حكايات زهره الربيع 3

الشيء الثاني اللي سحبته من الكيس مكنش مجرد ورقة، كان جهاز تسجيل صغير وصوت ريكوردر قديم، من الأجهزة اللي بتشتغل بشرايط الكاسيت الصغيرة، وكنت مشغلاه من المقهى في غفلة من الكل.

ضغطت على زرار التشغيل بصبعي المرتعش من الغضب، وفي ثوانٍ، ملأ صوت كريم أرجاء المقهى وهو بيهز الجدران الصامتة. الصوت كان واضح وضوح الشمس، صوته وهو بيصرخ فيا ليلة الحريقة وبيقول بغل:

“خليه يتحرق! خليه يتساوى بالتراب! عشان الرصد والجن اللي جوه يتحرقوا معاه.. وعشان ترتاحي يا سماح!” وبدأ يتردد صوته وهو بيعترف بلسانه إنه هو اللي رمى عود الكبريت وحرق البيت بإيده بعد ما غرق الصالة بالجاز!

أنا كنت ذكية كفاية إني أشغل الريكوردر وأحطه في جيب جلابيتي أول ما شفته ماسك جركن الكيروسين وجاي يجري على البيت، وسجلت كل كلمة قالها وكل ضحكة هستيرية ضحكها والنار بتاكل شقا عمر أبويا وأمي.

الرجالة في المقهى وقفوا كلهم على رجل واحدة. الهمهمات والهمس اتحولوا لثورة وغضب. أعمامي اللي كانوا قاعدين يطبطبوا عليه ويجمعوا له فلوس عشان يبدأ من جديد، اتنفضوا من أماكنهم وبصوا له بنظرات كلها قرف واشمئزاز. كبير عيلتنا، عمي الحاج صالح، وقف وخبط عصايته في الأرض وقال بصوت يرعد:

“يا خسارة تربية أبوك فيك يا كريم! تحرق بيت أختك اليتيمة وتدّعي على ربنا والجن وتتبلى على الغيبيات عشان تداري على فجرك وطمعك؟! وكمان جاي تلم تبرعات مننا وتسرقنا حي وميت؟!”

كريم وشه بقى زي الدم، وبدأ يتلفت حواليه يدور على مخرج، مكنش مصدق إن البنت اللي عندها 18 سنة واللي كان فاكرها مكسورة الجناح، حطت رقبته تحت مقصلة الفضيحة والشرع والقانون في لحظة واحدة.

جرى عليا وحاول يمسكني من رقبتي وهو بيصرخ زي المجنون: “هقتلك يا سماح! هقتلك وأشرب من دمك!”

لكن قبل ما تلمس إيده طرف جلبابي، كان رجالة المقهى وأعمامي هجموا عليه كتل من الغضب، كتفوه ورموه في الأرض، ونزلوا فيه ضرب وضباط البلد والمجلس المحلي اللي كانوا قاعدين على القهوة اتدخلوا فورًا.

عمي الحاج صالح بصل لضابط المباحث اللي كان قاعد بالصدفة وبيشرب شاي وقال له: “الواد ده يتحبس يا باشا.. المحضر يتعمل دلوقت حالا بحرق ملك الغير عمد وتزوير وشهادة الزور والبلطجة على أخته.”

وبالفعل، في أقل من ساعة، كان كريم مقيد بالحديد، وراكب بوكس الشرطة وسط زفة من فضائح وفشل ملأت شوارع القرية كلها. عروسته وأهلها أول ما سمعوا باللي حصل، ووصول التسجيل والورق للشرطة، بعتوا له ورقة طلاقها في نفس الليلة، ورفعوا عليه قضايا تبديد العفش والمؤخر اللى ضاعوا في الحريقة وبقى كريم مهدد بالسجن سنين طويلة بتهمة جناية حريق عمد وجنايات تانية تضيع شبابه وراه القضبان.

الكل كان فاكر إن القصة خلصت هنا، وإن سماح أخدت حقها وكريم هياخد جزاءه ورا الشمس.

