجهت لطفلة عندها 6 سنين واقفة لوحدها في قاعة الحفلة.
فستان سلمى الأزرق الباهت كان مستلف من الجيران… طويل عليها شوية، بيلمس الأرض من تحت، وكتفه بينزل كل شوية.
أول واحد ضحك كان رجل أعمال معروف.
وبعده… كل الناس طلعت موبايلاتها.
أمها، أمينة، كانت واقفة جنب طاولات المشروبات بلبس الشغل بتاعها… ماسكة الصينية بإيدين بترتعش.
قالت بصوت هادي: “بنتي دخلت عشان سمعت الموسيقى… وإحنا هنمشي دلوقتي.”
وخدت خطوة لقدام…
لكن ليلى وقفت قدامها ومنعتها.
“ليه بس تبوّظي المتعة؟”
من دقايق قليلة، كانت ليلى بترقص تحت النجف الكبير، والمصورين حواليها بيصوروا “مدام المستقبل” جوه الفيلا اللي هتبقى ملكها قريب… بعد جوازها من الملياردير كريم السيوفي.
وفجأة… شافت سلمى واقفة عند الباب.
بنت خدامة.
فريسة سهلة.
قالت ليلى بصوت عالي: “أنا بتكلم بجد… مليون جنيه لو البنت دي قدرت تبهر الناس أكتر مني.”
الضحك علي…
أمينة مدت إيدها: “سلمى… تعالي معايا.”
بس سلمى ما اتحركتش.
عينها كانت ثابتة على الفرقة اللي ساكتة.
همست: “ماما… ينفع أرقص على أغنيتنا؟”
نَفَس أمينة اتقطع…
دي كانت نفس الأغنية اللي أمها زمان كانت بتشغلها في أوضة رقص صغيرة… قبل ما الديون تقفل المكان… الأغنية اللي لسه بتشغلها لحد دلوقتي لما الدنيا تضيق عليهم.
سلمى بصت لها وقالت: “إنتي مكسوفة من رقصي يا ماما؟”
أمينة نزلت على ركبها بسرعة: “عمري ما أكون مكسوفة منك.”
“طب ينفع أوريهم؟”
وقفت أمينة ببطء… وبصت لليلى:
“بنتي ممكن ترقص… بس مش عشان تسلّيكي… ولا عشان فلوسك.”
وبعدين بصت لقائد الفرقة… وطلبت أغنية محدش كان متوقع إنها تعرفها.
عازف الكمان رفع القوس…
وفي آخر القاعة… الملياردير كريم السيوفي فجأة وقف مكانه…
أول نغمة خلت ملامحه تتغير.
هو عارف الأغنية دي كويس.
سلمى حطت لعبتها الصغيرة جنب رجلي أمها… ومشيت لمنتصف القاعة الكبيرة.
ليلى شبكت دراعاتها بثقة…
والناس رفعت الموبايلات أكتر.
سلمى خدت خطوة صغيرة…
والموسيقى بدأت.
🔥 وبعدين ” 😏اللي حصل
انتقلت سلمى لوصف مركز القاعة، وهدت حركة الناس تدريجياً مع صعود نغمات الكمان الهادئة. كانت الأغنية مش مجرد لحن قديم، دي كانت معزوفة كلاسيكية معقدة فيها مزيج بين الموسيقى الشرقية العتيقة والإيقاع الإسباني الهادي… لحن أسطوري مش أي حد يفهمه، ولا أي حد يعرف يرقص عليه.
مع أول خطوة لسلمى، ليلى ضحكت بصوت واطي وقالت للناس اللي جنبها: “شوفوا هتتعبل في الفستان إزاي دلوقتي!”
بس سلمى ما اتعبلتش.
البنت الصغيرة رفعت أطراف فستانها الأزرق الباهت بطريقة ساحرة، وبدأت تتحرك بخفة مش طبيعية. حركاتها ما كانتش مجرد رقص أطفال أو لقطة عفوية، دي كانت بتتحرك بدقة احترافية، دراعاتها المفرودة في الهوا بتترسم مع النغمات، ورجليها الصغيرة بتمسح الأرض بمرونة تذهل أي حد بيشوفها. الفستان اللي كان طويل ومستلف، بقى يتحرك معاها كأنه قطعة من السحاب.
الضحك اللي كان مالي القاعة بدأ يختفي بالتدريج.
الموبايلات اللي كانت بتصور عشان تتريق، أصحابها بدأوا ينزلوا إيديهم ببطء وهم مشدقين من الصدمة. القاعة كلها دخلت في حالة صمت تام، مافيش غير صوت الكمان وحركات قدم سلمى السريعة والمتناسقة.
ليلى ابتسامتها اختفت تماماً، وعينيها بدأت تتسع بالفزع. البنت الصغيرة ما كانتش بترقص بس… دي كانت بتخطف الضوء كله، بتسرق اللحظة اللي ليلى بقالها شهور بتخطط ليها عشان تبقى نجمة الحفلة.
وفي الوقت ده، كريم السيوفي بدأ يتحرك من آخر القاعة.
خطواته كانت سريعة ومصتدمة، عينيه ما نزلتاش من على سلمى، ولا من على الأغنية. اللحن ده بالذات كان “السر” القديم لعيلته… لحن كتبه جده الموسيقار الراحل، وما كانش بيتسجل ولا بيتعزف غير في المناسبات الخاصة جداً لعيلة السيوفي، وتوقف تماماً عن العزف من 15 سنة بعد حادثة اختفاء غريبة هزت العيلة وقتها.
كيف للبنت دي، وأمها الخدامة، يعرفوا اللحن ده؟ وازاي سلمى حافظة التوزيع الحركي الخاص بالعيلة واللي ما حدش درسه غير كبار مصممي الرقص في أوروبا؟
وقف كريم على بعد خطوات من القاعة المفتوحة، وعينيه اتلاقت بعيون أمينة اللي كانت واقفة بعيد، دموعها نازلة على خدودها بس رأسها مرفوعة بكرامة.
ساعتها المايسترو زود السرعة، وسلمى بدأت تعمل دورات سريعة متتالية في منتصف القاعة، فستانها الأزرق بيلف حواليها زي المروحة، وكل دورة كانت بتخطف أنفاس الـ 200 ضيف. المصورين نسوا ليلى تماماً، وبدأت الفلاشات تضرب في وش سلمى بانتظام، والصورة بقت واضحة: البنت الصغيرة أكلت الجو بالكامل.
ليلى ما قدرتش تستحمل الموقف. حست بالإهانة والغيظ بياكلوها من الجوا، فقررت تتدخل عشان تنهي المهزلة دي قبل ما كريم يشوفها أكتر.
اتحركت ليلى بخطوات سريعة وغاضبة ناحية سلمى وهي بتقول بصوت حاد: “بس! كفاية الهبل ده! الحفلة اتخرّبت!”
ورفعت إيدها عشان تمسك سلمى من كتفها وتوقفها بالقوة…
لكن قبل ما إيد ليلى تلمس فستان سلمى، إيد قوية ومسكتاها من معصمها بصرامة هزت المكان.
كان كريم السيوفي.
بص كريم لليلى بنظرة مرعبة خلتها تتجمد مكانها، وقال بصوت واطي بس يرعب: “إياكي تلمسيها.”
ليلى اتعلثمت بالحقيد: “كريم؟ أنت بتهزر؟ دي بنت الخدامة بتبوظ خطوبتنا!”
كريم ما ردش عليها، ساب إيدها والتفت بكامله لسلمى اللي خلصت نغمتها الأخيرة وقفت في نص القاعة وهي بتتنفس بسرعة، وابتسامة بريئة على وشها.
القاعة انفجرت بالتقفيل الحار من كل رجال الأعمال والضيوف، اللي نسوا إن دي بنت خدامة وشافوا فيها موهبة أسطورية.
كريم نزل على ركبته قدام سلمى، وبص في عينيها بتركيز شديد… عينيه لقطت سلسلة فضية قديمة جداً كانت باينة من تحت فتحة رقبة فستانها الأزرق. سلسلة فيها قلادة على شكل نوتة موسيقية مطعمة بالياقوت.
نَفَس كريم اتكتم، وإيده كانت بترتعش وهو بيمدها ببطء ناحية القلادة: “السلسلة دي… جبتيها منين؟”
في اللحظة دي، أمينة جرت وسحبت سلمى لوراها بسرعة، ووقفت بينها وبين كريم وهي خايفة: “أرجوك يا بيه… إحنا آسفين، هنمشي دلوقتي ومش تشوفوا وشنا تاني.”
كريم وقف ببطء، وعينيه مشتعلة بأسئلة تهز جبال، وبص لأمينة وقال بنبرة هزت القاعة كلها:
“أنتي مش هتمشي من هنا يا أمينة… غير لما تقوليلي إزاي بنت أختي المفقودة من 15 سنة… واقفة قدامي دلوقتي ولابسة سلسلتها؟”
