حكايات زهره الربيع 1
في كل عزومه في بيتي كانت حماتي لازم تتدخل وتبوظ كل ترتيبي وكمان تعزم كل اللي تعرفهم من قريب وبعيد من غير ما تقولي كأنه بيتها وتسيبني محتاسه في الطبيخ لكل الموجودين ، بس في اخر عزومه فاجأتها حتت مفاجأه!
كل عزومة او مناسبه حماتي كانت لازم تيجي قبل الميعاد بساعات، تدخل الشقة كأنها صاحبة البيت، تنكش في السفرة، تعدّل الرّصة، وترص الأطباق على مزاجها، وتوشوش الضيوف قدامي بصوت مسموع:
”أصل ابني حبيبي مايعرفش ياكل ولا يعيش عِيشة عدلة لو ما اتدخلتش بنفسي وظبطت له كل حاجة!”
جوزي «أحمد» كان دايماً يطبطب عليا ويعدّيها بضحكة:
”كبري دماغك يا بنت الحلال، عدّي اليوم عشان خاطري.”
بس الموضوع كان بيزيد عن حده كل سنة. بقت تعزم ناس أغراب وقرايب من بعيد أوي من غير ما تقولي ولا حتة تستئذن، وتيجي في الآخر تقول بخبث:
معلش يا حبيبتي، أنتِ عارفة إنك زي الضيفة هنا وناسنا هما ناسك !”
ساعتها بصيت لأحمد.. وبصيت لوش حماتي.. وبصيت لسفرتي وبيتي كله.
أحمد لاحظ النظرة وقال لي بقلق:
— “سهام انتي ناوية على إيه؟”
ابتسمت بهدوء من غير ما أجادل، ولا أعمل مشكلة، وقلت له كلمة واحدة:
— “ولا حاجة يا حبيبي.. كله تمام.”
وجه يوم العزومة اللي بعدها ..
زي ما توقعت تماماً، الشارع بدأ يتملي عربيات، والباب يخبط، وناس أول مرة أشوفهم في حياتي طالعين على السلم، شايلين علب حلويات وداخلين على السفرة مباشرة. حماتي طبعاً عزمت نص المعارف بدون علمي، وعاملة فيها العمدة اللي بيوزع الكرم !
بس اللي حماتي ما كانتش تعرفه.. اني كنت عامله حسابي ومستعده!
وبعد ما استقبلت ورحبت وعزمت على الناس يقعدوا على السفره جاتلي المطبخ وسالتني بابتسامة:
— “أومال فين الصواني والأكل يا عروسة؟ السفرة فاضية ليه؟الناس مستنين بقالهم كتير
ضحكت لها بكل بساطة وقلت لها:
—اكل ايه انا معملتش اكل
“أصل يا طنط، بما إنك عزمتِ كل الحبايب دول ودخلتِ البيت كأنه بيتك، أنا اعتبرت نفسي «ضيفة» زي ما بتقوليلي دايماً.. يعني انا ضيفتك زيي زيهم، والضيف مبيشتغلش ولا يطبخ هروح اقعد مع الضيوف وانتي اتصرفي في بيتك!”
سبتها ودخلت الصاله وهيه وقفت مكانها مش قادره تنطق ولا عارفه تعمل ايه في المصيبه دي واخوها من بره بيزعق بضحك ويقول…ياجماعه يلا متنا جوع !!
وش الست اتخطف، والدم هرب من عروقها في ثانية واحدة. بقت بتبصلي بعينين متسعة من الصدمة، شفايفها بترتعش ومش قادرة تطلع كلمة واحدة عدلة. كانت متعودة إني بستسلم، إني ببتلع إهاناتها ولماضتها وبجري زي المفرمة في المطبخ عشان أستر وش ابنها، لكن المرة دي الس\كينة وصلت للعظم!
سيبتها واقفة تتلوى في مكانها في المطبخ وسط الحلل الفاضية والرخام النضيف اللي بيبرق، ومشيت بخطوات ثابته وواثقة للصالون. كان البيت مليان عن آخره؛ أعمام أحمد، وعماته، وأولاد عماته اللي ماشفتش نصهم من يوم الفرح، غير جيرانها القدامى اللي جيباهم تتفاشخر قدامهم.
قعدت على الكرسي الرئيسي في الصالون، حطيت رجل على رجل، وابتسمت ابتسامة عريضة للناس:
— “أنورتوا يا جماعة.. يا مرحب بيكوا في بيت أختكوا وأمكوا الحاجة! نورتونا والله.”
أحمد كان واقف جنب الباب، وشّه بيجيب ألوان. جه عليا بلهفة ووشوشني وهو بيعرّق من الإحراج:
— “سهام! إيه الهزار ده؟ الناس ماتت من الجوع، وعمي حسين عمال ينداه من بره.. فين الصواني؟ فين البشاميل والدقايق اللي قلتي بتجهزيهم؟”
بصيت له بمنتهى الهدوء وقلت بصوت واضح يسمعه اللي جرانبنا:
— “هزار إيه يا أحمد؟ هي مامتك مش كل عزومة بتقول قدام الناس إن البيت بيتها وإن أنا زي الضيفة هنا؟ خلاص، أنا قررت أسمع كلامها وما أكسرش كلمتها.. أنا ضيفة النهاردة زيي زي عمك حسين بالظبط، وأمك جوه بتتصرف في بيتها ومطبخها!”
في اللحظة دي، طلعت حماتي من المطبخ، وشها أصفر زي الليمونة المصرورة، وبتحاول تبتسم ابتسامة صفرا قدام الضيوف وهي بتمسح عرق جبينها بالطرحة. عم أحمد بص لها وقال بضحكة مجاملة:
— “إيه يا أم أحمد؟ الجوع كافر يا ختي! الشارع كله ريحته طالعة من شوارع المحلة، ولا إنتي مجهزة لنا مفاجأة؟”
حماتي بلعت ريقها بالعافية، وبصتلي بصة كلها غل وشر، وقالت بصوت مخروم:
— “أصل.. أصل الأكل.. معلش يا حسين، الصواني بتاخد وقت في الفرن.. أصل العروسة…”
قطعت كلامها فوراً وبصيت للضيوف بابتسامة بريئة جداً:
— “لا يا طنط ما تدبسينيش! أنتِ عارفة إني ما حطتش إيدي في حلة واحدة النهاردة، وبصراحة أنتِ أدرى ببيتك وبأكلك اللي ابنك بيحبه، ما حبتش أدخل في اللي ماليش فيه عشان السفرة تطلع على مزاجك زي كل مرة!”
الهمس بدأ يدور بين الستات في الصالون. مرات عم أحمد بصت للثانية وابتسمت خبث، والرجالة بدأت تتملل في قعدتها. أحمد أدرك المصيبة، وجري على المطبخ يلحق أمها، وأنا قعدت أضايف الناس وبصب لهم شاي وعصير كان جاهز في التلاجة بكل برود أعصاب.
من جوه المطبخ، كانت الأصوات بدأت تعلى بالوشوشة الزعيق:
— “يعني إيه مافيش أكل يا أمي؟! عزمتي أكتر من تلاتين بني آدم على إيه؟!”
— “أنا إيش عرفني إن المفتريّة دي هتنفذ كلامها؟! دي كانت بتسمع وتسكت! اتصرف يا أحمد، انزل هات دليفري.. هات كباب وكفتة ولا أي داهية نستر بيها وشنا!”
— “أجيب دليفري لتلاتين فرد منين دلوقت!! دي تتكلف ألوفات! وبعدين المحلات في الحتة هنا هتأخد ساعتين على ما تجهز الأوردر ده كله!”
المنظر جوه كان عبارة عن قنبلة موقوتة. حماتي بقت تفتح التلاجة وتقفلها بهستيريا، تفتح الفريزر تلاقي فراخ نية ولحمة مفرومة مش مطبوخة، والوقت بيمر، والساعة بقت تمانية بالليل، والضيوف أمعائهم بتصوصو!
فجأة، عم أحمد قام وقف في نص الصالون وقال بصوت جهوري هز البيت:
— “جرى إيه يا جماعة؟ هو إحنا جايين نتفرج على بعض ولا إيه؟ لو مفيش عشا قولولنا عشان ننزل نأكل في أي مطعم، إحنا بقالنا ساعتين قاعدين على المايه والعصير!”
خرجت حماتي من المطبخ وهي جايبة أخرها، الروج متمسح، وطرحتها معوجة، وبصتلي وعيونها بتطلع شرار، وقالت بصوت طالع بالعافية قدام الكل:
— “معلش يا حسين.. أصل السهام هانم قررت النهاردة تعمل عليا أبلة نبلة وتلعب لعبة رخيصة عشان تصغرني قدامكوا!”
الصالون كله سكت.. أحمد خرج من المطبخ ووشه في الأرض من الفضيحة.. وأنا وقفت من على الكرسي بكل هدوء، وبصيت لحماتي في عينها مباشرة وقلت:
— “تؤ تؤ يا طنط.. أنا ما صغرتكيش.. أنتِ اللي صغرتِ نفسك لما افتكرتِ إنك تقدي تفتحي بيت ومش قد شيلته!”
ولسه أحمد حيتكلم يهدّي الجو، رن جرس الباب رنة قوية.. ولما أحمد فتح الباب، كانت المفاجأة الكبرى اللي دخلت وقفت الكل على رجل وحدة وخلت حماتي تقع على أقرب كرسي من الهدمة!
حماتي أغمى عليها تقريباً وهي بتشوف مين اللي واقف على الباب! كانت أختها الكبيرة “الحاجة صفية” -اللي بينها وبين حماتي قطيعة ومشاكل من سنين على ميراث قديم- ووراها عيالها وأجوازهم بعيالهم!
أنا طبعاً كنت عارفة إن حماتي كانت بتتباهى قدام نسوان العيلة بالكدب وتقولهم إنها صالحت أختها، فاستغليت الفرصة وقبل العزومة بليلة اتصلت بالحاجة صفية وعزمتها بمنتهى الأدب وقلت لها: “الحاجة أم أحمد تحلف وتصر إنك تكوني رأس المائدة النهاردة وإن البيت بيتك والمياه ترجع لمجاريها!”
الحاجة صفية دخلت بهيبتها، وبصت لحماتي المنتفخة على الكرسي وقالت بصوت رنان:
— “مساء الخير يا أم أحمد.. كتر خيرك إنك افتكرتِ أختك الكبيرة وعزمتينا على السفرة العامرة دي.. ولا إحنا مالناش نصيب في كرمك اللي العيلة كلها بتتكلم عنه؟”
البيت بقى عبارة عن شوادق! الصالون أتسد بالضيوف، العدد دخل في قرب أربعين فرد، وحماتي بقت تبص لأختها وتبصلي وعينيها طالع منها شرار هيولع في الصالة. أحمد جوزي كان واقف هيطق من كتر الإحراج والضغط، وشه بقى أزرق ومبقاش عارف يتكلم ولا يداري الخيبة فين.
الحاجة صفية قعدت، وبصت للترابيزة الفاضية وقالت باستغراب:
— “أومال فين الأكل يا أم أحمد؟ ده الساعة بقت تسعة بالليل! ولا عزمتينا عشان نقعد نتفرج على بعض والولاد الصغار يصرخوا من الجوع؟”
هنا حماتي مقدرتش تمسك نفسها، وقامت وقفت ونفضت جلابيتها وقالت وهي بتشاور عليا بصابع بيرتعش من الغل:
— “الأكل عند الهانم! الهانم مرات ابنك اللي حبت تعمل عليا معلمة وقافلة المطبخ وما طبختش ولا لقمة، عشان تصغرني قدامكوا وتفضحني في العيلة!”
الناس كلها بصتلي باستنكار ومفاجأة. أحمد بصلي برجاء إن ينقذ الموقف، لكن أنا وقفت بكل برود ثلجي، وعدلت طرحتي وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقلت بصوت واطي ومسموع للكل:
— “يا جماعة صلوا على النبي.. أنا ما قفلتش المطبخ ولا حاجة، المطبخ مفتوح أهو بحلله وصوانيه. بس كل عزومة، طنط بتدخل تقولي قدامكوا كلكم: (إنتِ زي الضيفة هنا، أنا صاحبة البيت وأنا اللي بظبط كل حاجة لابني).. وأنا بصراحة حبيت أريحها المرة دي، وأسيب صاحبة البيت هي اللي تقوم بواجب ضيوفها اللي عزمتهم بنفسها ومن غير ما تقولي على أسمائهم حتى! هو الضيف بيطبخ لضيوف صاحب البيت برضه؟”
الصالون كله سكت سكتة موت. الحاجة صفية بصت لأختها وضحكت ضحكة عالية فيها شمتة العمر:
— “الله الله يا أم أحمد! يعني عزمانا كلنا وجايبانا من أخر الدنيا على بيت مرات ابنك، وإنتِ أساساً مش عاملا حساب لقمة واحدة ولا حتى متفقة معاها؟! بقيتي تعزمي الناس على أكل غيرك وتعملي فيها الكريمة على حساب مرارة البنت؟!”
مراته عم أحمد وقرايبها بدأوا يتهامسوا ويضحكوا تحت الضرس. حماتي وشها بقى يجيب ألوان الطيف، والدموية طارت من وشها وبقت تنهد بصوت عالٍ من كتر الغيظ والإهانة قدام أختها اللي بتكرهها.
أحمد قرب مني بحدة ووشوشني وهو بيجز على أسنانه:
— “سهام! كده كتير.. إنتِ كده بتكسري أمي قدام العيلة كلها! اتصرفي واعملي أي حاجة نستر بيها الفضيحة دي بدل ما البيت يخرب النهاردة!”
بصيت لأحمد بمنتهى القسوة والجمود وقلت له بصوت واطي:
— “البيت مش هيخرب بسببي يا أحمد.. البيت بيكبر لما كل واحد يعرف حده ويحترم صاحب المكان. أمك هي اللي جابت الناس دي وهي اللي تتصرف.”
في اللحظة دي، حماتي عشان تهرب من موقف الفضيحة والشمتة، عملت نفسها داخت ومسكت راسها وقالت وهي بتترمى على الكرسي:
— “آه ياني.. قلبي.. الحقني يا أحمد.. الضغط واطي وراسي بتلف.. الحق أمك يا ابني!”
أحمد انخض وجري عليها، والستات اتلموا حواليها. بس أنا كنت عارفة حركاتها الحافظاها عن ظهر قلب.. ابتسمت بخبث، وقربت منها وسط الزيطة وقلت بصوت عالي خلى الصالون كله يسكت ويسمع المفاجأة الثانية اللي كنت مجهزاها!