أنا مطلقة حكايات رومانى مكرم 2
تجمدت الأرض تحت قدمي، وشعرت بجدران الصالة تضيق عليّ حتى كادت تخنقني. نظرت إلى طليقي أحمد، الذي كانت ترتسم على وجهه ابتسامة انتصار شماتة طالما رأيتها في كوابيسي، ثم نظرت إلى أمي بذهول لم أستطع استيعابه. أمي.. الشخص الوحيد الذي ظننت أنه مهما قست نبرته، سيظل حصني، كانت هي من فتحت الباب لجلادي.
قال أحمد بنبرة تقطر بروداً وهو يشير إلى الأوراق:
*”أهلاً يا هند.. عاش من شافك. الحقيقة والدتك كتر خيرها، اتصلت بيا الصبح وقالت لي كلمتين اتأكدت منهم إن ابني مش في بيئة صالحة، وإنك مش فاضية لتربيته. وأنا طبعاً أولى بابني”*
التفتُّ إلى أمي وأنا أصرخ بصوت مبحوح من الصدمة:
*”أنتِ عملتي إيه يا ماما؟ بعتي بنتك؟ بعتي ياسين اللي كان بيموت قدام عينك وتنازلت عن كل مليم عشان يفضل في حضني؟ عشان مكالمة تلفون؟! عشان غلطة؟! تروحي لده؟”*
وقفت أمي بكل جمود، وقالت بصوت جاف حاد كالسيف:
*”أنا مبعتكيش.. أنتِ اللي بعتي أختك الميتة وبعتي شرفك وشرف العيلة. لما تسيبي ابنك وتتفرغي لجوز أختك المحزون وتدخلي معاه في علاقات وتسايريه بالليل، يبقا مأمنكيش على ضنايا. ياسين يتربى مع أبوه، وأنتِ فوقي لنفسك وقرفك”*
تدخل المحامي الذي كان يجلس بجانب أحمد، وتنحنح قائلاً بجدية:
*”يا مدام هند، اتقاءً للشوشرة، والوالدة مشكورة أبدت استعدادها للشهادة في المحكمة بإنك غير أمينة على المحضون بسبب سلوكيات معينة.. فالأفضل نوقع على إقرار بتنازل ودي عن الحضانة لمصلحة الأب، بدل ما تتبهدلي في نيابة الأسرة والكل يعرف السبب”*
كانت الكلمات تطعن صدري. شعرت فجأة بقوة غريبة تولد من رحم الانكسار، قوة أم يُراد سلب طفلها منها. تقدمت نحو الطاولة بقدمين ثابتتين عكس الرعب الذي بداخلي، ونظرت لأحمد والمحامي ثم لأمي وقلت بصوت هادئ ومزلزل:
*”أعلى ما في خيلكم اركبوه.. أوراق مش هتمضي، وياسين مش هيطلع من البيت ده إلا على ج*ثتي. والمحاكم بيننا يا أحمد.. ووريني يا ماما هتقولي إيه للقاضي، هتقولي بنتي بتكلم جوز أختها في التلفون؟ مفيش قانون في الدنيا بيسحب حضانة من أم عشان مكالمة تلفون، وأنا مأجرمتش!”*
قبل أن ينطق أحد منهم بحرف، خطفت حقيبتي وهاتفي، ودخلت إلى غرفة ابني ياسين الذي كان نائماً بعد عودته من المدرسة، أغلقت الباب بالمفتاح من الداخل، وانفجرت في بكاء هيري وأنا أحتضنه وهو لا يشعر بشيء.
أخرجت هاتفي وأنا يدي ترتجف بعنف، واتصلت بطارق. رن الهاتف مرتين ثم جاء صوته الملهوف:
*”هند! عملتي إيه؟ طمنيني؟”*
قلت له والدموع تخنق حروفي:
*”لحقونا يا طارق.. أمي نفذت تهديدها، طليقي والمحامي بتاعه في الصالة ومعاهم ورق وعايزين ياخدوا ياسين، وأمي واقفة معاهم ومستعدة تشهد ضدي”*
ساد الصمت على الجانب الآخر لثوانٍ، شعرت فيها وكأن طارق استجمع كل قواه، ثم قال بنبرة حازمة لم أعهدها فيه من قبل:
*”هند.. اسمعيني كويس. اقفلي باب غرفتك ومتوقعيش على أي ورقة، ومتتكلميش معاهم نص كلمة. أنا مسافة السكة وهكون عندك، ومش هسمح للمهزلة دي تكمل”*
أغلقت الخط، وجلست خلف الباب أنتظر، وكل دقيقة تمر كانت كأنها سنة. كنت أسمع من الخارج همسات أحمد ومحاميه مع أمي، وصوت خطواتهم المفترسة في الصالة.
بعد حوالي نصف ساعة، رن جرس الباب بعنف.
سمعت صوت أمي وهي تفتح الباب، ليدخل طارق بخطوات سريعة وثقيلة هزت أرجاء الشقة.
سمعت صوته الجهوري وهو يقول فور دخوله:
*”أهلاً يا أستاذ أحمد.. خطوة عزيزة، بس شكلكم غلطانين في العنوان، والورق اللي على التربيزة ده ملوش أي لزمة هنا”*
صاحت أمي بغضب:
*”أنت إيه اللي جابك هنا يا طارق؟ ليك عين تيجي بعد اللي عملته؟”*
رد طارق بثبات وقوة:
*”جيت بيتي يا طنط.. وجيت لمراتي وابني”*
ساد صمت مفاجئ وقاتل في الصالة. فتحت باب الغرفة ببطء وخرجت وأنا أنظر لطارق بذهول، بينما وقف أحمد والمحامي وأمي شاخصين بأبصارهم نحوه.
أخرج طارق من جيب جاكيته ورقتين رسميتين باللون الأزرق، ووضعهما بقوة فوق الأوراق الرسمية الخاصة بأحمد على الطاولة، وقال وهو ينظر لأحمد بتحدٍ:
*”أنا وهند اتجوزنا.. ده عقد جوازنا الرسمي، اتكتب وتم توثيقه قانوناً وبشهود. ومن اللحظة دي، هند مراتي، والبيت ده بيتي، والطفل ده في رعايتي أنا وخالته.. ولو فكرت ترفع ق*ضية، جوز الأم هنا هو خاله وولاد خالته هما إخواته، والقاضي مش هيسيب بيئة مستقرة زي دي ويدي الولد لأب متجوز واحدة غريبة. اتفضل خد ورقك واطلع برة”*
التفتُّ إلى طارق وعيني متسعة من الصدمة.. متى وكيف فعل ذلك؟ ومتى تم هذا الزواج وهو كان يجلس معي منذ ساعتين فقط؟! لكن نظرة عينيه الغامضة الصارمة جعلتني أدرك أن هناك سراً كبيراً وراء هذا العقد المباغت.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
وقفت في مكاني كالمغيبة، أنظر إلى العقدين الأزرقين على الطاولة ثم إلى طارق. كان المشهد في الصالة أشبه بلوحة سريالية؛ أحمد تجمدت الابتسامة الشامتة على شفتيه، والمحامي أخذ نظارته وتفحص العقد بنظرات سريعة محترفة، أما أمي فكانت تتنفس بصعوبة وكأن صدمة أخرى هبطت فوق رأسها لتخرسها تماماً.
تنحنح المحامي الخاص بأحمد واقترب من أحمد هامساً بصوت مسموع:
*”يا أستاذ أحمد، العقد ده رسمي وموثق بتاريخ قديم.. ده معناه إن الوضع القانوني اتغير تماماً، وموقفنا في قض*ية الحضانة بقا ضعيف جداً، خصوصاً إن الولد هيفضل مع خالته وأولاد خالته في نفس البيت”*
التفت أحمد إليّ، وعيناه تشتعلان غيظاً، ثم نظر لطارق وقال بنبرة مليئة بالغل:
*”لحقتوا؟ بالسرعة دي؟ هالة ملحقتش تموت وأنتِ دخلتي مكانها يا هند؟ مبروك عليكي جوز أختك.. بس وحياة ابني ما هسيبكم، والمحاكم بيننا، هثبت إن الجواز ده صوري وملعوب فيه”*
رد طارق ببرود وثقة هزت ثبات أحمد:
*”أعلى ما في خيلك اركبه يا أحمد.. العقد موثق وتاريخه قانوني، والشهود موجودين. اتفضل برة بيتي وبلاش فضايح قدام الناس، عشان لو لمحتك قريب من هند أو ياسين، هعرف أتصرف معاك بالقانون وبطريقتي”*
جمع أحمد أوراقه بعنف وهو يبرطم بكلمات غير مفهومة، وخرج يجر أذيال الخيبة وخلفه محاميه، وأغلق الباب وراءهما بقوة كادت تقتلع الحائط.
بمجرد إغلاق الباب، التفتت أمي نحو طارق، وجسدها كله يرتجف، وصاحت بصوت مخنوق بالدموع:
*”تاريخ قديم؟ اتجوزتوا من ورايا؟ ومن امتى؟ من وهالة عايشة يا طارق؟ كنتوا بتخونوا بنتي وهي بتموت؟”*
تقدم طارق من أمي بسرعة، وانحنى على يدها يقبلها باحترام التمسك الأخير برضاها، وقال بصوت حزين صادق:
*”والله العظيم يا طنط ما حصل، ولا عمري خانت هالة ولا هند خانت أختها. العقد ده أنا عملته من ساعتين بس.. أنا ليا معارف في التوثيق والمحاماة، وقدرت أطلع العقد ده بتاريخ قديم وموثق عشان أحمي هند وأحمي ياسين من طليقها. عملت كدة كذب مشروع عشان مكسرش هند ومضيعش ابنها”*
نظرت أمي إليه بعيون حائرة بين الغضب والكسرة، ثم نظرت إليّ وقالت:
*”يعني الجواز ده حقيقي؟ أنتِ بقيتي مراته يا هند؟”*
نظرت لطارق، ثم لأمي، وهززت رأسي ببطء. لم أكن أعلم تفاصيل ما فعله، لكنني كنت أعلم أنني أصبحت أمام الأمر الواقع. نظرت إلينا أمي بنظرة طويلة مليئة بالعتاب والخذلان، وقالت بصوت منخفض:
*”ربنا يتولاكم برحمته.. أنا مش هقول لولا د هالة حاجة دلوقتي، بس أنا مش قادرة أقعد في البيت ده”*
جمعت أمي حقيبتها وخرجت، تاركة إيانا في صمت ثقيل.
التفتُّ لطارق، وكانت نبضات قلبي تتسارع:
*”أنت عملت إيه يا طارق؟ إزاي قدرت تعمل عقد بتاريخ قديم؟ ده تزوير! لو أحمد شغل دماغه ورا العقد ده هيروح في داهية وتضيعنا معاك”*
اقترب مني طارق، وأمسك بكتفيّ ليهدئ من روعي، وقال بنبرة دافئة وصارمة في آن واحد:
*”هند، مفيش وقت للخوف. العقد متقفل قانوناً وصعب جداً الطعن فيه، والمهم دلوقتي إننا نقلب الكدبة لحقيقة.. إحنا لازم نتجوز فعلاً يا هند، وننقل عيشتنا كلها في بيت واحد. ولاد هالة محتاجينك، وأنا محتاجك، وياسين مكانه هنا وسطنا”*
نظرت في عينيه، الرجل الذي عشقته في صمت لسنوات، والذي ضحى بسمعته ومبادئه في لحظة لينقذني وينقذ ابني. شعرت بمزيج مرعب من السعادة والخوف. هل هذا هو الحب الذي تمنيته؟ أم أنها بداية لعاصفة عائلية أكبر؟
بعد يومين فقط، انتقلت بأغراضي وأغراض ياسين إلى شقة طارق.. شقة أختي الراحلة هالة.
بمجرد أن خطوت عتبة الشقة، استقبلني طفلا هالة، “عمر” و”ندى”، بالفرحة والدموع، ظناً منهما أن خالتهما جاءت لتقيم معهما وتخفف عنهما لوعة فراق أمهما. لكن الأجواء لم تكن وردية كما توقعت.
في المساء، بعد أنام الأطفال جميعاً، دخلت إلى غرفة المعيشة، ووجدت طارق يجلس وعلامات الهم تعلو وجهه، ويمسك بهاتفه.
نظر إليّ وقال بنبرة قلقة:
*”هند.. والدتك اتصلت بأخوات هالة وأخواتي، وبلغتهم بالخبر. العيلة كلها مقلوبة، وأخويا الكبير جاي في السكة ومعاه أعمام أولاد هالة.. وجايين يطالبوا بيا وبأولاد أختك”*
وقبل أن أرد عليه، تعالت أصوات طرقات عنيفة وغاضبة على باب الشقة، كأنها طبول حرب جديدة توشك أن تبدأ.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم