الملياردير 2
عجلات العربية المرسيدس الضخمة بتاعة عامر كانت بتصرخ وهي بتفرمل بعنف، لدرجة إنها علّمت أسود على أسفلت الكومباوند الهادي.
عامر وقف العربية بالعرض في نص الطريق، ونزل منها زي المجنون. عينه قطعت المسافة اللي فاضلة لحد البوابة الرئيسية، وهناك.. لمحها.
كانت إيمان لسه ماشية، خطوتها بطيئة ومكسورة، ضهرها محني من تقل الشنطة البلاستيك اللي في إيدها، ومن تقل الهم والإهانة اللي شايلاهم فوق كتافها. الجوانتي الأصفر كان لسه في إيدها، والناس والسكان اللي راكبين عربياتهم الفارهة كانوا بيبصوا عليها باستغراب وقرف وهي ماشية بجلبية الشغل الكحلي وسط كل الرفاهية دي.
“إيماااااان!”
الصرخة طلعت من حنجرة عامر بقوة زلزلت المكان. الصوت مكنش صوت عامر الهواري، الملياردير صاحب الشركات؛ ده كان صوت أب ملهوف، صوت إنسان بيموت من الرعب والندم.
إيمان اتنفضت في مكانها لما سمعت صوته. وقفت، وجسمها كله بدأ يترعش. أول فكرة جاد في بالها إن البوليس جاي ياخدها، وإن عامر جاي يكمل عليها ويسجنها بتهمة السرقة اللي ليلى لفقتها لها. غمضت عينيها بوجع، ودموعها نزلت سخنة على تراب الشارع، وقالت في سرها: “يارب.. أنا ملّيش غيرك، أنت عالم بأمانتي.”
رفضت تلف وشها، وفضلت واقفة مدياله ضهرها.
عامر وصل عندها وهو بيلهث، أنفاسه متقطعة، وعينيه حمراء دم من كتر العياط والصدمة. وقف ورا ضهرها بكام خطوة، ومكنش قادر ينطق من كتر الخزي.
“إيمان.. أنا.. أنا عرفت كل حاجة.”
الكلمة نزلت على ودن إيمان زي الصاعقة. لفت وشها ببطء، وعينيها جت في عينه. عامر شاف في عينيها كمية انكسار ووجع خلت قلبه يتعصر.
في اللحظة دي، وبدون أي مقدمات، وأمام نظرات أفراد أمن الكومباوند اللي واقفين على البوابة، ووسط ذهول السكان اللي هَدّوا عربياتهم عشان يتفرجوا على المشهد.. عامر الهواري، الراجل اللي مبيوطيش راسه لمخلوق، نزل على ركبه في وسط التراب تحت رجلي إيمان!
مد إيده اللي كانت بترتعش، ومسك الشنطة البلاستيك الرخيصة من إيدها وحطها جنبه على الأرض، ورفع عينه ليها وهو بيبكي بحرقة وقال بصوت متحشرج: “سامحيني.. أنا وبوس تراب رجلك سامحيني.. ليلى كانت بتموت ولادي بالبطيء، وأنتِ الوحيدة اللي كنتِ واقفة في وش الموت عشانهم.. أنا ظلمتك، ودوست على كرامتك وأنتِ شايلة لحمي وعرضي في عيونه!”
إيمان رجعت خطوة لورا بصدمة، مكنتش مصدقة إن الحوت عامر الهواري راكع تحت رجليها في وسط الشارع وبيعيط كأنه طفل صغير.
قالت بصوت مخنوق ومتحشرج: “يا بيه.. ارفع راسك، متعملش في نفسك كدة.. أنت عامر الهواري.”
عامر صرخ وهو لسه راكع: “ملعون عامر الهواري وملعونة فلوسي وشركاتي لو كانت هتحرمني من ولادي! الولاد جوه بيموتوا من الرعب يا إيمان.. مش راضيين يخلوني ألمسهم، مستخبيين ورا الستائر وبيصرخوا باسمك أنتِ! هما مش عاوزين أبوهم.. هما عاوزين أمهم اللي حمتهم!”
كلمة “ولادي جوه بيموتوا من الرعب” كانت كفيلة إنها تطفي أي نار زعل أو كرامة جوه قلب إيمان. في ثانية واحدة، نسيت إهانة عامر، ونسيت الساعة الرولكس، ونسيت الجوانتي الأصفر اللي في إيدها. قلب الأم اللي جواها اتقدم على كل حاجة.
وطت بسرعة ومسكت عامر من كتافه وهي بتبكي: “قوم يا عامر بيه.. قوم أرجوك متبهدلش نفسك كدة وسط الناس.. الولاد فيهم إيه؟ ليلى عملت لهم حاجة؟”
عامر وقف وهو بيمسح دموعه بكم قميصه وقال بصوت مكسور: “طردت ليلى والبوليس في الطريق ليها.. بس العيال حالتهم هستيرية، رافضين كل حاجة، وشريط الدواء اللي أنتِ خبيتيه.. هما اللي فرجوني عليه. إيمان.. أرجوكِ ارجعي معايا.. متسبيش العيال، أنا ماليش عين أطلب منك كدة، بس لو مش عشاني.. عشان سليم وياسين وكريم.”
إيمان بصت للشنطة البلاستيك في الأرض، وبعدين بصت في عين عامر وشافت صادق ندمه وخوفه على ولاده. هزت راسها بالمواقف، وقالت: “يلا بينا يا بيه.. العيال ملهمش ذنب.”
ركبوا العربية، وعامر طار بيها تاني في اتجاه الفيلا. طول الطريق، عامر مكنش قادر يبص في المراية من كشفت نفسه قدام إيمان، وكان عمال يفكر إزاي هيعوض الست دي عن الوجع اللي سببهولها.
أول ما العربية وقفت قدام باب الفيلا، إيمان من تفتش عامر يفتح لها الباب؛ نزلت تجري بسرعة جنونية، وفتحت باب الفيلا ودخلت وهي بتصرخ بلهفة: “سليم! ياسين! كريم! أنا جيت يا حبايب قلبي.. أنا هنا!”
في ثانية واحدة، السكوت المرعب اللي كان جوه الفيلا اتقطع بصوت رجلين صغيرة بتجري بسرعة.. العيال الثلاثة رموا نفسهم من ورا الستائر، ونزلوا يجروا على السلم وهم بيصرخوا: “ددا إيمان! ددا إيمان!”
ارتموا كلهم في حضنها لدرجة إنهم وقعوا على الأرض الرخام سوى. إيمان كانت حاضناهم بتلات إيدين، بتعيط وبتَبْوس في وشوشهم وشعرهم، والعيال كانوا متبتين في جليبتها الكحلي كأنهم لو سابوها هيختفوا تاني. كانوا بيترعشوا، وهي بتهديهم وتقرأ لهم قرآن في ودانهم وتمسح على صدورهم.
عامر كان واقف عند الباب، ساند ضهره على الحيطة، حاطط إيده على بوقه وهو بيعيط في صمت ومذهول من المشهد. عرف في اللحظة دي إن الفلوس ممكن تشتري أي حاجة في الدنيا.. إلا الحنان والأمان الصادق اللي إيمان بتديه لولاده من غير مقابل.
بعد حوالي ساعة، العيال بدأوا يهدوا تماماً، وناموا التلاتة في حضن إيمان على الكنبة الكبيرة من كتر التعب والخوف اللي عاشوه.
إيمان غطتهم براحة، ووقفت عشان تمشي، لكن عامر قرب منها بخطوات بطيئة، وبصوت واطي جداً عشان العيال متصحاش قالها: “إيمان.. المكتب بتاعي جوه مفتوح.. ممكن ندخل نتكلم خمس دقائق؟ في حاجات كتير لازم تتصلح حالا.”
إيمان هزت راسها ومشيت وراه على المكتب، وهي مش عارفة عامر ناوي يعمل إيه، وإيه المفاجأة الضخمة اللي عامر مجهزها عشان يقلب بيها حياة إيمان رأساً على عقب ويعوضها عن كل لحظة ذل عاشتها في بيته!
يا ترى عامر الهواري هيعرض إيه على إيمان جوه المكتب عشان يضمن إنها تفضل مع ولاده طول العمر وماتسيبهمش؟ وإيه اللي هيحصل لليلى المنصوري بعد ما البوليس قبض عليها وشريط الدواء وبلاغ عامر بقوا حبل المشنقة حوالين رقبتها؟ تابعو صفحه رومانى مكرم
دخلت إيمان ورا عامر مكتبه الفخم، كانت واقفة محنية الراس ومشبكة إيديها اللي لسه بالجوانتي الأصفر قدامها، كأنها لسه مستنية حُكم جديد، بس المرة دي عامر قفل الباب وبص ليها بنظرة مليانة احترم وتقدير وعجز في نفس الوقت.
عامر مشى لحد مكتبه الكنز، فتح الدرج وطلع منه دفتر الشيكات، بس قبل ما يمسك القلم، لف ووقف قدام إيمان وبص في عينيها مباشرة وقال بصوت هادي ونبرة صادقة: “إيمان.. أنا عارف إن الفلوس مبتغسلش الإهانة، وعارف إن كرامتك اللي اتهدرت في الشارع ملهاش تمن.. بس أنا مش بكتب شيك عشان أشترك، أنا بكتب عشان أصلح غبائي.”
إيمان رفعت راسها وقالت بعزة نفس: “أنا مش عاوزة فلوس يا عامر بيه.. أنا رجعت عشان خاطر العيال واللقمة اللي كلتها في البيت ده ٣ سنين، أنا مش حرامية وميهمنيش الملايين.”
عامر هز راسه بسرعة وقال: “أنا عارف.. والله العظيم عارف، وعشان كدة أنا مش هعرض عليكِ مرتب شغالة.. إيمان، من اللحظة دي، مفيش حاجة اسمها الشغالة إيمان في البيت ده.. البدل الكحلي دي تتولع فيها، والجوانتي ده يتمحي من حياتك.”
إيمان بصتله باستغراب، فكمل عامر وهو بيفتح شيك بمبلغ خيالي وبيحطه في إيدها: “ده شيك بمليون جنيه.. ده مش مرتبك، ده حق كرامتك وحق السهر والخوف على ولادي طول الشهور اللي فاتت.. ومن بكرة، إنتِ هتبقي المشرفة المسؤولة عن القصر كله، ليكي جناح خاص بيكي وبأثاث فخم زي أي فرد في العيلة دي، وكلمتك هتمشي على الكبير قبل الصغير.. إنتِ من النهاردة صاحبة مكان.”
دموع إيمان نزلت تاني، بس المرة دي كانت دموع راحة واطمئنان إن حقها رجع وراسها اترفعت قدام الكومباوند كله. هزت راسها وقالت: “ربنا ينصرك يا بيه.. وأنا عمري ما هقصر مع العيال.”
وفي نص الكلام، تليفون عامر رن بصوت عالي.. كان المتصل هو العقيد مصطفى من قسم الشرطة. عامر فتح الخط بسرعة وحطه على السبيكر عشان إيمان تسمع.
“أيوة يا عامر بيه.. البلاغ اللي قدمته اتقيد، وقوة من القسم قبضت على المدعوة ليلى المنصوري وهي بتحاول تخرج من بوابة الكومباوند التانية في عربيتها.. فتشنا الشنطة بتاعتها ولقينا علبتين كاملين من نفس المادة المخدرة الممنوعة، وبمعاينة كاميرات الفيلا والمطبخ، وتفريغ تسجيلات اللاب توب بتاعك، ظهرت ليلى وهي بتهرس الحبوب وتدوبها في العصير للتوأم.. القض*ية لبستها رسمي بتهمة الشروع في قت*ل قصر مع سبق الإصرار والترصد.”
عامر حس بنار جوه صدره بتهدى، وبصوت حاد وزي الس*كين قال: “مش عاوز أي ثغرة في القض*ية يا فندم.. دي كانت عاوزه تق*تل ولادي عشان الميراث، أنا هبعت أكبر محامين في مصر للنيابة بكرة عشان يضمنوا إنها تاخد أقصى عقوبة وماتشوفش الشمس تاني.”
قفل عامر الخط، وبص لإيمان وقال: “حقك وحق ولادي جه يا إيمان.. ليلى انتهت ومستقبلها ضاع ورا القضبان.”
عدت الأيام، وتحولت الفيلا من سجن رخامي ساقع لجنة حقيقية مليانة ضحك ولعب. إيمان قلعت جلبية الشغل وبقت تلبس أرقى الهدوم، وبقت هي الكل في الكل.. العيال صحتها ردت وبقوا يجروا ويلعبوا بوشوش منورة بعد ما السموم طلعت من جسمهم تماماً، وعامر بقى يرجع من شغله بدري مخصوص عشان يقعد معاهم ويشوف ضحكتهم.
وفي يوم، بعد حوالي شهرين من الحادثة، عامر كان قاعد في الجنينة بيتفرج على إيمان وهي بتلعب مع سليم وياسين وكريم الكورة، والضحكة مالية المكان. عامر كان باصص لإيمان بنظرات غريبة.. نظرات مفيهاش بس إعجاب أو امتنان، دي نظرات راجل لقى في الست دي كل حاجة كان بيموت ويلاقيها.. لقى فيها الأم الحقيقية لولاده، والسند، والنظافة، والطهارة اللي ملقاهاش وسط بنات العائلات الكبيرة.
عامر وقف من مكانه، ومشى ببطء لحد ما وصل لإيمان، العيال جريوا يلعبوا بعيد شوية، عامر بص في عيون إيمان اللي بقت مليانة لمعة فرحة، وقال بنبرة صوت دافية وأول مرة يسمعها منه: “إيمان.. القصر ده لسه ناقصه حاجة كبيرة أوي عشان يبقى بيت بجد.. والعيال دول ناقصهم حاجة قانونية تحميهم وتثبت إنك أمهم طول العمر.”
إيمان اتلخبطت وبصت للأرض بكسوف: “ناقصه إيه يا بيه؟ إحنا مش مقصرين في حاجة.”
عامر قرب خطوة وقال بابتسامة وهدوء: “ناقصه إنك تبقي مرام عامر الهواري.. على سنة الله ورسوله.. إيمان، تقبلي تتجوزيني وتكوني الست الوحيدة اللي بتنور حياتي وحياة ولادي؟”
الصدمة لجمت لسان إيمان.. الملياردير عامر الهواري بيطلب إيدها للجواز بعد ما كانت شغالة عنده!
يا ترى إيمان هترفض من كتر عزة نفسها وخوفها من كلام الناس والفرق الاجتماعي؟ وإللي هيحصل لما عيلة عامر وأهل ليلى المنصوري يعرفوا بالخبر ده ويبدأوا يخططوا عشان يمنعوا الجوازة دي بكل الطرق القذرة؟ وإيه السر القديم اللي هيتفتح من ماضي إيمان وهيقلب الموازين كلها في الجزء اللي جاي؟
