حكايات منى السيد 2
مع دوي سرينات الشرطة التي بدأت تقترب أكثر من أسوار القصر، انفتحت أبواب الجحيم على عائلة الدالي. ياسين كان واقفاً في مكانه كالصنم، والطفل السليم (ابن شيرين) يصرخ بين يديه، بينما ندى كانت زاحفة على الأرض تمسك بقدميه وتبكي بهستيرية وهي تصرخ: “ابني بيموت في الأرياف وأنت واقف! طلقني ووديني لابني يا ياسين!”
الحاجة كريمة لم تتحمل الصدمة؛ تراجع غطرستها بالكامل، وأمسكت بقلبها وهي تسقط على الأريكة الجلدية الفخمة، وجهها الذي كان يشع كبرياءً تحول إلى اللون الأزرق وهي تمتم بكلمات غير مفهومة، واللؤلؤ الذي يطوق عنقها بدا وكأنه مشنقة تضيق عليها.
في تلك اللحظة، دخل ضابط المباحث ومعه اثنان من أمناء الشرطة، تتقدمهم الممرضة الخصوصية التي اشترت شيرين ولاءها، وبيدها الحقيبة التي تحتوي على الحظاظات الأصلية الملحومة وتقارير المستشفى الاستثماري.
وجه الضابط نظراته الحادة لياسين وقال بصوت جهوري:
— ياسين بيه الدالي.. مطلوب القبض عليك بتهمة تزوير محررات رسمية، وتبديل أطفال حديثي الولادة، وتعريض حياة طفل قاصر للخطر عمداً. اتفضل معانا من غير شوشرة.
ياسين حاول يتكلم، بس صوته كان هربان، شاور على ندى وعلى أمه وقال بلجلجة:
— يا فندم.. دي مؤامرة.. شيرين مراتي هي اللي عملت كل ده.. أنا.. أنا كنت فاكر..
الضابط قاطعه بحدة وهو بيشاور لأمناء الشرطة عشان يكلبشوا إيديه:
— الكلام ده تقوله في النيابة يا بيه.. البصمة الوراثية وبلاغ وزارة الصحة والتمريض اللي واقف برة المستشفى كله مسجل. اتفضل!
شيرين كانت واقفة برة في حوش القصر الواسع، سانة ضهرها على عربيتها المرسيدس السوداء الجديدة، ولابسة نظارة شمس مخبية عينيها اللي ما نزلتش دمعة واحدة. شافت ياسين وهو خارج والكلابشات في إيديه، ووراه ندى وهي بتجر رجليها وبتعيط ومنهارة والشرطة واخدة معاها الطفل السليم (ابن شيرين) كحرز لحين تسليمه لسرير النيابة والمستشفى الحكومي لإثبات النسب رسمي.
ياسين وقف لثانية قدام شيرين، وعينيه كانت مكسورة بالكامل، وقال بنبرة ذل:
— شيرين.. ارحميني.. ابني ذنبه إيه يموت في الأرياف؟ لو عندك رحمة وديه المستشفى!
شيرين قلعت النظارة ببطء، وبصت في عينيه بنظرة خلت جسمه يقشعر، وقالت بصوت واثق وهادي:
— أنا عندي رحمة أكتر منك ومن أمك يا ياسين. ابن ندى اتنقل من ساعتين في عربية إسعاف مجهزة بأحدث أجهزة لـ مستشفى معهد القلب، والدكاترة داخلين بيه العمليات دلوقتي على حسابي الخاص.. أنا ما بسبش طفل يموت عشان أنتقم.. أنا بنقذ ابنك عشان لما تكبر وتخرج من السجن، تلاقيه عايش ويقولك: “أبويا رماني في الضلمة، والغريبة هي اللي عاشتني”.
ياسين نزّل راسه في الأرض وهو بيبكي بنشيج حارق، وأمناء الشرطة زقوه لجوه البوكس، والباب اتقفل وراه ليعلن نهاية سطوته.
بعد مرور أسبوعين..
الجو كان هادي في مكتب واحد من أكبر محامين الأحوال الشخصية في مصر. شيرين كانت قاعدة بوقار كامل، وفي إيدها قرار النيابة الرسمي باستلام ابنها الحقيقي (يوسف) وتعديل اسمه في شهادة الميلاد، وجنبها عقود الملكية للأرض والملايين اللي الحاجة كريمة مضت عليها بجهلها، واللي بقت ملك شيرين وابنها قانوناً بعد ما المحكمة حجزت على باقي أملاك ياسين لتسديد الديون والقضايا.
المحامي ابتسم وحط القلم قدامها وقال:
— مبروك يا مدام شيرين.. قضية الخلع كسبناها، وحق حضانة يوسف معاكي قانوناً، والشركات بتاعة ياسين الدالي بقت تحت الحراسة ومجلس الإدارة الجديد اختارك أنتِ لإدارتها بالنيابة عن ابنك القاصر اللي بيملك الحصة الأكبر.
شيرين مضت على الورق بقوة، ووقفت وبصت من شباك المكتب على أضواء القاهرة، وحست لأول مرة إن جرح القيصرية اللي تعبها مبقاش يوجعها.. الوجع اتنقل لناس تانية خالص.
بس في نفس اليوم بالليل، وهي بتزور مستشفى معهد القلب عشان تطمن على حالة ابن ندى بعد ما العملية نجحت، وقفت قدام أزاز الحضّانة وبصت للطفل التعبان اللي بدأ يفوق.. وفجأة تليفونها رن، وكان الرقم من محامي ياسين اللي بيتوسل ليها عشان تتنازل عن قضية التزوير مقابل أي تمن.
شيرين ابتسمت ابتسامة غامضة، وقالت للمحامي كلمة واحدة خلت ركبه تتسيب، وفتحت الباب لمفاجأة جديدة مكنش حد يتوقعها في الجزء الجاي..
شيرين ابتسمت ابتسامة غامضة، وقالت للمحامي في التليفون ببرود قاتل:
— قول لموكلك يا متر.. أنا مش بس مش هتنازل عن قضية التزوير.. أنا هرفع قضية “شروع في قتل غمدي” ضد ياسين وأمه. لأن تبديل طفل حالته حرجة بطفل سليم، وحرمانه من الرعاية الطبية الفورية عشان يداروا جريمتهم، في القانون اسمه شروع في قتل.. والملف كله بقاله ساعة على مكتب النائب العام.
قفلت الخط من غير ما تسمع رد المحامي، وبصت للطفل اللي جوة الحضّانة بنظرة كلها غموض. كانت عارفة إن معركة المحاكم دي مجرد البداية، وإن عيلة الدالي مش هتموت بالسهولة دي، خصوصاً إن الحاجة كريمة بعد ما فاقت من أزمتها الصحية في المستشفى، ما قعدتش ساكتة.
في مستشفى دار الشفاء، كانت الحاجة كريمة قاعدة على السرير، وشها شاحب بس عينيها لسه فيها غل الدنيا. كانت بتكلم المحامي الكبير بتاع العائلة، “رفعت الرفاعي”، اللي دخل عليها وعلامات القلق على وشه.
صاحت كريمة بصوت مبحوح:
— يعني إيه يا رفعت؟ يعني إيه شيرين تآخد كل حاجة؟ الأرض والفلوس والشركات؟ والواد ياسين يفضل محبوس؟ تصرف.. اقلب الترابيزة عليها، هات قرار من النيابة إنها هي اللي بدلت العيال عشان تتبلى على ابني!
رفعت الرفاعي اتنهد وحط الشنطة بتاعته على الترابيزة وقال بيأس:
— يا حاجة كريمة، الموقف قانونياً زي الزفت. شيرين معاها تسجيلات كاميرات المستشفى الاستثماري اللي اشترتها من مهندس الصيانة بفلوسها، كاميرات الممر مسجلة ياسين وهو بيحط المنوم للممرضة وهو بيتسحب للأوض، ومعاها شهادة الممرضة الخصوصية وبصمة الـ DNA. المخرج الوحيد لينا دلوقتي مش في المحكمة.. المخرج في “السر” اللي ياسين مخبيه عن شيرين وعنك أنتِ شخصياً من سنين!
كريمة برقت عينيها وقالت بخوف:
— سر إيه؟ ياسين مخبي إيه؟ انطق يا رفعت!
في نفس الوقت، ندى كانت قاعدة في صالة الاستقبال بمستشفى معهد القلب، منهارة تماماً، هدومها مبهدلة وعينيها ورمت من العياط. ما بقتش قادرة تدخل تشوف ابنها اللي شيرين بتصرف على علاجه، وحاسة بذنب رهيب. فجأة، لقت ضل طويل واقف فوق راسها. رفعت عينها لقت “سليم الدالي”.. الأخ الأكبر لياسين، اللي كان مسافر برة مصر من 10 سنين ومقاطع العيلة كلها بسبب خلافات قديمة على الميراث مع أمه وأخوه.
سليم كان واقف بكبرياء، لابس بدلة سوداء أنيقة، وفي عينيه نظرة تشفي واضحة. بص لندى وقال بنبرة سخرية:
— أهلاً يا ندى.. لسه زي ما أنتِ، غبية وبتجري ورا ياسين والفلوس لحد ما ودتيهم في داهية. فاكرة إن ياسين بيحبك؟ فاكرة إنه بدل العيال عشان سواد عيونك وعشان ابنه يعيش؟
ندى وقفت وهي بترتعش وقالت بصوت متقطع:
— سليم؟ أنت جيت إمتى؟ وياسين بيحبني.. هو عمل كدة عشان ابني ما يمتش!
سليم ضحك بصوت عالي سكت كل اللي في الممر، وقرب منها وهمس في ودنها بكلام خلى ركبها تتسيب ووقعت على الأرض تاني من الصدمة:
— ياسين عمل كدة لأن ابني أنا وأنتِ يا ندى.. ابننا اللي سيبتيه زمان عشان تتجوزي ياسين لما افتكرتي إنه الأغنى.. ياسين كان عارف إن الولد المريض ده مش ابنه.. ده ابني أنا! وهو كان عايز يخلص من ابنك ومن شيرين في خطة واحدة عشان يورث كل حاجة لوحده!
في القصر.. شيرين كانت قاعدة في مكتبها الجديد، يوسف ابنها نايم في السرير اللي جنبها، وهي بتراجع حسابات الشركات اللي بقت تحت إيدها. فجأة، السكرتيرة دخلت وهي بتترعش وقالت:
— مدام شيرين.. في واحد برة اسمه سليم الدالي.. وبيقول إنه صاحب الحق الأكبر في الشركات دي، ومعاه ورق هيقلب كل اللي عملتيه!
شيرين رفعت راسها ببطء، والابتسامة الباردة رجعت لوشها، وقفت وعدلت لياقة قميصها وقالت:
— خليه يدخل.. أنا كنت مستنياه من زمان أوي..
العاصفة مبقتش مجرد انتقام من زوج خاين.. دي بقت حرب عائلية قديمة، وشيرين لسه مجهزة مفاجآت تانية هتدمر عيلة الدالي من جدرانها في الجزء الجاي..
