حكايات اسما السيد 1
ضرتي خلتني أقف في آخر القاعة يوم تخرج ابني… لكن ابني قال جملة واحدة خلت القاعة كلها تقف على رجليها.
“ابنك مش عايزك تقعدي قدام يا مدام… ولو مُصممة تحضري، ممكن تقفي ورا.”
دي كانت الجملة اللي قالتها مرات جوزي السابق قدام الناس كلها، وكأن تمنتاشر سنة أمومة ممكن تتمسح علشان كرسي.
وقفت ساكتة.
مش علشان الكلام ماوجعنيش.
لا… وجعني لدرجة إني حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
بس ابني كان واقف ورا الستارة الزرقا، مستني لحظة تخرجه.
ورفضت أسمح لقسوة أي حد تبوظ أهم يوم في حياته.
اسمي “مريم السيوفي”، عندي ٤٢ سنة، والصبح ده كنت كويت فستاني الأزرق مرتين.
الفستان ماكانش غالي.
اشتريته من محل بسيط في مدينة نصر وقت التخفيضات، بعد ما خلصت شيفت طويل في العيادة.
ولما قسته قدام المراية، ابتسمت لنفسي وقلت:
“آدم هيشوف أمه حلوة في الصور.”
ابني “آدم السيوفي” كان بيتخرج من الثانوية بتفوق.
ابني.
نفس الطفل اللي كان ينام على رجلي وأنا بخيط هدوم للناس علشان أجيب فلوس زيادة.
نفس الولد اللي اتعلم يعمل رز وهو عنده ١١ سنة علشان كنت برجع متأخرة من الشغل.
نفس الطفل اللي مرة سابلي ورقة على المخدة مكتوب فيها:
“ماما… ماتعيطيش. لما أكبر هخليكي ترتاحي.”
اليوم ده كان يومه.
وكنت مُصممة أضحك… حتى لو قلبي كله بيرتعش.
وصلت المدرسة أنا وأختي “نجلاء”، اللي كانت شايلة بوكيه عباد شمس وبتعيط قبل الحفلة حتى ما تبدأ.
قالتلي وهي نازلة من العربية:
“بلاش عياط فضايح النهارده.”
ضحكت وقلت:
“هحاول أعيط بذوق.”
وضحكنا إحنا الاتنين.
ولثواني قليلة… كنت سعيدة فعلًا.
مدرسة آدم كانت من النوع اللي العربيات الفخمة تملأ جراجها، والناس تصور أولادها ببالونات أغلى من مرتب شهر.
لكنه دخل المدرسة دي بمنحة.
بتعبه.وبسهره.وبكل شيفت إضافي أنا اشتغلته.
كان في أيام بحس إن المدرسة دي مش معمولة لناس زينا.
لكن آدم كان يمشي فيها رافع راسه… كأنه مقتنع من زمان إن الدنيا حقه هو كمان.
قبل التخرج بأسبوع، بعتلي رسالة:
“ماما، حجزتلك كرسيين قدام. الناحية الشمال. عايزك قريبة لما ينادوا اسمي.”
رديت عليه بقلب أحمر.
وبعدين استخبيت في حمام العيادة عشر دقايق أعيط من الفرحة.
لكن لما دخلت أنا ونجلاء القاعة…
الكرسيين اختفوا.
في الصف الأول، الناحية الشمال، كان قاعد طليقي “رامي عزت”، ومراته الجديدة “داليا”، وأمها، وقرايبها، وناس عمري ما شفتهم.
كلهم لابسين كأنهم هما اللي هياخدوا الشهادة.
رامي كان لابس بدلة غالية، وشعره متظبط، ونفس النظرة اللي كان بيبصها لما يحب الناس تشوفه مهم.
أما داليا…
فستان شامبين، كعب عالي، وابتسامة متجمدة كأنها متدربة عليها.
شافتني.
لا قامت.
ولا سلمت.
بس بصت للموظف اللي واقف بقائمة المقاعد.
الولد جه ناحيتي وهو متوتر أصلًا.
قال:
“آسف يا مدام… المقاعد دي محجوزة.”
