كارت بابا حكايات رومانى مكرم 2
## الجزء الرابع: المكالمة المرعبة
فتحت الخط وحطيت الموبايل على ودني وأنا حابسة نفسي تماماً، مكنش فيه صوت غير نفس سيد العالي والسريع، كأنه كان بيجري أو جواه بركان غضب هينفجر.
“ألو.. يا فاطمة!” صوت سيد جه زي الكرباج، حاد ومشحون بغل مسمعتهوش منه قبل كده. “أخيراً هان عليكي تردي؟”
بلعت ريقي وحاولت أخلي صوتي قوي وميبانش فيه الكسرة: “عايز إيه يا سيد؟ مش إنت اللي طردتني ورميتني في الشارع ونص الليل؟ دلوقتي بتدور عليا ليه؟”
ضحك ضحكة صفرا، ضحكة سخرية هزت ثقتي في نفسي: “برمي مين في الشارع؟ ده إنتي اللي طلعتي لئيمة ومخططة لكل حاجة! بقالك خمس سنين ملقحة في بيتي وعاملة نفسك الغلبانة اللي ملهاش ضهر ولا سائل فيها، وإنتي شايلة في بطنك سر يودي في داهية؟”
قلبي سقط في رجلي.. سر؟ هو عرف بموضوع الفلوس؟ بس إزاي وبأي أمارة؟ البنك لسه سحب الكارت من مفيش نص ساعة!
سيد كمل وزعيقه بدأ يعلى: “فاكرة لما سيبتي محفظة باباكي القديمة على التسريحة الأسبوع اللي فات وأنا بقلب فيها؟ فاكرة إني مش هفهم؟ أنا روحت وسألت بطرقي وعرفت الكارت ده بتاع إيه.. وعرفت إن الحساب اللي إنتي مخبياه ده شغال وبيتحول عليه مبالغ من جهة مجهولة كل شهر! إنتي بتشتغلي من ورايا يا فاطمة؟ ولا الفلوس دي بتاعة مين؟”
هنا كل حاجة لفت بيا.. سيد مكنش يعرف باللي حصل في الماكينة دلوقتي، هو كان بيدور ورايا من أسبوع! يعني الرسالة اللي بعتها من شوية مكنتش بسبب إني سحبت، دي كانت تهديد لأنه اكتشف سر الكارت من قبل ما أنا نفسي أعرفه!
“سيد، أنا مكنتش أعرف حاجة عن الفلوس دي، والله العظيم ما أعرف..” صوتي خانني وبدأ يتهز.
“العب غيرها يا قطة!” قاطعني بزعير هز سماعة الموبايل. “تستغفليني وتعملي نفسك مش حاسة بالدنيا وإنتي نايمة على ملايين؟ أنا دلوقتي قدام فرع البنك الرئيسي اللي الكارت تابع ليه.. الباشا صاحبي اللي شغال في الأمن هناك كلمني وقالي إن الكارت لسه مأكول في الماكينة حالا لدواعي أمنية، وقالي إن السيستم أدى إنذار بالسرقة! يعني إنتي كنتي هناك.. وإنتي اللي حاولتي تسحبي!”
جسمي كله اتنفض.. صاحبه في أمن البنك؟ يعني سيد عرف مكاني بالظبط!
“اسمعي يا فاطمة،” سيد نبرته اتغيرت وبقت فحيح أفعى، “الشرطة زمانها بتدور عليكي في المحيط بتاع البنك بسبب إنذار الماكينة.. قدامك عشر دقائق بالظبط، لو مجيتيش تقابليني عند الفرع الرئيسي ونتكلم ونشوف الفلوس دي هنقسمها إزاي وتنازليلي عن حق الإدارة، أنا هبلغ عنك فوراً وأقول إنك سرقتي الكارت ده وبتغسلي فلوس من حساب شخص ميت.. وطبعاً إنتي عارفة عقوبة ده إيه؟”
الخط قطع.. البطارية رجعت تفصل تاني من السُقْعة، والموبايل مات في إيدي تماماً.
بصيت قدامي والدموع مغمية عيني. الراجل بتاع الكشك كان بيبصلي بقلق وخوف: “في إيه يا بنتي؟ جوزك ماله؟”
مردتش عليه.. أخدت موبايلي وجريت في الشارع وأنا مش شايفة قدامي. أنا دلوقتي بين نارين: نار سيد اللي واقف مستنيني عند البنك وعايز يسرق فلوس بابا ويذلني، ونار الشرطة اللي ممكن تقبض عليا بتهمة سرقة كارت ونصب!
وفجأة وأنا بجري في الضلمة، لقيت عربية سودا مفيهاش نمر، وقفت جمبي بالظبط، والباب الوراني اتفتح بسرعة.. وواحد شدني لجوه وقفل الباب!
