القى زوجى1
ألقى زوجي كوب الشاي في وجهي أثناء الإفطار… فقط لأنني رفضت إعطاء أختِه بطاقة راتبي.
ارتطم الكوب بخدي قبل أن أتمكن حتى من رفع يدي.
ابتلت ملابسي ووجهي، وشعرت بإهانة جعلتني عاجزة عن الكلام.
أما حماتي، فظلت تدهن المربى على الخبز وكأن شيئًا لم يحدث.
قالت ببرود:
“لا تبالغي يا أميرة.”
كنت أقف في المطبخ أرتجف، وملابسي ملتصقة بي، بينما كانت عيني تؤلمني من أثر الشاي.
كان رأفت، زوجي، يقف في الجهة المقابلة من الطاولة يتنفس بعصبية، بينما كانت أخته هبة تمسك بمحفظتي وكأنها تخصها بالفعل.
تمتمت بضيق:
“إنها مجرد سلفة بسيطة… ليس الأمر وكأنكِ لا تملكين المال.”
نظرت إليها بصمت.
كانت تضع أظافر جديدة، وتحمل هاتفًا أغلى من هاتفي، وتغيّر ملابسها باستمرار… ومع ذلك لم أرها يومًا تدفع شيئًا من مالها الخاص.
دائمًا لديها مشكلة.
ودائمًا تحتاج إلى مساعدة.
ودائمًا كان رأفت ينظر إليّ وكأن من واجبي أن أتحمل كل شيء.
قلت بصوت متعب:
“البطاقة باسمي… ولن أعطيها لأحد.”
وفي لحظة واحدة، فقد رأفت أعصابه.
رفع الكوب وألقاه نحوي دون تردد.
أمام والدته.
وأمام أخته.
وأمام ابني الصغير سليم، الذي سقط الخبز من يده وبدأ بالبكاء.
“أمي!”
كانت صرخته أصعب عليّ من أي شيء آخر.
أسرعت إلى الحمام وفتحت الماء على وجهي.
كنت أحاول استيعاب ما حدث، بينما رأيت رأفت يقف عند الباب من خلال انعكاس المرآة.
لم يأتِ ليعتذر.
قال بحدة:
“انظري إلى ما يحدث بسبب عنادك.”
التفتُّ إليه ببطء.
“أنا السبب؟”
قال بانفعال:
“هبة تمر بظروف صعبة.”
ضحكت بسخرية مريرة.
“هبة دائمًا تمر بظروف صعبة.”
ظهرت هبة خلفه وقالت:
“أنتِ قاسية جدًا يا أميرة. لا أحد يشعر معكِ بالراحة في هذا البيت.”
في تلك اللحظة فهمت شيئًا مؤلمًا.
في هذا المنزل… لم يروني يومًا زوجة.
كنت بالنسبة لهم مجرد مصدر للمال.
أنا من يدفع إيجار الشقة.
وأنا من يشتري احتياجات المنزل.
وأنا من تكفّل بعلاج والدة رأفت.
وأنا من ساعد رأفت حين أخبرني أن عمله يمر بأزمة.
حتى ذهبي بعته قطعة بعد أخرى بحجة أن الظروف مؤقتة.
لكن الظروف لم تكن تنتهي أبدًا.
اقتربت حماتي مني وقالت:
“أعطيها البطاقة وينتهي الأمر.”
أغلقت الماء ببطء، ثم رفعت وجهي إليها.
“لا.”
شدّ رأفت قبضته وقال بغضب:
“لا تختبري صبري يا أميرة.”
نظرت إليه بثبات لأول مرة منذ سنوات.
“لقد أهنتني بما يكفي… ماذا تريد أكثر من ذلك؟”
ساد الصمت للحظات، بينما استمر سليم بالبكاء في الخارج.
حينها فقط شعرت أنني استيقظت من شيء ثقيل.
خرجت من الحمام، حملت ابني، وأمسكت حقيبتي.
حاولت هبة أن تنتزعها مني، لكنني أبعدتها عن طريقي.
قال رأفت بلهجة حادة:
“هذه الحقيبة لن تخرج من البيت.”
استدرت نحوه وقلت:
“إذًا اتصل بالشرطة.”
تغيّر وجهه للحظة قصيرة.
رأيت الخوف في عينيه.
ليس خوفًا عليّ… بل خوفًا من شيء آخر.