ابتسمت بالعافية وقلت:
“أيوه، ابني آدم السيوفي حاجزلي كرسيين هنا.”
الولد بص للقائمة.
ثم بص للصف الأول.
وبعدين بلع ريقه.
“المكتوب عندي إن المقاعد لعيلة عزت.”
حسيت حاجة ساقعة بتفتح جوا صدري.
قلت:
“أنا أمه.”
نجلاء قربت بعصبية:”يعني إيه؟ دي أم الولد!”
الولد وطّى صوته:آسف جدًا… بس اتقالي لو حضرتك جيتي… ممكن تقفي ورا.
“تقف ورا؟!” نجلاء صرخت. “إنت سامع نفسك؟”
وهنا…
داليا لفت ببطء، ومن غير حتى ما توطي صوتها.
وقالت:
“آدم مش ناقصه دراما النهارده. أمه تتفرج من ورا… أكيد متعودة.”
الكلام ضربني أقوى من الكف.نجلاء مسكت الورد بعنف وقالت:”قوليها تاني كده.”مسكت إيدها بسرعة.
“لا.””مريم، ماينفعش تسكتي!”
همست:”مش النهارده… مش يومه.”
رامي حتى ما لفش.
ودي كانت أكتر حاجة وجعتني.
لا دافع عني.ولا حتى دافع عن رغبة ابنه.ولا بص ناحيتي.
بس عدل بدلته وكمل بص على المسرح كأن كل حاجة في مكانها الطبيعي.حتى أنا…في آخر القاعة.حسيت إن الناس كلها بتبصلي.يمكن ماكانوش.
بس الإهانة بتخلي أي همسة تحسها باسمك.
مشيت لآخر القاعة.
أنا ونجلاء.وقفنا تحت علامة الخروج.من غير كراسي.
من غير برنامج.من غير حتى وردة على مكاننا.
مجرد ضل بعيد عن المسرح.نجلاء همست:
“آدم قالك الصف الأول.”
قلت:”عارفة.”
“يبقى أكيد مايعرفش اللي حصل.”
ما رديتش.لأن السؤال اللي كان بيمزقني هو:
ماذا لو كان يعرف؟
ماذا لو رامي خلاه يختارهم؟
ماذا لو ابني اختار العيلة اللامعة قدام… بدل أمه اللي تعبت؟
كرهت نفسي إني فكرت كده.
بس الخوف مش دايمًا عادل.
بدأت الحفلة.
المدرسين دخلوا.
الطلبة صفّوا.
والمديرة طلعت تتكلم عن النجاح… وعن العائلات اللي بتقف جنب ولادها.
“العائلات اللي بتقف جنب ولادها.”
اضطريت أضغط على شفايفي علشان ما أعيطش.
من آخر القاعة كنت شايفة رامي مرتاح.
وداليا بتهمسله.
وأمها بتصور كأن آدم ابنهم هما.
وفجأة…افتكرت يوم ما رامي سابنا.كان آدم عنده ست سنين.قال إنه “عايز يلاقي نفسه.”
الغريب إنه لقى نفسه بسرعة جدًا في بيت تاني… مع ست تانية… وحياة تانية.في الأول وعد بزيارات.
ثم مكالمات.ثم أيام كاملة.وبعدين بقى كل أسبوعين.
ثم هدايا متأخرة.ثم نفقة بالمحكمة.لكن عمري ما شوّهته قدام آدم.أبدًا.بلعت كل وجع.
كل خيبة.
كل مرة ابني يقف عند الشباك مستني أبوه.
وكنت أقول:”بابا بيحبك بطريقته.”
وبعدين أدخل الحمام وأعيط… لأن بعض أنواع الحب تشبه الهجر جدًا.
لكن آدم كبر.
وأنا كنت موجودة.
في السخونية.
في المذاكرة.
في ماتشات الكورة اللي كنت أروحها باليونيفورم.
في اجتماعات المدرسة اللي كنت أوصلها متأخرة وريحة المطهرات في هدومي.
في الليالي اللي كان العشا فيها بيض وخبز لأن المرتب لسه بعيد.
وفي الصباحات اللي كان ينهار فيها، فأقوله:
“إحنا السيوفيين ما بنركعش غير لربنا.”
وفجأة…المزيكا اتغيرت.الطلبة بدأوا يدخلوا.الناس كلها وقفت تسقف.فضلت أدور وسط العباءات الزرقا لحد ما شفته.
آدم.طويل.هادي.جميل بشكل وجع قلبي.عينيه كانت بتدور في القاعة وهو ماشي.
في الأول بص للصف الأول.رامي رفع إيده بفخر.وداليا ابتسمت.لكن آدم…ما ابتسمش.عينه كملت تدور.على الصفوف.على الناس.لحد ما وصلت لآخر القاعة.وشافني.عينينا اتقابلت.وفي اللحظة دي…وشه اتغير…
وفي اللحظة دي… وشه اتغير تمامًا.
ملامح الفرحة والهدوء اللي كانت على وشه اختفت، وحل مكانها ذهول، وبعدين غضب مكتوم وهو شايفني واقفة أنا وخالته نجلاء في آخر القاعة، تحت علامة الخروج، من غير كراسي، وسط الزحمة والناس اللي بتتحرك حوالينا.
آدم وقف في مكانه لثوانٍ، لدرجة إن زميله اللي وراه خبط فيه بالراحة علشان يكمل مشي مع الطابور. رامي وداليا كانوا فاكرينه بيبص عليهم ورافعين إيديهم، لكن عيون آدم كانت مثبتة عليا أنا. لمح فستاني الأزرق، ولمح بوكيه عباد الشمس اللي في إيد نجلاء، وعرف على طول إيه اللي حصل.
كمل مشي مع زمايله لحد ما طلعوا كلهم على المسرح وقعدوا في أماكنهم. وطول ما المديرة كانت بتتكلم، عينه ما نزلتش من عليا. كنت بهز راسي ليه بالراحة وابتسم، وبشاورله بـ “إبهامي” يعني كل حاجة تمام، اركز في حفلتك. لكن هو ما كانش تمام. كنت شايفة فكه المشدود، وإيده اللي بتفرك الشهادة اللي لسه ما استلمهاش.
بدأت المديرة تنادي الأسامي بالترتيب الأبجدي.
الطلبة كانت بتطلع، وأهاليهم في الصفوف الأولى بيقفوا يصرخوا ويسقفوا. رامي عدل جرافته، وداليا جهزت تليفونها الغالي على وضع الفيديو، وأمها بدأت تظبط قعدتها عشان تظهر في الكادر.
وجاء الدور عليه.
المديرة مسكت المايك وقالت بصوت قوي:
“والآن… الطالب المثالي والحاصل على المركز الأول على الدفعة… آدم رامي عزت.”
القاعة كلها هزتها السقفة. رامي وقف بطوله، وداليا وقفت معاه وهي بتصوت بفخر مصطنع، والتفتت يمين وشمال عشان تأكد للناس إن البطل ده يخصهم.
آدم قام من مكانه. مشي بثبات لحد ما وصل للمسرح، استلم شهادته، وسلم على المديرة. وفي المدارس اللي من النوع ده، الطالب الأول بيكون ليه حق يلقي كلمة التخرج نيابة عن زمايله.
المديرة قربت منه المايك، وابتسمت وقالت: “اتفضل يا آدم، القاعة كلها بتسمعك.”
آدم مسك المايك. بص على الورقة اللي في إيده، والناس كلها سكتت مستنية خطبة التخرج التقليدية عن الطموح والمستقبل. لكن آدم طبق الورقة وحطها في جيب بدلته.
بص مباشرة على الصف الأول. على أبوه ومراته. داليا كانت لسه رافعة التليفون وبتسجل.
آدم قرب من المايك، وبصوت جهوري، هادي ومسموع في كل ركن في القاعة، قال:
“أنا اسمي آدم مريم السيوفي.”
القاعة كلها سكتت سكوت مفاجئ. داليا نزلت التليفون ببطء، ورامي ملامحه اتجمدت.
آدم كمل وهو عينه بتتحرك من الصف الأول وبتروح لآخر القاعة، مكاني أنا:
“الاسم اللي مكتوب في شهادتي مش هو اللي صنعني. اللي صنعتني هي الست اللي واقفة هناك دي… في آخر القاعة، عند باب الخروج.”
في اللحظة دي، مئات الرؤوس في القاعة لفت كلها ببطء وبدأت تبص ورا. الكاميرات اللي كانت موجهة للمسرح، لفت وصوبت عدساتها وفلاشاتها عليا أنا وفستاني الأزرق الرخيص.
آدم كمل في المايك، وصوته بدأ يرعش بس بقوة:
“الست اللي واقفة ورا دي، اشتغلت شيفتات إضافية في العيادات عشان أدخل المدرسة دي. خيطت هدوم للناس بالليل عشان تدفعلي تمن الكتب. الست دي هي اللي خلتني راجل، وهي اللي علمتني إن السيوفيين ما بيركعوش غير لربنا. وعشان كده… أنا مش هلقي خطبتي وأنا شايف أمي واقفة على رجليها في آخر الصالة عشان في ناس فاكرة إن الكراسي بتتشري بالفلوس.”
آدم نزل المايك من على حامل المسرح، وبحركة سريعة ومفاجئة، نزل من على السلالم.
ساب المديرة، وساب المدرسين، ومشي في الممر الواسع اللي في النص.
وهو ماشي، عدى على الصف الأول. رامي حاول يمد إيده يمسكه ويقوله: “آدم، إنت بتعمل إيه؟ الفضايح دي؟”
لكن آدم وداير وجهه عنه تمامًا، ولا كأنه شايفه. عدى من جنب داليا اللي وشها بقى أصفر زي الليمونة من الصدمة والإحراج قدام مجتمعها اللي بتهتم بيه.
آدم كان بيمشي بخطوات سريعة وواسعة في الممر، والشهادة في إيده، لحد ما وصل عندي في آخر القاعة.
وقف قدامي.
كانت دموعه نزلت خلاص.
رفع إيده وحط قبعة التخرج الزرقا على راسي أنا، وحط الشهادة في إيدي، ووطى باس راسي قدام العيون دي كلها، وقال بصوت عالي سمعه كل اللي حوالينا:
“مبروك التخرج يا أمي… الشهادة دي بتاعتك إنتي، وإنتي اللي مكانك قدام الكل.”
في اللحظة دي، سمعت صوت كراسي بتتحرك بعنف. الناس في الصفوف الأخيرة بدأت تقف وتسقف. وبعدين الصفوف اللي في النص. وخلال ثواني، القاعة كلها كانت واقفة على رجليها، بتسقف لآدم وليا. الدكاترة، المهندسين، أهالي الطلبة الأغنياء، كلهم كانوا بيبصوا لآخر القاعة وبيسقفوا بحرارة، وبعض الأمهات كانوا بيعيطوا.
نجلاء كانت بتصرخ وهي بتعيط وتديله بوكيه عباد الشمس: “أنا قلتلك بلاش عياط فضايح!”
وأنا؟ أنا كنت حاسة إن الـ ١٨ سنة تعب دابوا في ثانية واحدة. الركض في الشوارع، ريحة المطهرات، قلة الفلوس، الخوف من المستقبل… كله اتمسح.
آدم مسك إيدي وإيد خالته وقال: “يلا بينا من هنا، الحفلة بالنسبة لي خلصت.”
ولما التفتنا عشان نمشي ونخرج من الباب، بصيت لورا بصه أخيرة.
كان الصف الأول فاضي تمامًا. رامي وداليا وأهلها كانوا بيلموا حاجتهم وبيمشوا بسرعة من الأبواب الجانبية عشان يهربوا من نظرات الناس وهمساتهم اللي بقت كلها عليهم.
خرجنا للهواء والشمس. وآدم دراعه في دراعي.
بصيت للفستان الأزرق وقلت في بالي: “فعلاً… آدم شاف أمه أحلى واحدة في القاعة كلها.”
