بعد وفاة جوزي حكايات رومانى مكرم 1
بعد وفاة جوزي “محمود”، انتقلت أعيش عند بنتي “نورا”. في ليلة من الليالي سمعتها بتهمس في التليفون، وصوتها متوتر وأنفاسها متقطعة:
“هي بقت ضغط علينا… الحمل زايد.”
إيدي ارتعشت، بس سكت. ما اتكلمتش.
لمّيت حاجتي في شنطة واحدة، واختفيت.
بعد شهور، لقيتها واقفة على بابي بتعيط:
“يا ماما، أرجوكي ساعديني.”
وفي عينيها المكسورين، فهمت إن اللي اتقال زمان ماكانش زي ما أنا فهمته.
بعد ما محمود مات، الهدوء دخل حياتي كأنه سحب كل صوت منها. بعت الشقة الصغيرة اللي ماعدتش قادرة أتحملها، ووافقت أروح عند بنتي “نورا” في القاهرة.
“تعالي يا ماما اقعدي معايا، أوضه الضيوف فاضية وهترتاحي.”
البيت كان منوّر وواسع. قلت لنفسي إنه كله مؤقت.
كنت بساعد في المطبخ، أعمل الأكل، وأرتب الغسيل.
وهي كانت بتخرج الصبح وترجع بالليل، وأنا بحاول أكون شبه الشبح… ما أبانش كتير.
حكايات رومانى مكرم
في ليلة، صحيت على صوتها في الصالة.
مكنتش ناوية أسمع، بس البيت كان ساكت قوي.
كانت بتكلم صاحبتها “سلمى” بصوت واطي:
“أنا تعبت… هي قاعدة طول اليوم في البيت… بقت حمل زايد علينا… تقيلة.”
قلبي وقع في رجلي.
سلمى ردت بحاجة ما سمعتهاش كويس، ونورا كملت:
“أنا بس لما أخلص ورق البنك، كل حاجة هتتظبط… بس ماينفعش أسيبها تقع.”
في الصبح، كانت طبيعية جدًا.
دخلت جابتلي عيش وسألتني نمت كويس؟
وابتسمت وقلت: أيوه.
بس في نفس اليوم، وأنا في الأوضة، فتشت في حاجتي.
لقيت ظرف عليه اسمي وشعار البنك.
جواه أوراق بتقول إني “ضامن” على قرض، وتمديد رهن، وتوقيع باسمي… تاريخه قريب ومحدد.
صورت الورق بالموبايل.
ما صرختش. ما عيطتش. ما واجهتش.
بس في نفس الليلة، لمّيت هدومي، ودوائي، وصورة محمود، وحطيتهم في شنطة سفر.
وسيبت ورقة صغيرة:
“محتاجة أكون لوحدي. ماتدوريش عليا.”
ومشيت.
قعدت عند ابن عمي في كفر الشيخ. وقفلت رقم نورا.
كان صعب… بس أهون من إني أعيش وإحس إني زيادة على حد.
بعد 3 شهور، الساعة 6:30 الصبح، جرس الباب رن بشكل عنيف.
فتحت الباب.
لقيت نورا واقفة، وشها منهار من العياط، وراجل لابس بدلة ماسك ملفات.
مسكت إيدي جامد وقالت وهي بتترعش:
#الكاتب_رومانى_مكرم
“يا ماما… لو ماوقعتش النهارده، هنخسر كل حاجة… البيت هيتاخد.”
وفي اللحظة دي، فهمت حاجة وجعتني أكتر من الحزن نفسه:
إن “الحِمل الزايد” ماكانش أنا…
كان الخوف.
و
نورا وقعت على ركبها في الأرض، وبدأت تعيط بشهقات عالية، والراجل اللي لابس بدلة اتنحنح بحرج وبص في ساعته وقال بنبرة جافة:
“يا فندم، فاضل أقل من ساعتين على ميعاد الحجز والإجراءات القانونية. لو المدام ما وقعتش على التنازل وصحة الضمان، البنك هيبدأ التنفيذ فورًا.”
بصيت لبنتي وهي منهارة، وبصيت للأوراق اللي في إيد الراجل. الغضب اللي كان جوايا تاه، وحل محله وجع من نوع تاني. نورا رفعت عينيها ليا، دموعها مغرقة وشها، وقالت بصوت مبحوح:
“والله ما كنتي حمل عليا يا ماما.. الحمل كان الديون اللي محمود سابها قبل ما يموت، الالتزامات اللي كان لازم تتدفع عشان اسم بابا يفضل نظيف ومحدش يطالبنا بحاجة.. أنا كنت هضيع لوحدي.”
سألتها بجمود وأنا بحاول أتماسك:
“وليه ما قولتليش؟ ليه تخليني أسمع كلامك وأفتكر إنك بتبيعي أمك؟”
نورا مسكت رجلي وقالت:
“كنت خايفة عليكي.. صدمة موت بابا كانت كفاية، والدكاترة قالوا إن قلبك مش هيستحمل أي ضغط.. كنت بحارب لوحدي عشان أخلص ورق البنك وأشيل الرهن من غير ما تحسي بحاجة، ولما لقيت الإجراءات معقدة، اضطريت أعمل القرض بضمان الشقة اللي باسمك عشان أسدد ديون بابا.. أنا آسفة يا ماما.. أنا غبية بس مكنتش عاوزة أكسرك.”
الكلام نزل عليا زي الميّة الباردة. الظن الواعش اللي عاش جوايا تلت شهور بدأ يتلاشى، بس لسه في علامة استفهام تانية.. مين اللي عرفها مكاني؟ وكفر الشيخ بعيدة ومحدش يعرف إني عند ابن عمي.
بصيت لابن عمي “صلاح” اللي كان واقف ورايا، ولقيت في عينيه نظرة هروب. صلاح اتكلم بارتباك:
“يا عمتي.. نورا كلمتني من أسبوع وكانت قالبة الدنيا عليكي، ولما حكتلي على موضوع البنك والديون، عرفت إنها مظلومة.. أنا اللي قولتلها تيجي هنا لما الوقت ضيق عليها.”
الراجل صاحب البدلة قطع كلامنا وقال:
“يا فندم، مفيش وقت.. لازم نتحرك على الفرع فورا لو وافقتي، أو تمضي هنا على الإقرار.”
مديت إيدي وأخدت القلم من الراجل، ونورا لسه بتبصلي برعب.. رعب إنها تفقد كل حاجة، وأولهم أنا. وقبل ما سن القلم يلمس الورقة، تليفون نورا رن برقم غريب.
نورا ردت بذهول، وفجأة وشها اتقلب وبقى لونه أبيض زي الأموات، والتليفون وقع من إيدها على الأرض، وبصتلي وهي بتترعش وقالت:
“المحامي بتاع بابا.. بيقول إن شريك بابا القديم ظهر، ومعاه أوراق تثبت إن الديون دي كلها متباعة لشخص تاني.. والشخص ده هو اللي بيحرك البنك ضدنا!”
الراجل صاحب البدلة ملامحه اتغيرت أول ما شاف التليفون بيقع من إيد نورا. ملامحه الجافة اتحولت لتوتر ملحوظ، وبدأ يلم الأوراق بسرعة وهو بيقول:
“لو مش هتوقعي دلوقتي يا فندم، أنا مضطر أمشي.. الإجراءات مش هتستنى مكالمات.”
مسكت إيد الراجل بقوة غريبة عليا، وبصيت في عينيه وقلتله:
“استنى عندك.. الورق ده مش هيتحرك من هنا لحد ما نفهم مين الشخص اللي بيحرككم.”
نورا كانت لسه تحت تأثير الصدمة، لمت التليفون من الأرض وفتحت السبيكر وهي بتعيط وسألت المحامي:
“يعني إيه يا أستاذ رفعت؟ ديون بابا إحنا سددنا أكتر من نصها للبنك! مين الشخص ده؟”
صوت المحامي جه من السماعة مخنوق ومتوتر:
“يا نورا يا بنتي، محمود الله يرحمه قبل ما يموت كان ماضي على شيكات ووصلات أمانة كضمان لشراكة قديمة.. الشريك ده باع الوصلات دي لواحد اسمه ‘طارق السيوفي’.. طارق اشترى الديون دي برخص التراب، واستغل الرهن اللي انتوا عملتوه في البنك، ودفع للبنك وبقى هو الدائن الفعلي ليكم.. يعني الحجز اللي بيحصل دلوقتي مش لصالح البنك.. ده لحساب طارق!”
اسم “طارق السيوفي” نزل عليا زي الصاعقة. بصيت لصلاح ابن عمي، لقيت وشه جاب ألوان، وبدأ يرجع لورا خطوة بخطوة لحد ما ظهرت عليه علامات الرعب.
وقفت وسبت الراجل بتاع البنك، وقربت من صلاح وقلتله بصوت حاد:
“طارق السيوفي؟ مش ده يبقى جوز أختك يا صلاح؟ اللي انت قولتلي إنه سافر الخليج من سنتين؟”
صلاح بلع ريقه وبدأ يتلعثم في الكلام:
“يا عمتي.. أنا.. أنا ماليش دعوة.. طارق هو اللي قالي.. قالي لو عرفت مكانك هيديني قرشين أفك بيهم ضيقتي، وهو قالي إنه عاوز يحل الموضوع معاكم ودي!”
نورا صرخت في صلاح:
“يحل إيه ودي؟! ده جاي يحجز على البيت ويطردنا في الشارع! انت بعت لِمتك عشان الفلوس؟”
في اللحظة دي، الراجل اللي لابس بدلة استغل خناقتنا، وسحب الملفات من على التربيزة وجري ناحية الباب. بس قبل ما يفتح الباب ويخرج، الباب اتفتح في وشه فجأة.. ودخل شخص غريب، ملامحه قاسية، ولابس نضارة شمس شالها ببرود وبص لينا كلنا وقال:
“توفيرًا للوقت.. أنا طارق السيوفي. والبيت ده خلاص مبقاش بتاعكم.. بس أنا عندي عرض تاني خالص للمدام الكبيرة.”