لكن اللي مكنش في حسابات حد، ولا حتى في حساباتي أنا.. إن كريم وهو في الحجز، وقبل ما يترحل على النيابة الصبح، هرب من الحرس بمساعدة حد مكنش يخطر على بال الإنس ولا الجن، حد من جوه العيلة كان مصلحته إن كريم ميتكلمش في التحقيقات ويجر رجلين ناس تانية معاه في تزوير ورق قديم يخص أراضي العيلة!

الخبر نزل عليا زي الصاعقة وأنا قاعدة في أوضتي الضلمة بالليل. الباب اتفتح فجأة ودخل ابن خالتي وهو بينهج وشه أصفر ك الليمونة وقال لي بصوت مرعوب:

“الحقي يا سماح.. كريم هرب من المركز.. وهو دلوقت قالب البلد عليكي وحالف ليدفنك صاحية مكان البيت اللي حرقتيه له!”

تجمد الدم في عروقي، واللقمة اللي كانت في إيدي وقعت على الأرض. “كريم هرب؟!” الكلمة رنت في ودني زي جرس الموت.

ابن خالتي كان بيترعش وهو بيبص من ورا الشيش: “هرب يا سماح.. ومش لوحده، في ناس تقيلة في البلد ساعدته يهرب قبل ما يترحل للنيابة الصبح، لأنهم عارفين إنه لو اتداس عليه في التحقيق هيقر على عقود الأراضي القديمة اللي زوروها سوا.. كريم دلوقتي ملوش خسارة، ضاع منه كل حاجة؛ شرفه، وعروسته، وبيته، والقرشين اللي حيلته، وداخل على سجن مؤبد، يعني مفيش قدامه غير الانتقام منك!”

في اللحظة دي، حسيت إن جدران الأوضة الضلمة بتضيق عليا. فكرة إن كريم بكل غله وجنونه طليق في شوارع القرية، وبيدور عليا وفي إيده سلا..ح، كانت كفيلة تخلي أي بنت في سني تموت من الرعب. بس أنا مكنتش أي بنت. الغدر اللي شفته من أخويا يوم موت أمي نشّف قلبي وجمد عروقي.

وقفت على حيلي وقلت لابن خالتي بصوت ثابت يحاول يدراي الرعب اللي جوايا: “هو فاكرني هجري وأستخبى في بيت حد من أعمامي اللي سابوني زمان؟ لا يا كريم.. إنت لسه معرفتش أختك كويس.”

نزلت على ركبي في ركن الأوضة، وحفرت في الأرضية الترابية تحت السرير القديم، وطلعت علبة حديد تانية خالص، أصغر من علبة ورق البيت. فتحتها وطلعت منها “فرد خرطوش” قديم كان بتاع أبويا الله يرحمه، وطلقتين مغلفين بقماش صوف عشان الرطوبة ما تبوظهمش. أبويا كان صياد وكان دايماً يقولي: “السلا..ح في يد المظلوم قوة يا بتي، بس اوعي تطوليه غير لما تضيق بيكي الدنيا خالص.”

ابن خالتي شهق وبص للسلا..ح برعب: “إنتي هتعملي إيه يا سماح؟ ده أخوكي! والشرطة قالبة الدنيا عليه وهيجيبوه!”

قلت له وعيني فيها نظرة حاسمة: “الشرطة هتدور عليه في البيوت وعلى الطرق السريعة.. لكن كريم مش هيخرج من البلد قبل ما يبرد ناره مني. اسمعني كويس.. إنت تروح دلوقتي تبلغ عمي صالح والشرطة إنك شفت كريم مستخبي في المزارع اللي ورا البلد، خليهم يتشتتوا هناك.. وأنا هعرف أستقبله فين!”

خرج ابن خالتي يجري وهو مش مصدق قوتي. قفلت باب الأوضة عليا بالترباس الحديدي القوي، وحطيت الفرد الخرطوش في جيب جلبابي الكبير، وقعدت في الضلمة.. مستنية.

ساعات الليل مرت كأنها سنين. صوت الهوا وهو بيخبط في شيش النافذة كان بيخليني أتحفز وأمسك السلا..ح بقوة. الساعة عتّمت وبقت حوالي اتنين بعد نص الليل، والبلد كلها نامت، والهدوء بقى قاتل ومريب.

وفجأة.. سمعت حركشة خفيفة بره الأوضة.

خطوات بطيئة ومترددة بتدوس على بقايا الرماد والتراب بتاع البيت المحروق. الخطوات كانت بتقرب من باب أوضتي.

حبست نفسي تماماً، وسحبت أجزاء السلا..ح ببطء شديد عشان ميعملش صوت.

الخطوات وقفت بالظبط قدام الباب. وفجأة، وبدون أي مقدمات، الباب اتهز هزة عنيفة كأن في طور هجم عليه! كريم مكنش بيخبط، كان بيحاول يكسر الباب بكتفه بكل غله وقوته وهو بيهمس بفحيح مرعب من ورا الخشب:

“افتحي يا سماح.. افتحي يا بت عشان أوديكي لأمك اللي كتبتك لها البيت.. نهايتك الليلة دي على إيدي!”

الباب الخشبي للأوضة مكنش قوي كفاية يستحمل ضربات كريم المتتالية وغله الأعمى. الترباس بدأ يتخلع من الحيطة، والخشب بدأ يتشقق.

أنا مكنتش خايفة. تراجعت خطوتين لورا، ورفعت السلا..ح بسباطة ثابتة، ووجهته بالظبط ناحية منتصف الباب الخشبي اللي كان بيتكسر قدام عيني.

مع الضربة القوية الأخيرة، الباب انشق بالكامل، وظهر جسم كريم في ضلمة الليل، وعينه بتلمع بشر جنوني وفي إيده “مطواة قرن غزال” طويلة وسامّة!

أول ما عينه جت في عيني وشاف السلا..ح موجه لصدري، مالحقش حتى يندهش.. لأن صباعي كان أسرع وضغط على الزناد!

صوت الطلقة هز أركان القرية كلها، والدخان الأبيض ملى الأوضة الضلمة..

لكن المفاجأة اللي صدمتني ولجمت عقلي، إن كريم مكنش لوحده! والشخص اللي وقع في الأرض غرقان في دمه ورا كريم بعد ما الطلقة اخترقت كتف أخويا وعدت منه، مكنش يخطر على بال جن ولا إنس.. وكان هو اللي كاشف اللعبة من البداية!

أشرقت شمس الحقيقة الصادمة داخل الأوضة الضيقة مع انقشاع دخان البارود الأبيض.

كريم وقع على ركبه وهو بيصرخ وبيمسك كتفه اللي غرقان دم، لكن صرخته مكنتش هي الأقوى. الصرخة المكتومة اللي هزت قلبي ورجعتني خطوتين لورا برعب، كانت صرخة الشخص اللي وقع ورا كريم مباشرة على الأرض الترابية، وهو بيمسك صدره وبيتنفس بصعوبة.

وقعت عيني عليه، وحسيت إن الأرض بتلف بيا.

الشخص ده مكنش غريب.. ده كان **ابن خالتي!** نفس الشاب اللي جالي من كام ساعة يحذرني من هروب كريم، واللي أمنته على سري وبعته يبلغ عمي صالح والشرطة!

بصيت له بذهول وأنا بنهج والسلا..ح لسه في إيدي: “إنت.. إنت عملت إيه يا محمود؟ إيه اللي جابك وراه؟! وليه كنت بتساعده يكسر الباب؟!”

محمود كان بيبصلي بنظرة ندم وخوف وهو بينزف، وبدأ يتكلم بصوت متقطع وضعيف:

“سامحيني يا سماح.. سامحيني يا بنت خالتي.. أنا اللي سلمتك لكريم.. أنا اللي كنت بساعده من الأول.”

في اللحظة دي، كريم ضحك ضحكة هستيرية رغم الوجع اللي في كتفه، وقال بصوت مليان غل وهو بيحاول يقف:

“فاكرة نفسك ذكية يا سماح؟ فاكرة إن العيال الصغيرة دي كانت بتساعدك لله؟ محمود ده هو اللي كان بيعرفني كل خطوة بتخططي ليها.. هو اللي قالي على براميل الصبغة اللي هربتيها، وهو اللي قالي على حيلة خيط الصيد اللي عملتيه مع الشيخ عبد الستار.. بس أنا سيبتك تلعبي وتعملي كل ده عشان تملي البلد كلام عن الرصد والجن، وألاقي الحجة اللي تخليني أحرق البيت ومحدش يشك فيا!”

عقلي وقف عن التفكير. محمود، ابن خالتي اللي كنت فاكراه سندي الوحيد بعد ربنا واللي حركت بيه الميه الراكدة عشان أجيب حقي، كان هو الجاسوس اللي كريم زارعه عليا!

كريم كمل وهو بينهج بوجع:

“محمود وأبوه كانوا واخدين مني قرشين عشان يمشوا معايا في اللعبة، ولما أنا هربت من الحجز بمساعدة الناس التقيلة اللي زورت معاهم العقود، جيت هنا عشان أخلص عليكي وأخد ورقة التنازل والعلبة الحديدية اللي فيها الفلوس اللي أمي شالتها.. ومحمود جه معايا عشان يضمن نصيبه من ورث الأرض اللي هرب من عمامك.. بس غباءك وضيعكم إنتوا الاتنين!”

الغدر كان محاوطني من كل ناحية، زي خيوط العنكبوت. مكنتش عارفة أثق في مين ولا أصدق مين في الدنيا دي بعد أمي.

لكن وسط الذهول ده، الباب المكسور اتدفع بقوة ودخلت إضاءة كشافات شديدة عمت عيوننا.

كان عمي الحاج صالح، ووراه قوة من رجال الشرطة والمباحث اللي حاصرت المكان بالكامل!

عمي صالح بص لكريم ومحمود اللي واقعين في الأرض بدمائهم، وبص للسلا..ح اللي في إيدي بكل هيبة وقار، وقال بصوت حكيم هز الأوضة:

“نزل سلا..حك يا سماح يا بنتي.. حقك جه لحد عندك، واللعبة انفضت بالكامل.”

الضابط كلبش كريم اللي كان بينزف من كتفه، وشالوا محمود اللي كانت إصابته خطيرة بس مش مميتة عشان ينقلوه للمستشفى تحت الحراسة.

اتضح إن عمي صالح، رغم صمته القديم، مكنش غافل. لما سمع تسجيل الريكوردر في المقهى وعرف بحكاية تزوير أراضي العيلة وهروب كريم، راقب تليفونات وتحركات محمود وأبوه، وعلق ليهم الفخ. ولما محمود جه مع كريم عشان يخلصوا عليا وياخدوا العقود، كانت الشرطة ماشية وراهم خطوة بخطوة، ووصلوا في اللحظة الحاسمة اللي أنقذت حياتي ونهت الكابوس ده للأبد.

بعد مرور سنة كاملة على الليلة دي..

القرية كلها هديت، والنفوس صفيّت. كريم اتحكم عليه بالسجن المشدد ١٥ سنة بتهم الحريق العمد والتزوير ومحاولة القتل، ومحمود أخد عقابه بالسجن برضه بعد ما اعترف بكل حاجة وخسر كرامته وأهله.

أما أنا.. فسماح مابقتش البنت المكسورة اللي قاعدة في أوضة ضلمة بالطوب الأحمر.

بمساعدة عمي صالح، أخدت تعويض مادي كبير من فلوس كريم ومن نصيبي الشرعي في الأرض اللي رجعت لينا. وبنيت على أنقاض البيت القديم بيت جديد، بيت واسع ملوش علاقة بالخوف ولا بالرصد، بيت ادهن بألوان مبهجة بتدخلها الشمس من كل ناحية.

حطيت في الصالة صورة كبيرة لأمي وأبويا وهما بيضحكوا، وبقيت عايشة فيه بكرامتي وراسي مرفوعة فوق في السما. كل ما أبص لحيطان البيت الجديد، بفتكر إن الحق مبيروحش، وإن البنت اليتيمة لو ملقيتش راجل يحميها، فـ رصيدها من القوة والصبر عند ربنا.. كفيل يهد جبال الظلم ويخلي الإنس والجن يعملوا لها ألف حساب.

**- تمت -**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *