بعد وفاة جوزي حكايات رومانى مكرم 3

صوت رزع الباب كان بيهز الحيطان، ونورا صرخت وهي بتمسك في كتفي ورجليها مش شايلاها. قفلت الصندوق الحديدي بسرعة وسحبت المفتاح، وأخدت الملف الأسود وجهاز التسجيل في حضني وقمت وقفت وأنا ببص حواليا زي القتيل اللي بيدور على طوق نجاة.

“ماما! هنعمل إيه؟ الباب هيتكسر!” نورا كانت بتتكلم وهي بتعيط بهيستريا.

بصيت لأوضة النوم القديمة.. كان فيها شباك كبير بيطل على منور العمارة، والمنور ده كان واصل بأسطح البيوت اللي جنبنا لأن العمارات في شبرا القديمة لزق في بعضها. قلت لنورا بصوت واطي وحاسم طرد كل الخوف اللي جوايا:

“على الشباك يا نورا.. بسرعة!”

جرينا على الشباك وفتحته، الهوا العفن بتاع المنور خبط في وشنا. كان في مواسير غاز قوية متثبتة في الحيطة ومعدية جنب الشباك بالظبط وواصلة لسطح البيت اللي جنبنا. في نفس اللحظة، سمعنا صوت خشب الباب الخارجي وهو بيتحطم ويترزع في الأرض.. الرجالة دخلوا الشقة!

“اطلعوا بسرعة فتشوا الأوض!” الصوت كان قاسي وجاي من الصالة.

مسكت إيد نورا وعديتها من الشباك وهي بترتعش، وقلت لها: “امسكي في ماسورة الغاز واطلعي على السطح اللي جنبنا، متخافيش يا بنتي.. امسكي جامد.”

نورا بدافع الغريزة والخوف طلعت زي القطة، وأنا طلعت وراها وأنا حاطة الملف والجهاز جوه عبايتي ومثبتاهم بحزامي. أول ما رجلي لمست سطح البيت اللي جنبنا، سمعنا صوتهم جوه أوضة النوم:

“مش هنا! الشباك مفتوح.. هربوا من المنور!”

مستنيناش.. جرينا على سطح البيت التاني ونزلنا من سلالمه وبسرعة البرق كنا في الشارع الوراني، والحمد لله مكنش فيه حد واقف هناك. ركبنا تاكسي وأنا بلمح من الزجاج الخلفي عربياتهم السمرة وهي بتلف حوالين المربع السكني زي الـذئاب الجعانة.

قلت للسواق بصرامة: “على وسط البلد يا أسطى.. بسرعة.”

جوه التاكسي، حطينا سماعة جهاز التسجيل الصغير في ودني أنا ونورا، وضغطت تشغيل تاني عشان نفهم السطر اللي اقطع.. صوت محمود الله يرحمه رجع يتردد في ودننا، وكان بينهج وكأنه بيسابق الزمن:

“الأراضي اللي بيتكلموا عليها دي مش أراضي يا كريمة.. دي شفرات حسابات سرية في بنوك سويسرا، الحسابات دي فيها غسيل أموال لعمليات تهريب آثار وسلاح تخص ‘الباشا الكبير’.. الباشا ده يبقى (أكمل بيه الملطاوية).. رجل الأعمال المعروف. أنا لما عرفت الحقيقة وحاولت أبعد، هددوني بيكوا، فاضطريت أعمل نفسي مديون وخسران عشان أبعد عيونهم عني، وهربت الشفرات دي في الملف الأسود.. الملف ده فيه المستندات الأصلية اللي تودي أكمل الملطاوية المشنقة.. لو وقع في إيدهم، إحنا انتهينا.. لازم تسلموا الملف ده لشخص واحد بس أنا مأمنه.. اسمه…”

فجأة الصوت بدأ يشوش.. والشريط سف جوه الجهاز والتحشير زاد لحد ما الصوت وقف تمامًا!

نورا بصتلي بذهول وقالت: “الاسم اتمسح يا ماما! الشريط سف.. مش عارفين مين الشخص!”

طلعت الملف الأسود وإيدي بترتعش، وفتحته.. كان كله أرقام وجداول حسابات معقدة باللغة الإنجليزية، وفي آخر صفحة.. كان فيه كارت شخصي مدبس بدبوس مصدي.. كارت مكتوب عليه اسم وظيفته: “المستشار العسكري بمجلس الوزراء”.. وتحته اسم الشخص وميعاد مكتوب بخط الإيد: (الجمعة الساعة ٥ مساءً في مكتبه).

بصيت في الساعة اللي في إيدي.. كانت الجمعة، والساعة بقت ٤:١٥ العصر.. ومفيش قدامنا غير ٤٥ دقيقة بس عشان نوصل، يا إما رجالة الباشا هيوصلوا لينا ويمسحونا من الدنيا.

وقبل ما أطلب من السواق يغير الوجهة، لقيت تليفون نورا اللي في جيبها بيتهز.. مكنش رنين، دي كانت رسالة “واتساب” مبعوتة من رقم مجهول.. فتحتها نورا وشهقت وهي بتوريني الشاشة.

الرسالة كانت صورة لايف.. لعم عبده البواب القديم وهو مربوط على كرسي في شقتنا وشبه غرقان في دمه، وتحتها جملة واحدة:

“الملف.. مقابل روح الغلبان ده.. قدامكم نص ساعة في المكان اللي هقولكم عليه، وإلا رقبته هتتطير فورا.”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

دموع نورا نزلت زي الشلال وهي شايفة صورة عم عبده البواب، الراجل الطيب اللي ملوش أي ذنب في دوامة الموت دي. بصتلي وصوتها بيترعش:

“ماما.. عم عبده هيموت بسببا.. هنعمل إيه؟ نروح للمستشار العسكري ولا ننقذ الراجل؟”

الضغط كان رهيب، والساعة كانت بتجري ضدنا. ٤٥ دقيقة تفصلنا عن حمايتنا وحبس الباشا، ونص ساعة تفصل عم عبده عن الموت. بصيت للكارت وبصيت لصورة عم عبده، وفجأة افتكرت جملة محمود اللي كان دايماً يقولها: “اللي بيلعب مع الذئاب، لازم يفكر بذكاء الثعالب.”

مسكت تليفون نورا، وكتبت رسالة للرقم المجهول:

“الملف معانا.. بس مش هنسلمه غير في مكان عام. ميعادنا الساعة ٥ بالظبط في ساحة مسجد الحسين.. لو عم عبده جرى له حاجة، الملف ده هيتنشر على كل وسائل الإعلام في نفس اللحظة.”

أنا كنت بكدب وبشتري وقت، ومكنتش هنشر حاجة.. أنا كنت برمي الطُعم عشان أسحبهم للمكان اللي أنا عاوزاه.

التفت للسواق وقلتله بصوت زلزل عربية التاكسي:

“اطلع بينا على مجلس الوزراء.. بأقصى سرعة عندك يا أسطى، الأرواح هتروح!”

السواق حس بالخطر وطار بالعربية في شوارع القاهرة. وصلنا البوابة الرئيسية لمجلس الوزراء الساعة ٤:٥٠ دقيقة. نزلت أنا ونورا وبأيدينا الملف الأسود، وجرينا على عساكر الحراسة.

“عاوزين نقابل المستشار العسكري حالا.. الموضوع حياة أو موت ومعانا أمانة من محمود الشافعي!” زعقت بكل صوتي.

العساكر في الأول افتكرونا مجانين، بس لما شافوا الكارت المدبس في الملف والجدية والرعب اللي في عيوننا، واحد منهم اتكلم في اللاسلكي بسرعة. خلال دقيقتين، خرج لنا ضابط برتبة عقيد، ملامحه صارمة جداً، أخد الكارت والملف وبص فيهم وفجأة وشه اتغير تماماً.

“اتفضلوا معايا فوراً!” قالها وهو بيشاور لينا ندخل.

دخلنا مكتب فخم، وكان قاعد وراه راجل بزي عسكري وهيبة تهز المكان. أول ما شافنا وقف وقال بنبرة مليانة أسى واحترام:

“أهلاً بزوجة وبنت البطل محمود الشافعي.. محمود مكنش مجرد مستشار مالي، محمود كان عميل لينا وبيكشف أكبر شبكة فساد وتهريب في تاريخ البلد، ومات مسموم على إيديهم عشان يرفض يسلمهم الشفرات.. بقالنا سنتين مستنيين اللحظة دي.”

أنا ونورا انهرنا من البكاء لما عرفنا إن محمود مات بطل مش مديون ولا هربان. بس مسحت دموعي بسرعة وقلت للمستشار العسكري:

“سيادتك.. عم عبده البواب بيموت في شقتنا في شبرا، ورجالة أكمل الملطاوية مستنيينا في الحسين كمان 10 دقائق عشان ياخدوا الملف!”

المستشار العسكري ابتسم ابتسامة ثقة وضرب جرس المكتب، فدخل ضابط من العمليات الخاصة. المستشار بص له وقال بلهجة حاسمة كالسيف:

“تحرك فوراً بـمجموعتين قتاليتين.. المجموعة الأولى تقتحم شقة شبرا وتحرر الرهينة وتجيب الكلاب اللي هناك حيين.. والمجموعة الثانية تقلب ساحة الحسين كمين متحرك، وتلقوا القبض على اللي مستنيين الاستلام.. والقبض على أكمل الملطاوية من بيته حالا بتهمة الخيانة العظمى وقتل النفس.”

التفت لينا وقال: “انتوا هنا في أمان.. والقصة اللي بدأت من سنتين، هتنتهي النهاردة.”

قعدنا في المكتب وأنفاسنا بدأت ترتاح لأول مرة من شهور. مرت ساعة كاملة كأنها دهر، لحد ما تليفون المكتب رن. المستشار العسكري رد، وفجأة ملامحه اتقبضت وعينيه حادت بقلق وهو بيبص لينا.. وقفل الخط وقال بصوت واطي:

“المجموعة الأولى حررت عم عبده وقبضت على الرجالة في شبرا.. والمجموعة الثانية قبضت على القوة اللي في الحسين.. لكن..”

نورا وقفت بلهفة: “لكن إيه يا فندم؟ أكمل الملطاوية اتقبض عليه؟”

المستشار العسكري تنهد وقال: “قوة المداهمة راحت قصر أكمل الملطاوية.. لقوه مقتول برصاصة في دماغه على مكتبه، وفي رسالة مكتوبة بدمه على الحيطة.. رسالة موجهة ليكي انتِ بالذات يا مدام كريمة!”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

الرسالة اللي كانت مكتوبة بالدم على الحيطة ورا جثة أكمل الملطاوية كانت بتهز القلوب، المستشار العسكري قراها لينا بصوت هادي:

“الحمل الزايد مابيموتش لوحده.. الأفاعي بتغير جلدها بس السم بيفضل في المكان.”

نورا مسكت في إيدي وهي بترتعش وسألت: “يعني إيه يا ماما؟ مين اللي قتله؟ ومين الأفاعي دي؟”

بصيت للمستشار العسكري ولقيت في عينيه نظرة فهم عميقة، أخد نفس طويل وقال: “أكمل الملطاوية مكنش هو الراس الكبيرة يا بنتي.. كان مجرد واجهة، ولما عرف إن الملف السري وصل لإيدنا وشفرات الحسابات اتمسكت، الشركاء الكبار اللي فوقه خلصوا منه عشان يدفنوا أسرارهم معاه.. الأفاعي الحقيقية لسه مستخبية.”

نورا عيطت بيأس وقالت: “يعني الكابوس مش هينتهي؟ هنفضل هربانين طول عمرنا؟”

في اللحظة دي، حسيت بحكمة السنين كلها بتجمع في قلبي. الحزن والخوف اللي عشتهم تلت شهور فاتوا مبقوش ليهم مكان جوايا، اتحولوا لقوة وثبات. قربت من نورا، أخدتها في حضني وطبطبت عليها وقلت لها بصوت مليان يقين:

“لا يا نورا.. الكابوس انتهى خلاص. طول ما الملف ده في إيد الحكومة وفي إيد رجال البلد المخلصين، الشفرات دي اتقفلت والفلوس اجمّدت، يعني الأفاعي اللي بيتكلموا عنهم مبقاش ليهم مصلحة معانا.. هما كانوا بيدوروا على الفلوس، والفلوس خلاص راحت للدولة.. إحنا برة اللعبة دي من النهاردة.”

المستشار العسكري ابتسم بحترام ووقف، أدى التحية العسكرية ليا ولنورا وقال: “الست الوالدة بتتكلم بحكمة حقيقية. محمود الشافعي الله يرحمه مات بطل عشان يحمي الأمانة دي، والنهاردة الأمانة وصلت لأصحابها. من اللحظة دي انتوا تحت الحماية الكاملة للدولة، وعم عبده البواب اتنقل المستشفى وحالته مستقرة وهيتكفل المجلس برعايته بالكامل.. ارفعوا راسكم.. أبوكي يا نورا صان البلد، وأمك صانت بيتها وعِرضها.”

خرجنا من مبنى مجلس الوزراء وأنا ساندة على إيد نورا، والشمس كانت بتغيب وبتعلن نهاية يوم طويل ومليان بالدموع والدم. بصيت للسما ودعيت لمحمود بالرحمة، وعرفت إن الهدوء اللي دخل حياتي بعد وفاته مكنش سحب للصوت.. ده كان الهدوء اللي بيسبق العاصفة عشان يخليني قوية ومستعدة.

لفيت ونظرت لنورا، وابتسمت وقلت لها: “يالله يا بنتي نرجع بيتنا.. الحمل الزايد انزاح عن كتافنا، والخوف اللي كان محاوطنا ملوش مكان وسط القلوب المؤمنة بالحق.. الشدة بتعلمنا مين اللي يستهل يشيل معانا، ومين اللي كان مستنينا نقع.. والحمد لله، وقعنا ووقفنا على رجلينا من تاني.. أقوى وأنضف.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *