بعد طلاقي حكايات زهره،2
## الجزء الثالث
لم ألتفت خلفي أبدًا وأنا أجر خطايا المسرعة برفقة يوسف، ركبنا أول سيارة أجرة تصادف طريقنا. كان يوسف ينظر إليّ بفضول طفولي، يمسح بيده الصغيرة على كفي المرتجف ويقول: “ماما، أنتِ زعلانة من عمو اللي كان واجف؟”
ابتسمت له واحتضنته بقوة، دافنة وجهي في شعره حتى لا يرى الدموع التي غافلتني وهبطت رغماً عني. دموع لم تكن حزناً، بل كانت مزيجاً من جمر الذكريات وصدمة اللقاء.
مرت ثلاثة أيام وأنا أعيش في حالة من الترقب والذعر، كل طرقة على الباب كانت تجعل قلبي يقفز من مكانه. كنت أعلم أن عمر لن يصمت؛ فالرجل الذي عاش ست سنوات يظن نفسه عقيماً، رأى فجأة قطعة حيّة من صُلبه، ولن يتنازل عنها ببساطة.
وفي اليوم الرابع، تحقق ما كنت أخشاه.
أثناء خروجي من باب البناية متوجهة إلى عملي، وجدته واقفاً يستند إلى سيارته، وعيناه غائرتان يملؤهما السهر والتعب. لم يكن بهيبة ذلك الرجل الأنيق الذي رأيته قبل أيام؛ كان يبدو كمن خاض حرباً طاحنة مع نفسه.
تقدم نحوي بخطوات متثاقلة، ووقف أمامي يمنعني من التحرك.
“فريدة، أرجوكِ.. اسمعيني بس خمس دقائق، أنا بقالي تلات أيام مبنامش.”
نظرت إليه ببرود وقلت: “مفيش بينا كلام يا عمر، ابعد عن طريقي عشان ملمش عليك الناس.”
قال بنبرة حزينة ومكسورة: “لمي عليا الناس واعملي اللي أنتِ عايزاه، بس مش همشي من هنا قبل ما نتكلم. أنا عرفت كل حاجة.. عرفت إنك كتبتي يوسف باسم أخوكِ ومراته.. إزاي جالك قلب تحرميني من ابني؟ إزاي تخليه يشيل اسم راجل تاني وأنا أبوه؟”
ضحكت بسخرية، ضحكة خرجت من أعماق وجعي القديم: “أنا اللي حرِمتك؟! أنت نسيت كلامك؟ نسيت لما قلتلي (ابن مين ده؟ انزلي البتاع ده ونظفي وراكي)؟ أنت اللي رميتنا يا عمر، أنت اللي اخترت تشتري فرحك الجديد ووهبت نفسك للوهم، وبعتني وبعت شرفي في لحظة.”
سقطت دموعه حارة وهو يحاول الإمساك بيدي، لكنني تراجعت: “أنا كنت غبي.. كنت مصدوم من كلام الدكتورة، والشيطان لعَب بدماغي وقسّى قلبي.. أنا متجوز مريم من ست سنين، ولفينا دكاترة العالم عشان نخلف، وفي الآخر تبنينا طفل عشان نملى بيه البيت.. وبقالي ست سنين بموت في اليوم مية مرة وأنا شايف اسمي هينقطع من الدنيا.. لحد ما شفت يوسف.. يوسف حتة مني يا فريدة، حرام عليكي تحرميني منه.”
قاطعت صوته الباكي بقسوة لم أعهدها في نفسي: “حرام عليا أنا؟! يوسف عاش ست سنين وأنا اللي بكشف عليه، وأنا اللي بسهر جمبه وهو سخن، وأنا اللي دفعت تمن لقمته وهدومه من عَرَقي وشقايا.. فين كنت أنت؟ كنت بتلف دكاترة العالم مع مراتك الجديدة! يوسف مش ابنك.. يوسف ابن الوجع اللي عشته لوحدي.”
استدرت لأرحل، لكنه هتف وراءه بنبرة تغيرت فجأة، نبرة عاد إليها بعض من التهديد والوجل: “مش هسيب ابني يا فريدة.. لو الموضوع موافق بالرضا، أنا مستعد أعوضك بكل اللي تطلبيه، أكتبله نص أملاكي، وأعملك اللي أنتِ عايزاه.. لكن لو عاندتي، أنا هرفع قضية إثبات نسب، وهطلب تحليل DNA، والمحكمة هتحكم ليا.. يوسف هيشيل اسمي غصب عن أي حد.”
توقفت في مكاني، وشعرت برعشة حقيقية تضرب أركاني. المحاكم، والتحاليل، والفضائح التي حاولت طوال ست سنوات أن أحمي طفلي منها.. هل سيعيدني إلى تلك الدائرة المظلمة مجدداً؟
التفت إليه وعيناي تشتعلان غضباً وخوفاً في آن واحد: “أعلى ما في خيلك اركبه يا عمر.. جرب تلمس شعرة من يوسف، وهتشوف فريدة تانية خالص غير الضعيفة اللي طلقتها ورميتها في الشارع.”
تركتُه ومشيت، لكن كلماته عن المحكمة والتحاليل ظلت تتردد في عقلي كالنواقيس. ذهبت فوراً إلى أخي “أحمد” في منزله، وجلسنا في غرفة المغلقة، وقصصت عليه كل ما حدث والنار تأكل صدري.
نظر إليّ أحمد بقلق بالغ وقال: “الموضوع مبقاش سهل يا فريدة.. عمر لو لجأ للقضاء وعمل تحليل DNA، القانون هيثبت نسب الولد ليه، وشهادة الميلاد اللي عملناها هتبقى في موقف قانوني صعب وممكن ندخل في سكة تزوير.. لازم نفكر بعقل، عمر مش هيسكت.”
وفيما نحن غارقون في حيرتنا وخوفنا، رن جرس باب الشقة بعنف.. فتح أحمد الباب، لتكون المفاجأة التي لم نتوقعها أبداً.
لم يكن عمر هو الطارق.. بل كانت زوجته، “مريم”.
## الجزء الرابع
وقفت مريم عند الباب وجسدها يرتجف، ملامحها الأنيقة كانت مبعثرة، وعيناها حمراوان من كثرة البكاء. نظرت إلى أخي أحمد ثم وجهت بصرها نحوي مباشرة، ودخلت الشقة بخطوات متعثرة دون أن تنتظر إذنًا من أحد.
أغلق أحمد الباب ببطء وهو ينظر إليّ بقلق، بينما تقدمت مريم نحوي، وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، وجدتُها تجثو على ركبتيها أمامي، وتمسك بطرف عباءتي وهي تبكي بحرقة تصدع الحجر.
“فريدة.. أنا جيتلك ومستعدة أبوس رجلك بس اسمعيني.. أرجوكي ارحميني وارحمي ابني اللي في البيت!”
تراجعت خطوة للخلف مصدومة من منظرها، وقلت بنبرة مرتبكة: “قومي يا مدام مريم.. قومي من الأرض واقعدي وفهميني في إيه؟ وأنا مالي ومال ابنك؟”
وقفت بصعوبة وساندتها على المقعد، فجلست وهي تمسح دموعها بيدين ترتعشان: “عمر رجع البيت قالب الدنيا.. كسر كل حاجة، وصرخ في وشي وقالي إن الولد اللي اتبنيناه ملوش مكان في البيت بعد النهاردة.. قالي إنه لقى ابنه الحقيقي، ابنه من صُلبه.. قالي إنه هيطلقني لو وقفت في طريقه، وهيقاضيكي وياخد الولد يعيش معاه غصب عن الكل.”
شعرت بغثيان يجتاحني، وضغطت على رأسي بيدي.. هذا الأناني لا يرى في الكون سوى نفسه، دمر حياتي سابقًا، والآن مستعد لتدمير حياة زوجته والطفل البريء الذي تبنوه لمجرد إرضاء كبريائه.
تابعت مريم ونبرتها تحولت إلى توسل مرير: “أنا بقالي ست سنين مستحملة طبعة البارد، ومستحملة عيوبه وعشته المُرّة عشان كان نفسي في عيل.. ويوم ما ربنا كرمني بالطفل اللي اتبنيناه وحبيته وبقى حتة من قلبي، جاي عمر يرميه في الشارع عشان ياخد ابنك؟ فريدة.. أنتِ أم وزي ما حاربتي عشان ابنك ست سنين، أنا مستعدة أحارب عشان ابني.. أرجوكي م تديهوش يوسف، متخليهوش يكسب القضية.”
نظر أحمد إليها وقال بجدية: “يا مدام مريم، عمر بيهددنا بالقانون وبتحليل الـ DNA، والموضوع مش بإيدينا لو لجأ للمحاكم.. إحنا نفسنا خايفين على يوسف.”
رفعت مريم رأسها فجأة، ولمعت في عينيها نظرة غريبة، نظرة امرأة جريحة مستعدة لفعل أي شيء لحماية بيتها، وقالت بصوت منخفض وممتلئ بالغل: “عمر كذاب.. عمر مبيخلفش فعلاً يا فريدة!”
وقعت الكلمة عليّ كالصاعقة. نظرت إليها بذهول وقلت: “إزاي؟ يوسف نسخة كربون منه.. ملامحه، عيونه، كل حاجة فيه بتقول إنه ابنه! الدكتورة زمان كانت غلطانة؟”
“لأ.. الدكتورة مش غلطانة”، قالت مريم وهي تفتح حقيبتها بسرعة وتخرج منها ملفًا طبيًا وتضعه على الطاولة أمامنا: “دي تحاليل وفحوصات عمر اللي عملناها برة مصر من سنتين بس.. عمر عنده عقم كامل وغير قابل للعلاج.. يوسف مستحيل يكون ابنه من صُلبه بيولوجيًا!”
دارت الدنيا بي.. شعرت أن الأرض تميد من تحت قدمي. يوسف ليس ابن عمر؟ إذن كيف يشبهه إلى حد التطابق؟ كيف يحمل ملامحه بدقة كأنه صُب في قالب منه؟ هل هناك سر آخر لا أعلمه؟
قلت بصوت يرتجف: “أنتِ بتقولي إيه يا مريم؟ أنا عمري ما عرفت راجل غير عمر.. يوسف ابنه، أنا متأكدة!”
قالت مريم وهي تمسك بالملف: “أنا مش بطعن في شرفك يا فريدة.. الولد شبهه فعلاً، وأنا شفته بعيني واتصدمت.. بس العلم مبيكذبش، والتحاليل دي من أكبر مستشفيات ألمانيا.. في حاجة غلط في الموضوع ده، حاجة إحنا مش فاهمينها.. بس الأكيد، إن عمر لو عمل التحليل في المحكمة، التحليل هيطلع سلبي! والولد مش هيتكتب باسمه.. بس وقتها، الفضيحة هتبقى للكل، وعمر هيتجنن ويدمرنا كلنا.”
وقف أحمد مذهولاً يمسك بالأوراق ويقرأها، بينما كنت أنا غارقة في دوامة من الأسئلة التي بلا إجابات. إذا كان عمر عقيماً بشكل قاطع، فكيف خُلِق يوسف بكل هذا الشبه؟
وفي تلك اللحظة، وقبل أن نستوعب الصدمة، تذكرت شيئًا غاب عن بالي منذ سبع سنوات.. تذكرت يوم أن أخذني عمر لعمل تحاليل قبل الزواج، وتذكرت الطبيبة التي كانت صديقة مقربة لوالدته المتوفاة.. وتذكرت جملة قالتها لي الممرضة وقتها ولم ألقِ لها بالاً.
قطع حبل أفكاري صوت هاتف مريم وهو يرن.. كان عمر.
نظرت إلينا برعب وقالت: “ده عمر.. أكيد عرف إني مش في البيت.”
أشار لها أحمد أن تجيب وتفتح مكبر الصوت.
جاء صوت عمر عبر الهاتف، لكنه لم يكن صوت الرجل المكسور أو المهدد.. كان صوته يرتجف هلعاً ورعباً، وصوت أنفاسه متلاحقة كأنه يهرب من مصيبة: “مريم.. أنتِ فين؟ ارجعي البيت حالاً.. المصيبة وقعت على دماغي.. التحاليل القديمة.. الملفات القديمة بتاعة أمي.. في كارثة أنا لسه عارفها حالا عن فريدة وعن الولد!”