شيء لم يكن يريد لأحد أن يكتشفه.
خرجت من المنزل وأنا أحمل سليم، وقلبي يرتجف.
إحدى الجارات رأتني، ثم أشاحت بنظرها سريعًا.
الجميع كان يعلم.
والجميع كان يلتزم الصمت.
توقفت أمام صيدلية قريبة، وما إن رأتني الصيدلانية حتى قالت بقلق:
“يجب أن تذهبي إلى طبيب.”
قلت بهدوء متعب:
“أعطيني فقط كريمًا.”
تعلق سليم بيدي وسألني بصوت صغير:
“هل أبي لم يعد يحبك؟”
شعرت بغصة حادة في حلقي.
انخفضت إلى مستواه وقلت:
“أحيانًا يا حبيبي، يؤذينا أشخاص يقولون إنهم يحبوننا… وهذا لا يعني أننا يجب أن نبقى.”
سألني:
“هل سنذهب إلى جدتي؟”
كانت أمي تعيش في الإسكندرية.
ولم أخبرها يومًا بما يحدث معي.
كنت أخجل من الحقيقة.
أخجل من تبرير تصرفات رأفت لسنوات.
وأخجل من كل مرة أقنعت نفسي أن ما يحدث أمر عابر.
لكن في ذلك الصباح… لم يبقَ داخلي أي مجال للصمت.
اتصلت بأمي.
أجابت من أول رنة:
“أميرة؟”
وما إن سمعت صوتها حتى انهار كل شيء بداخلي.
“أمي… أريد أن أرحل.”
لم تسألني لماذا.
قالت فقط:
“تعالي. غرفتك جاهزة.”
أغلقت الهاتف وأنا أبكي، ثم فتحت تطبيق البنك لإيقاف البطاقة.
لكنني تجمدت عندما رأيت ثلاث محاولات سحب مرفوضة.
كلها حدثت بعد خروجي من المنزل بدقائق.
هبة.
محاولة من معرض أثاث.
وأخرى من محل أجهزة كهربائية.
أما الثالثة فكانت من مكتب تشطيبات.
شعرت بانقباض في معدتي.
وفي اللحظة نفسها…
وصلت رسالة جديدة من رقم مجهول.
ترددت قبل فتحها ثم ضغطت عليها ببطء.
وكان مكتوبًا فيها:
“الأستاذة أميرة…
أنتِ لا تعرفينني، لكن أنصحك ألا تسمحي لهم باستخدام بطاقتك البنكية اليوم.”
تسارعت دقات قلبي.
وأكملت القراءة.
“المال الذي يحاولون سحبه لا يخص هبة وحدها…
وهناك شيء يخفونه عنك منذ شهور.”
ظلت الرسالة أمام عيني، والحروف تتراقص من هول الصدمة. “شيء يخفونه عنكِ منذ شهور”.. شعرت أن الأرض تميد بي، وكأن كوب الشاي الذي أصاب وجهي لم يكن سوى القشرة الخارجية لجبل من الجليد يوشك أن ينهار فوق رأسي.
سليم كان يشد طرف ردائي ويسألني بإلحاح: “لماذا تبكين يا أمي؟ هل وجهك يؤلمكِ؟”. مسحت دموعي بسرعة وحاولت رسم ابتسامة باهتة على وجهي، بينما أصابعي ترتجف وهي تكتب للرقم المجهول: “من أنت؟ وماذا تعرف عنهم؟”.
لم يأتِ الرد فورًا.
جلست على مقعد خشبي متهالك أمام الصيدلية، والمارة يرمقونني بنظرات تجمع بين الفضول والشفقة. وفي تلك اللحظة، رن هاتفي. لم يكن الرقم المجهول، بل كان “رأفت”.
أجبت بصوت جامد:
“نعم.”
جاء صوته هادئًا بشكل مريب، نبرة “الندم المصطنع” التي يتقنها حين يدرك أن الدجاجة التي تبيض ذهبًا قد هربت من القفص:
“أميرة، حبيبتي.. أعتذر عما حدث. كنت مضغوطًا، وأنتِ تعرفين أن هبة مثل ابنتي. عودي إلى البيت وسنحل كل شيء بالمعروف. سليم يبكي ويريد ألعابه.”
نظرت إلى سليم الذي كان صامتًا تمامًا بجانبي، وعلمت أن رأفت يكذب كالعادة. قلت بلهجة لم أعهدها في نفسي من قبل:
“رأفت، البطاقة تم إيقافها. والمحاولات الثلاث التي قامت بها هبة وصلتني بها إشعارات. أخبرني يا زوجي العزيز.. منذ متى وأنت تخطط لتشطيب شقة جديدة بمالي؟”
ساد صمت ثقيل على الطرف الآخر. أنفاسه أصبحت مسموعة، ثم تحولت لهجة الهدوء إلى فحيح غاضب:
“أنتِ تراقبيننا؟ اسمعي يا أميرة، إن لم تعودي الآن وتلغي إيقاف البطاقة، فلن تري سليم مرة أخرى. أنا والده ومن حقي حضانته!”
أغلقت الخط في وجهه دون كلمة. لم يعد للرعب مكان، حل محله غضب أسود. وفي تلك اللحظة، وصلت رسالة جديدة من الرقم المجهول:
“لا تعودي. الشقة التي يشطبونها ليست لهبة. الشقة باسم رأفت، وقد اشتراها بالمال الذي كنتِ تظنين أنه يذهب لعلاجه من (الأزمة المالية) المزعومة.. والأدهى من ذلك، أن الشقة هي (عش الزوجية) الجديد. رأفت سيتزوج في العيد.”
توقفت أنفاسي. شعرت ببرودة تسري في أطراف جسدي رغم حرارة الجو. المال الذي حرمت نفسي منه، الذهب الذي بعته، الساعات التي قضيتها في العمل بينما كانت حماتي تتهمني بالتقصير.. كل ذلك كان ليبني بيتًا لامرأة أخرى؟
فجأة، شعرت بظل يقف فوقي. رفعت رأسي بذعر، ظننت أنه رأفت.
لكنها كانت “سعاد”، جارتي التي أشاحت بنظرها عني حين خرجت من المنزل. كانت تحمل حقيبة صغيرة في يدها، وبدت قلقة للغاية.
قالت بهمس وهي تتلفت حولها:
“أميرة، خذي هذا.. مفتاح سيارتي بالخارج. اذهبي الآن قبل أن يلحق بكِ. رأفت وهبة استقلا تاكسي منذ دقائق، وأظنهما في طريقهما إلى بيت والدتكِ ليسبقاكِ إلى هناك ويأخذا سليم منكِ بالقوة.”
اتسعت عيناي. “كيف عرفتِ كل هذا يا سعاد؟”
نظرت إليّ بأسى وقالت: “أنا صاحبة الرسالة المجهولة يا أميرة. زوجي هو المهندس الذي يشطب شقة رأفت الجديدة، وقد سمعتهم اليوم وهم يضحكون على (سذاجتك) وكيف أنكِ ستمولين حتى حفل زفافه دون أن تدري. لم أحتمل الصمت أكثر.”
أمسكت يدها بقوة، لم تكن هناك كلمات تكفي لشكرها. حملت سليم وركضت نحو سيارتها. لم أتوجه إلى محطة القطار، ولم أذهب إلى الإسكندرية مباشرة.
توقفت أمام فرع البنك الرئيسي.
دخلت بوجهي المتورم، وعيني التي بدأ لونها يميل للازرقاق. طلبت مقابلة المدير.
“أريد كشف حساب تفصيلي لكل التحويلات التي تمت من حسابي لحساب زوجي وحماتي في الستة أشهر الأخيرة.. وأريد رفع دعوى (حجز تحفظي) الآن.”
بينما كنت أنتظر، رن هاتفي مرة أخرى. هذه المرة كانت “هبة”.
“أميرة.. أنتِ تظنين أنكِ ذكية؟ لقد وصلنا إلى بيت والدتكِ في الإسكندرية. إذا لم تفتحي الحساب الآن، فستسمعين أخبارًا سيئة عن والدتكِ المريضة.”
ابتسمت وسط دموعي، وضغطت على زر “تسجيل المكالمة”.
قلت بهدوء: “أعيدي ما قلتِ يا هبة.. فالمحامي والشرطة معي على الخط الآخر.”
لم تكن “أميرة” القديمة هي من تتحدث. كانت امرأة أخرى، امرأة ولدت من رحم الإهانة، وقررت أن كوب الشاي الذي حرق وجهها، سيحرق كل الجسور التي تربطها بهؤلاء الوحوش.
**يتبع…**