حكايات رومانى مكرم
## الجزء الخامس: حافة الهاوية (قبل الأخير)
السرعة اللي اتسحبت بيها جوة العربية كانت تخطف النفس. صرخت بكل ما فيا من قوة، بس إيد قوية وخشنة اتكتمت على بوقي بسرعة، وباب العربية السودا اترزع ورايا بعنف، والموتور زأر والعربية طارت بينا في وسط الشوارع الفاضية.
“اششش.. اسبتي واهدي خالص يا فاطمة، إحنا مش هنأذيكي!” الصوت كان واطي بس صارم، جاي من الراجل اللي قاعد جمبي في الكنبة الورانية.
نزعت إيده عن بوقي وأنا بترعش من الرعب ودموعي مغرقة وشي: “أنتم مين؟ وعايزين مني إيه؟ وسيد فين؟”
الراجل اللي سايق بص عليا في المراية، والراجل اللي جمبي قلع نظارته الشمسية ورماها على التابلوه، وبصلي بنظرة كلها أسى وغموض: “جوزك سيد ده أجهل بني آدم قابلناه.. فاكر نفسه ذكي ولما لقى الكارت قعد ينبش وراه لحد ما كان هيوديكي في داهية وهيودي نفسه معاكي. إحنا مراقبينه ومراقبينك من أسبوع يا بنتي.”
“أنتم مين؟!” زعقت بهستيريا. “وفلوس بابا دي جت منين؟ بابا كان موظف غلبان!”
الراجل اتنهد وبص من الشباك، وبعدين رجع بصلي وقال بنبرة هادية: “أبوكي الله يرحمه مكنش غلبان بالمعنى اللي في دماغك يا فاطمة.. الحج جلال الله يرحمه كان شغال معانا في جهة حساسة، والفلوس دي مش بتاعته، دي مكافأة نهاية خدمة وتعويض ضخم عن عملية تسببت في وفاته.. بس مكنش ينفع تنزل باسمه في وقتها لأسباب أمنية تخص سلامتك إنتي بالذات! الحساب ده فضل مفتوح وبيتغذى كل شهر علشان لما تكبري وتتحطي في زنقة، تلاقي الضهر اللي يحميكي.”
كل كلمة كانت بتنزل على دماغي زي الصاعقة.. بابا؟ عمليات؟ سلامتي أنا؟
“يعني إيه؟” سألت وصوتي بيروح. “يعني البنك سحب الكارت ليه؟”
“البنك مسحبش الكارت لدواعي سرقة زي ما جوزك الغبي فاهم،” السواق رد وهو بيلف الدريكسيون بسرعة ويصفي في الشوارع، “السيستم أدى إنذار لينا إحنا.. إن الكارت اللي بقاله 5 سنين ملمسش ماكينة، اتفتح برقمك السري وتاريخ ميلادك. دي كانت الإشارة اللي أبوكي سابها لينا علشان نعرف إن فاطمة في خطر ومحتاجانا.”
في اللحظة دي، حسيت بروح بابا حواليا، كأنه مسبنيش، كأنه لسه بيحميني حتى وهو تحت التراب.
الراجل كمل كلامه وبص في ساعة إيده: “جوزك دلوقتي واقف قدام البنك ومعاه صاحبه بتاع الأمن مستنيين الشرطة تقبض عليكي عشان يساومك على الفلوس.. هو ميعرفش إننا سحبنا البلاغ من السيستم، وميعرفش إننا جايين نخلّص حساب قديم معاه.”
العربية بدأت تهدى، وبصيت من الشباك لقيتنا وصلنا قريب من فرع البنك الرئيسي.. شوفت عربية سيد واقفة على الرصيف، وهو عمال يروح ويجي بغل وعينيه بتاكل الشارع مستني فريستهتوصل.
الراجل فتح درج العربية وطلع ملف صغير وحطه في إيدي، وقاللي بنبرة كلها تحدي: “ده ورق الحساب الرسمي باسمك، ودي مستندات تخلي جوزك يوقع على قسيمة طلاقك حالا وهو مكسور العين، من غير ما يطول مليم واحد، ومن غير ما يقدر يرفع عينه فيكي تاني.. انزلي يا فاطمة، ووري لـ سيد مين هي فاطمة جلال.. وإحنا في ضهرك.”
فتحت باب العربية، ورجلي لمست الأرض.. مكنتش فاطمة المكسورة المطرودة في البرد، كنت بنت جلال.. والمرة دي، المواجهة هتكون حاسمة.
حكايات رومانى مكرم
## الجزء السادس والأخير: خيوط الفجر
نزلت من العربية السودا وقفلت الباب ورايا. الهوا البارد اللي كان من كام ساعة بينخر في عضمي وبيحسسني بالكسرة، دلوقتي حاسة بيه زي نسمة صيف بتطرد الخوف من عروقي. مسكت الملف في إيدي وجمدت قلبي، وبدأت أمشي بخطوات ثابتة وراسي مرفوعة ناحية فرع البنك.
