حكايات اسما السيد 1
جوزي يوم وفاة ابويا ميل عليا وقالي: كده الشقه بقت باسمي رسمي ومفيش حد يدور ورايا…ولو حابه تعترضي عادي.. اعترضي…انتي طالق
بعد وفاة ابويا حرفيا كنت منهاره بين وجع الفراق ومرارة اني خلاص ما بقاش ليا ضهر وسند لقيت جوزي مال عليا وأنا واقفة ببص علىه لاخر مره وهمس في ودني: أنا غيرت كالون الشقة اللي ورثتيها… الشقة اللي بـ ٣٠ مليون جنيه. ولو مش عاجبك، نطلق عادي.
قالها بهدوء… بثقة… وكأنه اختار اللحظة دي بالذات علشان يضربني وأنا مكسورة ومش قادرة أرد.
في اللحظه دي جوزي كشف لي حقيقته كلها… ووقع بنفسه
في الفخ اللي أبويا كان شايفه من قبل ميموت.
عمري ما كنت متخيلة إن الحزن والعبث ممكن يجوا في نفس اللحظة…
بس ده اللي حصل يوم جنازة أبويا.
اسمي مي، وكنت في اليوم ده بالكاد واقفة على رجلي.
الحزن اللي جوايا ماكنش شكله درامي زي ما الناس فاكرة… كان تقيل… صامت… زي ما تكون الدنيا كلها بعدت عني ومدياني ضهرها..وبقيت محتاجة مجهود علشان أسمع أي حاجة….أبويا رباني لوحده بعد ما أمي ماتت. …..
علمني أفهم الناس من سكاتهم….علمني إن الابتسامة ساعات بتخبي وجع أكتر من الكلام.
ويوم الجنازة… كنت مستنزفة من كل ناحية ممكنة.
أما جوزي، كريم… كان شكله مثالي…ودي المشكلة.
من بره، كان الراجل اللي أي حد يتمناه في موقف زي ده… هادي… متماسك… بيظبط كل حاجة… بيهدي فيا… وبيبعدني عن الناس اللي بتيجي تمثل الحزن قدام الكاميرات.
أي حد يشوفه يقول إني محظوظة.
أبويا كان شغال في الاستثمار العقاري …راجل هادي… مابيحبش المنظرة…
كان يشوف عمارة قديمة محدش عايزها… ويشوف فيها مستقبل محدش شايفه.
بنى ثروة كبيرة… من غير ما يحتاج تصفيق حد.
وبعدين… مات…والمحامي شرح لي الورث.
كان فيه وصل واحد بس باسمي لوحدي: شقة على البحر في سيدي عبد الرحمن…قيمتها؟حوالي تلاتين مليون جنيه.
في أي وقت تاني… الرقم ده كان هيصدم أي حد.
بس في جنازتة…!..مالوش أي معنى.
دي الحقيقة اللي محدش بيقولها… الفلوس بتكون ولا حاحه لما الشخص اللي نفسك ترجعه بأي تمن يكون راح.
كنت واقفه….ببص على قبر أبويا… وبحاول ما انهارش قدام الناس….وفجأة كريم مال عليا.
افتكرت هيقول كلمة تطبطب…وجعي…يمكن يقول أي حاجة عدلة تخفف حملي التقيل.. او ياخدني في حضنه يقولي… ابكي… بس متبعدنيش.. انا جمبك وفي ضهرك..
بس اللي قاله… كان وجعي الاكبر:
“أنا غيرت كالون الشقة اللي ورثتيها… ولو مش عاجبك، نطلق.”
ثانية واحدة… افتكرت إني سمعت غلط من كتر الحزن.
بصيت له…وساعتها اتصدمت..لأنه ماكنش متعصب…
ولا منفعل…ولا حتى متوتر….كان هادي…
وواثق…
كأنه اختار اللحظة دي علشان يضمن إني مش هقدر أرد.
في جنازة أبويا…
قدام قبره…
وسط الناس والشيخ بيدعيله علي باب قبره…
قرر يقولي إنه سيطر على ورثي… ومستعد يستخدم الطلاق كسلاح لو ما مشيتش على مزاجه…ما رديتش.
سيبته وبكيت بحرقه من قلبي.. لكنه مرحمنيش رجع بكل بؤوظ تاني وقال:…
## الجزء الثاني
ما ردتش عليه وقتها.. الدموع اللي كانت نازلة على أبويا، فجأة اتحولت لدموع قهر من الشخص اللي المفروض إنه سندي. كريم سابني واقفة مصدومة ومشي يكمل مراسم الدفن ببرود، وكأنه ما كسرش قلبي بكلمتين.
رجعت البيت، والحزن على أبويا كان لسه هو اللي مسيطر، بس كلام كريم كان زي السم اللي بيجري في عروقي. دخلت الشقة، لقيت كريم قاعد في الصالة، بيشرب قهوة ومنتهى الهدوء على وشه. بص لي وقال ببرود:
“فكرتي؟ الشقة دي تأمن مستقبلنا، وأنا مش هسمح لفلوس زي دي تضيع في حسابات بنكية مركونة. أنا جوزك، وكلمتي هي اللي تمشي.”
قربت منه وأنا كلي ثبات انفعالي غريب، الثبات اللي أبويا علمهولي لما أكون في عز العاصفة. قولتله بصوت واطي:
“أنت فاكر إنك بكده لويت دراعي؟ أنت اخترت أصعب لحظة في حياتي عشان تسرقني.”
ضحك بسخرية وقال: “أنا مابسرقش، أنا بحمي ممتلكاتنا. وبعدين المحامي قال إن الورق لسه ما خلصش، يعني وجودي جنبك هو اللي هيسهل كل حاجة.. وإلا زي ما قولتلك، كل واحد يروح لحاله، وتطلعي من الجنازة على بيت أهلك القديم.. لو عرفتي تدخلي الشقة اللي غيرت كالونها أصلاً.”
سيبته ودخلت أوضة أبويا.. قعدت على سريره، ريحة هدومه كانت لسه في المكان. فتحت درج الكومودينو اللي كان دايماً يقفله، ولقيت ظرف مكتوب عليه بخط إيده: **”لابنتي مي.. يوم ما تحسي إن الدنيا ضاقت عليكي.”**
فتحت الظرف وأنا إيدي بترعش. لقيت ورقة صغيرة، ومفتاح غريب، وفلاشة. الورقة كان مكتوب فيها:
“يا مي، الاستثمار مش بس في الحيطان، الاستثمار الحقيقي هو إنك تعرفي مين اللي يستاهل يمشي جنبك في الطريق. كريم طماع يا بنتي، وأنا كنت عارف ده من أول يوم دخل فيه بيتنا، بس كنت مستنيكِ أنتِ اللي تشوفي الحقيقة بنفسك عشان تتعلمي. الشقة اللي في سيدي عبد الرحمن دي ‘فخ’ أنا نصبه للي عينه في مالك.. افتحي الفلاشة وهتفهمي.”
قمت بسرعة، جبت اللاب توب وشغلت الفلاشة. ظهر قدامي فيديو لأبويا وهو قاعد في مكتبه، بيتكلم بهدوء:
“مي حبيبتي، لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى غالباً كريم كشف عن وشه الحقيقي. الشقة دي فعلاً قيمتها كبيرة، بس أنا مسجلها بعقد بيع نهائي وتاريخ قديم لجهة خيرية، والورق اللي معاكي دلوقتي ما هو إلا ‘مسودة’ غير مفعلة. أنا عملت كده عشان أشوف هيعمل إيه.. والتوكيل اللي هو فاكر إنه يقدر يستخدمه، أنا لغيته من شهرين من غير ما يعرف.”
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة. أبويا كان حاميني حتى وهو تحت التراب. كمل أبويا في الفيديو:
“دلوقتي يا مي، المفتاح اللي في الظرف ده، لمكتب صغير في وسط البلد، هناك فيه ‘الورث الحقيقي’.. بعيد عن عين كريم وبعيد عن أي طمع. خدي حقك منه بالمنطق يا بنتي، زي ما علمتك.”
قفلت اللاب توب وخرجت للصالة. كريم كان لسه قاعد، بص لي وقال بزهق: “ها؟ قررتي إيه؟ هنروح بكره الشهر العقاري نتنازل عن الشقة ليا ولا أرمي لك شنطة هدومك بره؟”
بصيت له بابتسامة باردة، الابتسامة اللي كان أبويا بيبتسمها لما بيعرف يقرأ اللي قدامه صح، وقولتله:
“تعرف يا كريم.. أنت فعلاً عندك حق، الشقة دي غالية قوي.. بس للأسف، هي أغلى من إنها تكون من نصيبك.”
كريم وقف بغضب: “يعني إيه؟ أنتِ بتهيألي بتلعبي بالنار!”
رديت بثقة: “النار اللي أنت ولعتها يوم الجنازة يا كريم، هي اللي هتحرقك دلوقتي. وأنا موافقة على عرضك.. أنا فعلاً عايزة اطلق.”