عشرين سنة، حكايات رومانى مكرم 3
في لحظة وصوب الس*لاح على رأسي، وقبل ما صبع عماد يلمس الزناد.. سمعنا صوت فرملة قوية، وشوفنا نور عربيات شرطة كتير بتهجم على المكان.
عماد ورجالته اتوتروا وبدأوا يهربوا، والشرطة مسكتهم كلهم. أنا جريت على ولادي وحضنتهم بقوة، ودموعي نزلت وأنا بشكر ربنا إنه حماهم.
الظابط قرب مني وسألني عن اللي حصل، حكتله القصة كلها من أولها لآخرها. الظابط سمعني باهتمام وقالي:
— الحج عبد الستار كان عامل احتياطه كويس.. هو كان متفق معانا ومجهز كل حاجة عشان يقبض على عماد وعصابته في الوقت المناسب.
أنا اتصدمت من الكلام، ومعرفتش أرد بأي حاجة. بس في قلبي حسيت براحة كبيرة إن الحج عبد الستار مكنش خاين، وكان بيحمينا بجد.
تاني يوم الصبح.. رحت الورشة وبدأت أنظفها وأجهزها عشان أفتحها من جديد.. وبدأت أشتغل فيها بجد واجتهاد.. وكنت بحس بروح الحج عبد الستار حواليا وبتحميني وتدعمني.
(تنويه: بناءً على رغبتك، تم تعديل مسار الأحداث في هذا الجزء ليتماشى مع البناء الدرامي الحقيقي للقصة الغامضة، بعيدًا عن أي نهايات سريعة أو مُقحمة).
صوت “تكة” الأجزاء بتاعة الس*لاح الآلي وهي بتتِشَد في ضلمة الغيط كان ليها صدى مرعب.. غمضت عيني، وحضنت الشيك والعقود في صدري وكأني بحمي بيهم عيالي اللي كانوا بيرتعشوا جوه الشنطة..
وفي اللحظة اللي الراجل صبّع فيها على الزناد، ومن قبل ما يضغط.. ظهرت فجأة من ورا الساقية كشافات عربية تانية خالص! عربية مرسيدس سودا ضخمة، وبدون أي مقدمات، نزل منها تلات رجالة لابسيب بدع كاملة، بس ملامحهم تدل إنهم من كبارات الصعيد والمحلة.. رجالة ليهم هيبة، وفي إيديهم س*لاح مرخص..
واحد منهم، راجل عجوز بشنب أبيض وعين حادة زي الصقر، زعق بصوت هز الغيط كله:
— نزّل الس*لاح يا فراج أنت وهو! الدم مش هيدور هنا الليلة دي!
الراجل المسلح وراسه لعماد اتخضوا، وعماد وشه جاب مياه وقال بصوت مرعوب:
— الحج همام؟ أنت إيه اللي جابك هنا؟ وإيه اللي جابك لولاد عبد الستار؟
الحج همام قرب ببطء، والرجالة بتوعه محاوطين المكان.. بص لعماد بقرف وقال:
— جيت عشان أنظف وساختك يا إبن عبد الستار.. أبوك ماكانش خاين.. أبوك من عشرين سنة لما جه قعد معايا عشان حق أخوه اللي مات، أنا اللي قولتله خد الفلوس وامشي.. قولتله عيالك طماعين ولو شموا خبر الفلوس دي هيق*تلوك ويق*تلوا بعض.. عبد الستار عاش عشرين سنة في الفقر عشان يحمي الفلوس دي من غدرك أنت وإخواتك.. وأنا عاطي لآل عبد الستار الأمان من عشرين سنة.. طارنا خلص يوم ما دفعنا الدية.. لكن أنت اللي جيت تعرض عليا تبيعلي رقبة أبوك ورقبة جوز أختك عشان تاخد الفلوس لنفسك!
أنا كنت واقف، النفس رايح مني، مش فاهم أي حاجة.. ببص لعماد اللي بدأ يرتعش وبيرجع لورا..
الحج همام التفت ليا أنا، وبصلي بنظرة كلها احترام وقال:
— أنت ممدوح؟ الميكانيكي الشهم اللي شال عبد الستار في عينه عشرين سنة؟
هزيت راسي وأنا مش قادر أنطق.
الحج همام كمل:
— عبد الستار قبل ما يموت بشهر، جالي لحد المحلة.. جالي وهو بيموت، وقالي “أنا مأمنك على ممدوح وعياله يا همام.. لو عماد وإخواته فكروا يغدروا بيه، اقف معاه”.. وأنا عهدي مع الرجال مابيموتش..
الحج همام شاور لرجاله.. وفي ثواني، هجموا على عماد والرجالة اللي معاه، كتفوهم وأخدوا منهم الس*لاح.. وجريت أنا على شنطة العربية، قطعت الحبال اللي على إيد أحمد ومصطفى، وخدتهم في حضني وأنا بصرخ وبعيط وأبوس في راسهم.. عيالي رجعوا لحضني.. عيالي عايشين!
عماد كان بيصرخ وهو بيتسحب على الأرض:
— مش هسيبك يا ممدوح! الفلوس دي بتاعتي! الورق ده تزوير!
الحج همام بصلي وقال:
— الورق معاك، والفلوس بتاعتك.. خريطة المحلة اتقفلت ل عيلة عبد الستار.. خدهم واطلع على شبرا.. وابني لعيالك المستقبل اللي الحج عبد الستار مات وهو بيحلم بيه ليك.. عماد وإخواته حسابهم معايا أنا.. والشرطة زمانها على وصول تستلمهم بتهمة خطف عيالك.
أخدت عيالي وركبت العربية اللي كانت معايا، وطول طريق الرجوع لشبرا، كنت حاضنهم ومبتسم لأول مرة من يوم ما الحج مات..
وصلنا الفجر.. أول ما فتحت باب الشقة، أميرة رمت نفسها في حضن عيالها وهي بتصرخ من الفرحة.. البيت اللي كان مليان صمت وحزن، انهارده اتملى بنور جديد..
تاني يوم الصبح.. نزلت الورشة الجديدة اللي في شبرا.. فتحت الباب الحديد.. التراب كان مغطي كل حاجة.. بس المرة دي مكنتش خايف..
وقفت في نص الورشة، شلت المشمع الأبيض من على المكن الجديد، وبصيت للسما وقولت: “الله يرحمك يا حج عبد الستار.. ويسامحني إني فهمتك غلط”.
بدأت أنظف المكان، وفتحت الدفتر الأزرق بتاع الحج عشان أشوف حسابات الورشة.. وبصيت في آخر صفحة.. لقيت سطر أخير مكتوب بخطه المرتعش، سطر مكنتش قريته قبل كده..
أول ما قريت السطر ده.. جسمي كله اتنفض.. وعرفت إن الحكاية لسه ماقِفلتش.. وإن السر الأكبر للحج عبد الستار.. لسه هيبدأ حالا!
#الكاتب_رومانى_مكرم
السطر الأخير في الدفتر كان مكتوب بحبر باهت، وزي ما يكون الحج عبد الستار كتبه وهو بيبكي:
“يا ممدوح.. لو وصلت للسطر ده، يبقا أنا بين إيدين ربنا، وأنت عرفت طمع ولادي ونظفت ورشتك.. بس لازم تعرف إن الـ١٢ مليون والورشة مش بتوعي لوحدي.. السبع ملايين بتوع الدية أنا حطيتهم في البنك وملمستهمش.. أما باقي الفلوس وثمن الورشة دي، فدول بتوع صاحب عمري الشريك التالت اللي كان معايا في المحلة.. الراجل اللي عماد قت*له زمان واتهم عيلة همام فيه عشان يخلص من الاتنين! أنا هربت بشبرا عشان أحمي الفلوس دي لحد ما يظهر صاحبها الحقيقي.. الراجل ده ساب طفل صغير اسمه (كريم).. كريم انهارده كبر يا ممدوح، وهو شغال صبي في ورشة ميكانيكا قريبة منك في شبرا ومايعرفش إنه صاحب نصيب في كل ده.. ابحث عنه يا ابني، وسلمه أمانة أبوه.. وسامحني إني شيلتك الحمل ده.. بس ملقتش أرجل منك يحفظ الأمانة”.
الورقة سقطت من إيدي.. قعدت على كرسي المكتب وأنا مش قادر أستوعب حجم الصدمة.. الحج عبد الستار عاش عشرين سنة شايل سر ق*تل أخوه على إيد ابنه عماد! عاش داري العار والخوف، وحامى ابن القتيل في نفس المنطقة من غير ما حد يحس!
فجأة، سمعت صوت خبط على الباب الحديدي بتاع الورشة..
رفعت عيني وبصيت.. كان واقف شاب صغير، وشه مليان شحم، ولابس عفريتة الشغل الزرقاء.. ملامحه كانت فيها شبه غريب من صور قديمة شوفتها في دفتر الحج..
الشاب اتكلم بأدب وصوت مكسور:
— السلام عليكم يا أسطى ممدوح.. أنا الأسطى بلبل قالي إنك فتحت الورشة الكبيرة دي ومحتاج صنايعية يساعدوك.. أنا اسمي كريم.. وبدور على شغل.
الدموع لمعت في عيني.. بصيت للسما وحسيت إن ربنا رتب كل حاجة بالملي.. إن اللقمة اللي أكلها الحج عبد الستار على سفرتي عشرين سنة، كان تمنها إن بيتي يفضل مفتوح بالخير، وإن الأمانة ترجع لأصحابها على إيدي أنا.
قمت من على الكرسي، مشيت ناحيته، وطبطبت على كتفه بابتسامة صافية وقلتله:
— أهلاً بيك يا كريم يا ابني.. الورشة ورشتك.. ومن انهارده، مفيش شقا تاني.. إحنا هنبدأ سوا، والخير كتير.
قفلت الدفتر الأزرق وحطيته في جيب جاكيتي.. وبصيت لبرة الورشة، لشمس شبرا الداية وهي مالية الشارع بنور جديد.. وعرفت إن العُمر الحقيقي مش بالفلوس، العُمر بالستر، والأمانة.. واللقمة الحلال اللي بتدوم.
(تمت)
#الكاتب_رومانى_مكرم