حكايات امانى السيد 3

كان شريف يجلس في مكتبه الصغير الجديد بالفرع النائي الذي نُقل إليه عقاباً له. المكان كان كئيباً، جدرانه مقشرة، وضوضاء الشارع البعيد تصله مخنوقة عبر النوافذ الخشبية القديمة. تحولت حياته إلى مسار روتيني قاتل؛ يستيقظ في السادسة صباحاً ليلحق بوجبة القطارات والوسائل المواصلات الطويلة، يعود لشقته الفارغة ليعيش في الصمت الذي كان يوماً يدّعي أنه يقتله، لكنه الآن يدرك أنه كان صمت الأمان والسكينة الذي لا يُقدّر بثمن.

أخرج شريف من جيبه بضعة جنيهات ليشتري علبة سجائر وكوباً من الشاي الرديء من بوفيه المكتب. نظر إلى الورقة النقدية في يده، فتذكر فجأة الأيام الخوالي. تذكر كيف كانت سلوى تدس في جيب معطفه خفية ورقة مالية صغيرة مع عبارة بخط يدها الجميل: “ربنا يرزقك ويفتحها عليك يا حبيبي، متقلقش كل حاجة هتبقى تمام”. شعر بغصة حارقة في حلقه، وبكى صامتاً حتى لا يراه الموظفون الجدد الذين ينظرون إليه بنظرات تملؤها الريبة بعد الشائعات التي سبقت وصوله من الفرع الرئيسي.

في تلك الأثناء، في الفرع الرئيسي للشركة، كانت ساندي تعيش أزهى أيامها.. أو هكذا ظنت. كانت تتبختر في الممرات بكامل أناقتها بعد أن تخلصت من “شريف” الذي اعتبرته غلطة كادت تعصف بمسيرتها المهنية. دخلت مكتب المدير العام بكامل ثقتها لتقدم تقريرها السنوي وتطلب الترقية التي طالما حلمت بها والتي من أجلها ضحت بشريف دون رمشة عين.

جلس المدير العام، ونظر إلى الأوراق التي قدمتها، ثم خلع نظارته الطبية ونظر إليها ببرود قائلاً:

“تقرير ممتاز يا ساندي، كالعادة كفاءتك مفيش عليها غبار.”

تهلل وجه ساندي وابتسمت برقة:

“شكراً يا فندم، أنا مستعدة تماماً للمنصب الجديد وأوعدك إن..”

قاطعها المدير بجدية صارمة:

“لكن الإدارة العليا رفضت ترقيتك يا ساندي.”

سقطت الابتسامة عن وجهها فوراً، واهتزت نبرتها:

“رفضت؟! ليه يا فندم؟ أنا محققة كل التارجت ومفيش عليا أي غلطة!”

تنهد المدير وقال بنبرة عملية جافة:

“الشكوى اللي تقدمتي بيها ضد زميلك السابق شريف بتهمة التحرش والمضايقة.. تم التحقيق فيها داخلياً من قِبل الـ (HR). صحيح إحنا نقلنا شريف لحماية بيئة العمل، لكن الشؤون القانونية راجعت الكاميرات، وراجعت رسايل الواتساب اللي شريف قدمها في التحقيق لإثبات إنه مكنش بيتبلى عليكي.. ولقوا إن العلاقات والرسائل بينكم كانت متبادلة وبشغف كبير لشهور طويلة قبل الواقعة دي. الإدارة شافت إنك استخدمتي تهمة التحرش كوسيلة تصفية حسابات شخصية وتشويه لسمعة زميل عشان تخرجي نفسك من موقف محرج بعد ما مراته عرفت بالموضوع. والشركات الكبيرة يا ساندي مابتثقش في موظف بيلعب بالأوراق دي عشان يحمي نفسه. ترقيتك اتجمدت لأجل غير مسمى، واحتمال يتم مراجعة وجودك في الفرع الرئيسي كله.”

خرجت ساندي من مكتب المدير، وتلك “الروح” التي كان شريف يتغنى بها تحولت إلى كتلة من الغل والسواد. كانت تشتعل غضباً لأن مكرها ارتد إلى نحرها، وأن كبرياءها وطموحها نالا صفعة لن تفيق منها بسهولة.

على الجانب الآخر من المدينة، كانت قاعة محكمة الأسرة تضج بالحركة والأصوات.

جلست سلوى بجانب محاميها، بكامل أناقتها ووقارها، وجهها كان يحمل سلاماً نفسياً غريباً، وكأنها تخلصت من جبل كان يجثم على صدرها. كانت قد بدأت بالفعل في استعادة حياتها؛ حصلت على ترقية في وزارتها، وزاد راتبها، وابنتها الصغيرة بدأت تذهب لحضانة راقية وتعيش وسط أجواء مليئة بالحب والدعم من جديها وحب جدتها (أم شريف) التي لم تقاطعهم يوماً.

دخل شريف القاعة، وكان يبدو كأنه كبر عشر سنوات؛ شعره غطاه الشيب، ووجهه شاحب، وعيناه مكسورتان. عندما وقعت عيناه على سلوى، تحركت خطاه نحوها تلقائياً كالمغناطيس، وجلس على المقعد المجاور لها وقال بصوت يرتجف:

“سلوى.. أرجوكي، لسه فيه وقت. القاضي لسه منطقش بالحكم. أنا بتم حريمتي كل يوم في البعد عنك. ساندي طلعت أفعى وضيعتني في الشغل، وأنا عرفت إن ماليش غيرك.. أنا مستعد أكتب لك الشقة باسمك، وأعملك كل اللي أنتِ عايزاه، بس بلاش خلع.. بلاش تكسريني قدام الناس.”

التفتت إليه سلوى، ونظرت في عينيه مباشرة بنظرة صافية تماماً، خالية من الغضب، ولكنها مليئة بالرفض القاطع، وقالت بصوت منخفض ومسموع:

“أنا مش بخلعك عشان أكسرك يا شريف.. أنا بخلعك عشان أشتري نفسي. أنت لسه لحد دلوقتي مش فاهم أنت عملت إيه! أنت زعلان على نفسك وعلى شغلك وعلى شكلك قدام الناس، ومش زعلان على الخاطر اللي كسرته، ولا على السنين اللي أنا طفحت فيها الدم معاك. أنت راجع لإن السكة التانية قفلت في وشك، مش لإنك عرفت قيمتي. لو كانت ساندي فضلت معاك، مكنتش افتكرت إن عندك زوجة وبنت. الشقة والفلوس ميعوضوش ست عن اللحظة اللي حست فيها إنها رخيصة في عين الراجل اللي سكنت له.”

نادى حاجب المحكمة بصوت جهوري:

“رول رقم 14.. قضية الخلع المقامة من سلوى ضد شريف!”

وقفت سلوى بثبات، وتقدمت نحو منصة القاضي، بينما تحرك شريف وراءها بخطوات ثقيلة كأنها تقوده إلى حبل المشنقة.

بدأ القاضي يراجع الأوراق، ونظر إلى شريف قائلاً:

“يا أستاذ شريف، المحكمة استنفذت كل محاولات الصلح، والزوجة مِصِرة على طلب الخلع ومتنازلة عن كل حقوقها المالية والشرعية ومستردة مقدم الصداق.. عندك أي أقوال تانية؟”

بلع شريف ريقه، ونظر إلى سلوى التي كانت تنظر للأمام بثقة، ثم نظر إلى القاضي وقال بصوت مخنوق:

“أنا بحب مراتي يا فندم ومش عايز أطلقها.. أنا غلطت وهي مش عايزة تديني فرصة.”

رد القاضي بوقار:

“الزواج إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، والزوجة أعلنت صراحة إنها تبغض الحياة معاك وتخشى ألا تقيم حدود الله.”

رفع القاضي مطرقته، وضرب بها على المنصة ضربة دوت في أذن شريف كقنبلة، ونطق بالحكم:

“حكمت المحكمة تطليق المدعية (سلوى) على زوجها المدعى عليه (شريف) طلقة بائنة للخلع…”

في تلك اللحظة، شعر شريف بأن جداراً ضخماً قد انهار فوق رأسه، وسقطت دموعه بحرقة وهو يرى سلوى تلتفت للمحامي تبتسم له شكراً، ثم تخرج من القاعة بخطوات سريعة وخفيفة، دون أن تنظر خلفها ولو لنصف التفاتة.

خرج شريف وراءها إلى ممر المحكمة، والناس يمرون من حوله كخيال، رأى أمه واقفة في نهاية الممر تنتظر سلوى. عندما خرجت سلوى، ارتمت أم شريف في حضنها وهي تبكي وتبارك لها حريتها وكأنها ابنتها الحقيقية، ثم أخذت بيدها ومشيتا معاً نحو الباب الخارجي للمحكمة، تاركتين شريف واقفاً وحده في منتصف الممر المظلم، لا يملك سوى ورقة الحكم بالخلع، وحقيبة ذكريات ثقيلة ستظل تطارده بقية عمره.

لكن الصدمات لم تنتهِ عند هذا الحد لشريف؛ فبينما كان يستعد لمغادرة مبنى المحكمة، اهتز هاتفه باتصال من زميل له في الفرع القديم، وبصوت يحمل نبرة ذهول صرخ الزميل في الهاتف:

“شريف! أنت لازم تعرف اللي حصل في الشركة حالا.. ساندي انقلبت على الكل، وفيه مصيبة تانية هتحصل هتجيب رجلك ورجلها في النيابة!”تابعو صفحه رومانى مكرم

تسمر شريف في مكانه وسط ممر المحكمة، والبرودة تسري في أطرافه مجدداً. وضع الهاتف على أذنه بيد ترتجف، ونبضات قلبه تتسارع بشكل جنوني، وقال بصوت متحشرج:

“مصيبة إيه يا حازم؟ نيابة إيه؟ أنا مالي ومال ساندي تاني.. أنا اتنقلت برة الفرع والقصة انتهت!”

رد عليه حازم بنبرة متوترة وصوت منخفض كأنه يتحدث من مكان سري:

“الموضوع أكبر من النقل والـ (HR) يا شريف! ساندي لما عرفت إن ترقيتها اتجمدت وإنها بقت معزولة في الشركة، اتجننت. مكنتش قادرة تتقبل الخسارة، وظهر إنها كانت بتلعب لعبة قذرة من ورا الكل.. المدير العام اكتشف إن فيه تلاعب ضخم في حسابات وتقارير المناقصة الأخيرة اللي أنت وهي كنتم شغالين عليها مع بعض قبل ما تتنقل! ساندي زورت توقيعات، وطلّعت عمولات لشركات وسيطة باسمك وباسمها، ولما الحسابات كشفت اللعبة النهاردة الصبح وجابوها تواجه المستندات.. بكل بجاحة رمت الشيلة كلها عليك! قالت إنك أنت اللي كنت بتضغط عليها وابتزيتها برسايل الواتساب والعلاقة اللي كانت بينكم عشان تمرر الأوراق دي! المصلحة القانونية بتقدم بلاغ رسمي للنيابة الأموال العامة حالا بتهمة الاختلاس والتزوير.. والاسمين المكتوبين في المحضر هما: ساندي وشريف!”

سقط الهاتف من يد شريف على أرضية المحكمة الصلبة، وتناثرت أجزاؤه. شعر فجأة بأن الجدران تدور من حوله، وأن الأنفاس تضيق في صدره لدرجة الاختناق. لم يكن يتخيل في أسوأ كوابيسه أن “الروح الملهمة” التي ظن أنها ستأخذ بيده إلى الجنة، هي نفسها الشيطان الذي سيسحبه إلى غياهب السجن. تذكر كيف كانت سلوى تراجعه في حسابات البيت، وتدقق وراءه خوفاً من أن يدخل بيتها قرش حرام واحد، وكيف كانت تذكره دائماً بحديث الرسول ﷺ: *”كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به”*.

جلس شريف على درجات سلم المحكمة، ودفن وجهه بين ركبتيه، يجهش ببكاء هستيري. لقد خسر زوجته، وبنته، وأمه، وبيته بالخلع قبل دقائق.. والآن يوشك أن يخسر حريته وشرفه بسبب نزوة وثقة عمياء في امرأة لم تكن ترى فيه سوى أداة وسُلّماً تصعد عليه، ولما انكسر السُلم، قررت أن تحرقه تماماً.

وفي هذه الأثناء، كانت سلوى تقف مع أم شريف على رصيف الشارع المقابل للمحكمة، تنتظران سيارة أجرة. كانت ملامح سلوى هادئة كبحر بعد العاصفة، بينما كانت الأم تمسح دموعها بطرف شالها وتقول بنبرة كسرها الحزن:

“سامحيني تاني يا بنتي.. أنا قلبي واجعني على ابني وعلى السكة اللي رما نفسه فيها، بس واجعني عليكي أكتر لإنك مكنتيش تستاهلي منه كدة.”

ربتت سلوى على يدها بحنان وقالت:

“يا طنط، أنا صفحتك قفلتها ومش زعلانة. شريف خد عقابه لما خسر الأمان اللي كان عايش فيه. الدنيا دي سلف ودين، واللي بيظلم وبيعشم وبيرمي لحم وولاد عشان طمع ونزوة، ربنا مبيباركش في طريقه. أنا كل همي دلوقتي بنتي ومستقبلي.. والحمد لله ربنا عوضني باللي يخليني أقف على رجلي.”

ركبت سلوى وأم شريف السيارة، وتحركت بهما وسط زحام القاهرة، تاركتين خلفهما محكمة الأسرة.. ومستقبلاً مظلماً ينتظر شريف.

بعد مرور ساعتين، كان شريف يقف أمام مكتب وكيل النيابة بملابس مبعثرة ووجه مرعوب. كان يجلس على المقعد المجاور له محامٍ أحضره على عجلة من أصدقائه. وفي المقابل، كانت ساندي تجلس بكبرياء مصطنع، وعيناها تلمعان بالخوف والغل في آن واحد، ممسكة بحقيبتها الفاخرة وكأنها تحتمي بها.

بدأ وكيل النيابة يوجه الأسئلة بصرامة، مستعرضاً المستندات والتواقيع المزورة، والتحويلات البنكية التي تمت لعقود وهمية. صرخت ساندي بنبرة درامية محاولة النجاة:

“والله يا فندم أنا ضحية! شريف هو اللي كان بيمشي كل حاجة، هو اللي هددني بعلاقتنا وصورنا ورسايلنا لو مخلصتلوش الورق ده واستغليت منصبي في الفرع الرئيسي.. أنا مخدتش مليم، هو اللي ورطني!”

التفت شريف إليها، ولم يعد يشعر بالخوف، بل تملكه برود غريب.. برود من ماتت روحه بالفعل ولم يعد لديه ما يخسره. نظر إليها وقال بصوت هادئ، حاد كالمشرط:

“أنتِ فعلاً أفعى يا ساندي.. أنا بعت دنيتي كلها عشانك، وتستاهلي إني أروح السجن لاني كنت غبي وأعمى.. بس حظك السيء إن الرسايل اللي بيننا اللي أنتِ مسحتيها من تليفونك، شريط المحادثات الكامل بتاعها أنا قدمته للـ HR في التحقيق الإداري وموثق في النيابة الإدارية والشركة، وفيه كلامك بالتفصيل وأنتِ بتخططي للمناقصة دي وتقوليلي (ده القرشين اللي هنأمن بيهم مستقبلنا ونتجوز بيهم بعد ما تطلق مراتك المملة).. التزوير والسرقة دول طبعك أنتِ، وأنا كنت مجرد غطاء ليكي.”

تغيرت ملامح ساندي تماماً، واهتزت الحقيبة في يدها، وبدأت ملامح الرعب الحقيقي تظهر على وجهها بعد أن أدركت أن شريف، رغم غبائه، احتفظ بما يدينها تماماً، وأن حبل المشنقة القانوني بدأ يلتف حول عنقها هي الأخرى.

نظر وكيل النيابة إلى أوراق القضية، ثم نظر إلى الضابط الواقف عند الباب، وبصوت حاسم أملى قراره على كاتب الجلسة:

“قررنا نحن وكيل النيابة.. حجز المتهمين شريف وساندي، 4 أيام على ذمة التحقيق، مع التحفظ على كافة حساباتهم البنكية، وندب خبير من وزارة العدل لفحص التواقيع والمستندات…”

وقع الحكم على ساندي كالصاعقة وبدأت تصرخ وتنهار، بينما استسلم شريف لرجال الشرطة وهم يقتادونه نحو الحجز. وفي تلك اللحظة بالذات، وسط العتمة والضياع، لم يتذكر شريف سوى شيء واحد.. تذكر شكل شقته القديمة، ورائحة طعام سلوى الدافي، وصوت ضحكات ابنته وهي تجري نحو الباب لتستقبله.. أدرك الآن فقط، وهو في طريقه إلى زنزانة مظلمة، أن الجحيم الحقيقي ليس السجن.. بل هو خسارة الجنة التي كانت بين يديه طوعاً، فباعها ليشتري بها هلاكه.

ومع إغلاق باب الحجز الحديدي بدويّ مخيف، كانت هناك خيوط جديدة تُنسج في الخارج.. فلم تكن هذه نهاية الحكاية، بل بداية لصفحات أخرى من الحساب القاسي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *