خطيبي حكايات رومانى مكرم 2
أحمد لف وبص لها وهو رافع حواجبه، مستني كلمة اعتذار أو محاولة لتهدئة الموضوع، لكن ملامح وشها ونظرة عينيها كانت خالية تماماً من أي تراجع. كانت واقفة وثابتة في مكانها، كإن الصدمة اللي شلتها من شوية تبخرت وطلعت مكانها قوة جديدة ومخيفة.
قربت منه خطوتين، وعينيها متثبتة في عينيه، وقالت بنبرة هادية جداً بس حاسمة لدرجة تقطع أي نقاش:
«الشنطة اللي فيها حاجتك والشبكة.. هتوصلك لحد بيتك بكرة الصبح.»
أحمد اتسمر في مكانه، والضحكة البايخة اللي كانت على وشه اختفت تماماً، ملامحه اتقبضت وبص لها بذهول وهو مش مصدق اللي بيسمعه:
«إنتِ بتقولي إيه؟ الشنطة والشبكة؟ إنتِ اتجننتي يا بنتي؟ عشان عشرة جنيه بتنهي خطوبة؟!»
ردت عليه بنفس الهدوء اللي بيسبق العاصفة:
«أنا قولتلك من شوية.. وعقلك الصغير مش قادر يستوعب.. الموضوع عمره ما كان العشرة جنيه. الموضوع في إنك هُنت عليا.. هُنت عليك تتهمني في أمانتي وشرفي، وهُنت عليك تذلني بقرشين، وهُنت عليك تشتمني بأبشع الألفاظ وتسميها هزار. الشخص اللي يعمل كدة وهو لسه على البر، وبسبب تافه زي ده.. هيعمل إيه لما نتشاكل جوه بيت مقفول علينا؟»
أحمد بدأ يتعصب بجد، وصوته علي وهو بيحاول يسترد هيبته قدام أمها:
«أنا مش هسمحلك تتبلي عليا! أنا قولت كلمة في ساعة غضب وهزار، وإنتِ اللي نكدية وبيدور في دماغك سيناريوهات. فكري كويس في اللي بتقوليه ده، عشان لو خرجت من الباب ده، مش هتشوفي وشي تاني.»
في اللحظة دي، الأم اللي كانت واقفة ومتابعة بكل حسم، اتدخلت وصوتها كان أقوى وأشد:
«والباب يفوت جمل يا ابن الناس. بنتي ميتزعلش عليها وهي في بيتي، واللي يشوفها سارقة ويذلها بعشرة جنيه، ملوش مكان وسطنا ولا يؤتمن على عرضنا. اتفضل برة، وحاجتك هتوصلك زي ما قالت.»
أحمد بص للأم وبعدين بص للبنت، لقى الوشوش اتغيرت، والضعف اللي كان في الأول اتقلب لرفض قاطع. حس لأول مرة إن التربيزة اتقلبت عليه بجد، وإن “الهزار” بتاعه كلفه خسارة مكنش عامل حسابها.
حب يداري كبريائه الجريح، فبص للبنت باحتقار مصطنع وقال:
«تمام.. إنتِ اللي اخترتي، وبكرة تندمي وتقولي أحمد قال.. سلام.»
خرج ورزع الباب وراه بكل قوته، الرزعة اللي هزت الحيطة بس ريحت قلب البنت.
أول ما الباب اتقفل، البنت رجليها مشالتهاش، قعدت على أقرب كرسي ونفسها طالع نازل بسرعة. أمها قربت منها، أخدتها في حضنها وطبطبت عليها وهي بتقول:
«الحمد لله يا بنتي إنها جت في أولها.. ربنا كشفهولك على حقيقة تافهة عشان ينجيكِ من عيشة مرة.»
دمعة واحدة بس نزلت من عينيها، مش زعل عليه، لكن صدمة في الأيام اللي عاشتها مع شخص مكنتش تعرفه. مسحت دمعتها بسرعة، وبصت لتليفونها اللي كان منور على التربيزة.
مسكته، ودخلت على صفحته.. لقت رسالة جديدة مبعوتة منه حالا بعد ما نزل من البيت. فتحتها وهي بتترعش، والرسالة كانت صدمة تالتة مكنتش متخيلاها.
#الكاتب_رومانى_مكرم
فتحت الرسالة وعينيها مش مصدقة السطور اللي مكتوبة. كانت متخيلة إنه باعت يهدد، أو يغلط فيها أكتر عشان يداري كسرة كبريائه، لكن اللي لقيته كان العكس تماماً. أحمد كاتب بنبرة تانية خالص، نبرة فيها رجاء وخوف حقيقي:
«أنا آسف.. والله العظيم أنا ما وعيتش للي قولته. أنا نزلت من عندكم ودموعي في عيني، أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك، والشيطان هو اللي عِمي عيني وخلاّني أقول الكلام الغبي ده. ارجوكِ بلاش تنهي كل حاجة في لحظة غضب، أنا مستعد آجي بكرة مع أبويا وأمي وأعتذر لك قدام الكل.»
بصت للرسالة بجمود.. الوعود دي والكلام المعسول ده مكنش غريب عليها، بس المرة دي ملمسش قلبها. حست إنها شايفة فيلم سينما متكرر؛ الشخص اللي بيغلط ويهين بكل قسوة، ولما يلاقي الطرف التاني أخد موقف حاسم وجاد، يتحول فجأة لضحية مسكينة بتطلب السماح.
قفلت الموبايل ومردتش. قعدت مع نفسها طول الليل تفكر، العاطفة والذكريات كانت بتشدها وتفكرها بأيام حلوة، وعقلها كان بيصرخ ويقولها: “اللي يكسرك مرة، هيكسرك ألف”.
تاني يوم الصبح، البيت كان هادي، والسكوت هو سيد الموقف. صحت على صوت جرس الباب. راحت تفتح وهي فاكرة إنها الشنطة والشبكة اللي اتفقت مع أخوها يوديها لأحمد، لكن الصدمة كانت لما فتحت الباب ولقت والدة أحمد وأخته واقفين، والدموع في عين والدته:
«يا بنتي.. إحنا ملناش وش نجيلك، بس أحمد من امبارح قافل على نفسه الأوضة ومش مبطل عياط، والواد هيموت من زعلة. حقك علينا إحنا، هو غلطان ورقبتنا سدادة، بس بلاش تخربي بيتك قبل ما يتبني عشان كلمة اتقالت في ساعة شيطان.»
البنت وقفت محتارة، نظرات أم أحمد واستعطافها بدأوا يهزوا ثباتها، وفي نفس اللحظة خرجت والدتها من المطبخ وبصت للكل بنظرات حذرة.. المواجهة دي كانت أصعب بكتير من مواجهة أحمد، لأن الضغط المرة دي جاي باسم “الود والعشرة والأصل”.
بصت لأم أحمد وقالت بصوت متلخبط:
«يا طنط، أحمد جرحني في كرامتي..»
قاطعتها والدته وهي بتمسك إيدها وتبوسها:
«عارفة يا بنتي، وعشان كدة أنا اللي جاية بنفسي أعتذر لك.. أحمد شاريكِ، والغضب بيعمي القلوب، اديله فرصة واحدة بس يثبتلك فيها إنه ندمان، والمرة دي هتبقى بضماني أنا.»
البنت لفت وشها وبصت لأمها مستنية منها إشارة، أو كلمة تفك الحيرة اللي جوة قلبها.. هل تديله فرصة تانية وتصدق دموع أهله؟ ولا تقفل الباب ده نهائي ومتبصش وراها؟
#الكاتب_رومانى_مكرم
البنت بصت لأمها، ولقت في عينيها نظرة هادية، نظرة الست اللي شافت الدنيا وعارفة إن الوجع الصاحي أفضل بميت مرة من الغيبوبة الطويلة. أمها مقالتش ولا كلمة، سابت لها القرار كامل، كإنها بتقولها: “دي حياتك، وإنتِ اللي هتدفعي تمن الخطوة الجاية”.
البنت خدت نفس طويل، وبصت لوالدة أحمد اللي كانت لسه ماسكة إيدها ومستنية منها كلمة رضا. سحبت إيدها براحة وهدوء، وقالت بنبرة صلبة مفيش فيها تراجع:
«يا طنط، على عيني دموعك، وإنتِ فوق راسي من فوق وليكِ كل الاحترام.. بس أنا مش هقدر أكمل.»
والدة أحمد شهقت وبصت لها بصدمة: «ليه يا بنتي؟ ده شاريكِ وبيحبك! عشان كلمة؟»
ردت البنت وابتسامة وجع على وشها: «لأ يا طنط، مش عشان كلمة.. عشان الكلمة دي كانت مراية ورتني حقيقته. أحمد مش زعلان عشان جرحني، أحمد زعلان عشان كبريائه اتهان ولأول مرة لقى حد بيقفل الباب في وشه ومبيعديش. اللي بيحب حد بيصونه، ومبيفكرش يذله ولا يقل منه عشان عشرة جنيه.. أنا لو رجعت معاه دلوقتي، هعيش عمري كله خايفة من نرفزته، وخايفة يغلط فيا تاني ويقولي “كنت بهزر”.. أنا كرامتي غالية عليا، والبيت اللي ملوش أساس من الاحترام، بيقع من أول هبة ريح.»
أخت أحمد اتدخلت وبأمارة ضيق قالت: «يعني ده آخر كلام عندك؟ بتبيعي كل حاجة بالسهولة دي؟»
البنت بصت لها بثقة وقالت: «أنا مبيعتش.. أنا اشتريت نفسي.»
دخلت الأوضة، جابت الشنطة الكبيرة اللي كانت جهزتها من بالليل، وفيها الشبكة وكل الهدايا والحاجات اللي تخص أحمد، وحطتها قدامهم عند الباب: «حاجتكم كاملة أهي، وياريت كل شيء ينتهي بالمعروف.. ربنا يوفقه مع حد شبهه ويفهم هزاره.»
والدة أحمد لما لقت مفيش فايدة، قامت ووشها اتقلب، وأخدت الشنطة وهي بتدعي وتتحسبن، وخرجت هي وأختها وقفلوا الباب وراهم.
البنت لفت لأمها، اللي أول ما الباب اتقفل، فتحت لها دراعاتها وأخدتها في حضنها بقوة. المرة دي، البنت معيطتش.. المرة دي تنفست براحة، كإن جبل كان كاتم على نفسها وانزاح.
دخلت أوضتها، مسكت الموبايل، وعملت لأحمد حظر (Block) من كل حتة.. من المكالمات، والواتساب، وفيسبوك. مسحت رقمه، ومسحت معاه فترة من حياتها كانت فاكراها حب، وطلعت منها بدرس عمرها ما هتنساه.
بصت من الشباك للنور اللي بدأ يملى الأوضة مع بداية يوم جديد، ولأول مرة من فترة طويلة، حست إنها حرة، وإن خطوتها الجاية هتبقى على أرض صلبة.. أرض مبيقفش عليها غير اللي بيعرفوا قيمة نفسهم.
#الكاتب_رومانى_مكرم