أول ما سيد لمحني من بعيد، عينه لمعت بشر وجري عليا وهو بيعرج بخطواته السريعة، وصاحبه بتاع الأمن ماشي وراه وعامل نفسه بيفتش في المكان.
“أخيراً جيتي يا هانم؟” سيد قالها بصوت واطي ومكتوم وهو بيقرب وشه مني وعينيه كلها غل وتشفي. “فاكرة إنك هتقدري تهربي؟ الكارت جوة الماكينة، وصاحبي مأكدلي إن البلاغ شغال، والشرطة زمانها على وصول. قدامك دقيقة واحدة.. تمدي إيدك في جيبك وتطلعيلي بطاقتك وتوقعيلي على التنازل عن الحساب ده، يا إما هسيبهم يرموكي في الحجز بتهمة النصب وسرقة أموال ميت وغسيل أموال!”
بصيت في عينيه مباشرة.. مكنتش شايفة الراجل اللي كنت بخاف من نبرة صوته أو بزعل من كلامه المسموم، كنت شايفة بني آدم صغير جداً، أعمى بالطمع.
رفعت إيدي بالملف في وشه، وقولت بنبرة هادية بس هزت الأرض تحت رجليه: “ورق إيه وبلاغ إيه اللي بتتكلم عنه يا سيد؟ أعلى ما في خيلك اركبه.. اتصل بالشرطة حالا.”
سيد اتوجس خيفة من هدوئي، وبص لصاحبه بتاع الأمن كأنه بيستنجد بيه، صاحبه طلع موبايله وبدأ يبص في الشاشة وفجأة وشه اتقلب وجاب ألوان، قرب من سيد وهمس في ودنه بصوت مرعوب: “سيد.. البلاغ اتمسح من على السيستم! والمدير الكبير لسه باعت رسالة تحذير شديدة اللهجة على جروب الإدارة إن مفيش حد يقرب من الماكينة دي ولا يتدخل في اللي حصل، وإن الكارت اتحفظ عليه بأوامر سيادية.. في إيه يا سيد؟ إنت هتودينا في داهية؟!”
سيد فتح بوقه وبصلي وهو مش مصدق: “إنتي.. إنتي عملتي إيه؟ الفلوس دي بتاعة مين يا فاطمة؟”
فتحت الملف وطلعت منه ورقة رسمية مختومة، وقربتها من عينيه: “دي قسيمة طلاقنا يا سيد.. الورقة دي جاهزة وعلى التوقيع، ومكتوب فيها إنك بتتنازل عن كل حقوقك وتطلقني للضرر ومن غير ما تلمس مليم واحد من اللي حيلتي.. الفلوس دي فلوس أبويا.. البطل اللي إنت كنت فاكره راجل غلبان وموش ضهر. أبويا سابلي جيش كامل يحميني ويقف في ضهري.. سابلي بلد بحالها بتشهد بنظافة إيده.”
في اللحظة دي، ظهر راجلين من اللي كانوا معايا في العربية السودا، وبدأوا يقربوا بخطوات هادية ومنظمة، وبصوا لـ سيد وصاحبه بنظرات حادة خلت صاحب سيد يرجع لورا ويدخل جوة البنك ويقفل الباب على نفسه.
سيد بدأ يترعش، وبص للراجلين وبصلي، وعرف إن اللعبة انتهت، وإن القفص اللي كان حابسني فيه اتهد فوق دماغه هو.
“وقع يا سيد..” قولتله وأنا بندم على كل ثانية ضيعتها مع بني آدم زيه. “وقع واخرج من حياتي بالمعروف، بدل ما تلاقي نفسك في مكان مش هتعرف تخرج منه تاني.”
إيد سيد كانت بترتعد وهو بيمسك القلم ويوقع على قسيمة الطلاق وهو مكسور العين والغرور.. الشخص اللي طردني في عز الليل والبرد، واقف دلوقتي بيتوسل بعينيه عشان أسيبه يمشي في حاله.
أخدت الورق منه، ولفيت ضهري ومشيت ومبصتش وراه ولا مرة.
الشمس بدأت تطلع وخيوط الفجر الأولى بدأت تنور شوارع القاهرة.. النور كان بيغسل كل الوجع والخوف اللي عشته. بصيت للسما وابتسمت ودموعي نازلة، بس المرة دي دموع فرحة وفخر..
“شكراً يا بابا.. عشت بطل، ومت بطل، وسبتلي ضهر عمري ما هحتاج بعده لحد.”
تمت
الكاتب رومانى مكرم
