منى السيد1

بتنزل تحت مع حماتها وهي واقفة تدي أوامر، ملك بتحاول تقطع خضار بس إيديها الصغيرة مش عارفة تمسك الس*كينة.

حماتها بزعيق:

= هو ده اللي جايبوهولي؟ بنت ما تعرفش تطبخ ولا تعمل طبق محشي! ده أنتي هتفضحينا مع الناس يا بت!

 

ملك تبص في الأرض ودمعة تنزل على خدها.

 

بالليل علي راجع من الشغل، بيرمي الشنطة ويقعد. وملك تدخل بكوباية شاي، إيديها بترتعش وتقع نقطة على الترابيزة.

 

“علي بعصبية:

ما تعرفيش تمسكي كوباية؟!

 

حماتها بصوت عالي:

انا قلتلك يا ابني دي صغيرة، حتاجة تتعلم. لازم تنشف معاها شوايه.

ملك بتسيب الصينية على الترابيزة وتجري على أوضتها.

 

” علي بهدوء بعد ملك ماتمشي:

ايوه يا امي، بس ملك لسه صغيره برضو.

 

حماتها بقسواه:

سيبك من دلعها، هي مش أول طفلة تتجوز. بكرة تتعود.

 

بعد يومين بالنهار:

ملك واقفة قدام الحوض، بتغسل مواعين. فجأة تحط إيدها على بطنها، وشها يصفر، وتدوخ تقع على الأرض تصرخ بصوت ضعيف:

آااه، يا بطني، يا علي!

 

‘علي يسمع صوتها من أوضة تانية، يجري عليها. يلاقيها على الأرض ودم نازل بسيط.

 

‘علي بخضة:

يا نهار أبيض! قومي يا ملك! قومي!

يشيلها بسرعة بين إيديه، وهي مرمية زي العروسة القماش، ضعيفة وصوتها بيتقطع.

 

~ملك بهمس:

أنا خايفة يا علي

 

“علي بخوف: متخفيش يملوكة

 

بيوصل المستشفى والدكاترة يدخلوا ملك بسرعة جوه. علي واقف بره متوتر، بيتمشى رايح جاي.

 

الممرضة:

حضرتك استنى بره.

 

بعد شوية تخرج الدكتورة بملامح جدية.

 

‘علي بلهفة:

طمّنيني يا دكتورة، مالها؟

 

الدكتورة بنبرة جدية:

هي دلوقتي أحسن، بس حصل إجهاض.

 

” علي يتجمد:

إجهاض؟! يعني إيه؟!

 

الدكتورة:

يعني كانت حامل، والجنين نزل.

 

“علي يفتح عينيه بدهشة، صوته يطلع متلخبط:

حامل؟! وهي، هي ما قالتليش! إزاي تخبي عني حاجة زي دي؟!

 

الدكتورة بهدوء:

مخبّتش يا أستاذ علي، هي نفسها ما تعرفش. دي طفلة. إزاي هتفهم إنها حامل؟ لسه جسمها ما كملش، ولا عقلها يستوعب. أعراض الحمل اللي حضرتك ممكن تلاحظها، هي تشوفها إنها تعب عادي.

 

” علي يسند إيده على الحيطة، صدمة وذنب في عينيه. يغمض عينه ويهمس لنفسه بصوت مبحوح:

طفلة، وأنا، عاملها ست بيت.

 

الدكتورة:

في حاجه كمان، هي صغيرة جدًا، جسمها مش مستحمل الحمل.

 

“علي مصدوم:

يعني إيه؟!

 

الدكتورة بحزم:

يعني لازم تفهم إن مراتك دي لسه طفلة. الحمل خطر عليها دلوقتي. أقل حاجة، ما ينفعش تفكروا في حمل تاني قبل 18 سنة. حياتها في خطر.

علي يحط إيده على راسه، يدخل لها.

ملك بتحاول تبتسم بخوف:

هو… هو أنا عندي إيه؟ أنا تعبانة ليه؟

 

قبل ما يستوعب يرد، تدخل الممرضة بحقنة

 

~ملك ترجع لورا بخوف طفلة:

لأ، لأ، مش عايزة حقنة! بتوجع أوي، بلاش يا علي!

 

بتمسك إيده زي عيل صغير بيتوسل. علي يفضل يبص لها، ملامحه بتتغير، كأن الصدمة ضربته في قلبه ويقول في نفسه:

دي مش زوجة، دي مش ست، دي طفلة. طفلة أنا دمرت براءتها

 

بعدالممرضة متخرج علي يقعد جنبها، ساكت، باصص فيها. يسكت شوية وبعدين يقرر يسأل بهدوء:

قوليلي يا ملك إنتي نفسك في إيه دلوقتي؟

 

~ملك ترفع عينيها له، و ترد بسرعة من غير تفكير بابتسامة طفولية:

نفسي أرجع بيتنا، وألعب مع إخواتي،و أروح المدرسة تاني. نفسي أبقى دكتورة زي ما كنت بقول لماما.

 

الصدمة بتبان على وش علي و عينيه تتملي دموع بس يحاول يخبي ويقول بصوت واطي:

مدرسة…؟

 

~ملك بحماس بريء، كأنها بتحلم:

أيوه، وحشتني الحصة والسبورة، نفسي أرجع زي زمان.

 

“علي يهمس لنفسه:

أنا، أنا ضيعتك.

 

يسكت شوية، ياخد نفس تقيل، وبعدين يبصلها بعزم وهو بيبص في عينيها:

من النهارده، إنتي حرة. هرجعك بيتك، وهترجعي مدرستك. انتي مش مراتي، إنتي طفلة. وأنا ماليش حق أكمّل كده.

 

” علي بياخد ملك ويرجعها بيت أهلها الأب اول لمايشفهم يوقف، وعلي قدامه متوتر. وملك قاعدة في الركن خايفة. علي ياخد نفس تقيل ويقول بحزم:

يا عمّي، أنا قررت أطلّق بنتك. هي طفلة، ومينفعش أكمل معاها.

 

الأب يتصب فجأة، عينيه تبان فيها الغضب ويصرخ:

أنتي عملتي ليه إيه يا بنت الكلب؟!

كان بيبص لبنته بغل ويهجم عليها كأنه هي السبب.

 

-الأب موجّه كلامه لعلي:

وأنت يا أستاذ علي، تاخد بنات الناس تلعب بيهم وترميهم زي اللعبة؟! هو ده الرجولة؟!

 

ملك تعيط وترتجف. وعلي يوقف قدامها بسرعة يحوش عنها ويقول بحزم:

إيدك عنها! ما تلومهاش، هي ملهاش ذنب. هي طفلة، وأنا الغلطان اللي وافقت من الأول.

 

-الأب يحدّف نظره على علي بغضب وصوت عالى:

طفلة ولا مش طفلة إنت خدت حقك وزيادة، وجاي تقول هتطلّقها كده ببساطة؟!

 

•الأم تدخل فجأة من المطبخ، بصوتها عالي بس فيه وجع:

هو هيتطلّقها إزاي يا راجل؟ دي طفلة، والجواز كان عرفي. ينفع يكتب طلاق إزاي وهي أصلاً ما كملتش 18؟

 

الكل يسكت لحظة، الصدمة تملأ الجو وووو……!!!!

 

الكل يسكت لحظة، الصدمة تملأ الجو. الكلمات نزلت على علي زي المطر التلج، بَص للأم بذهول وكأنه أول مرة يستوعب الورطة اللي حط نفسه وحط البنت دي فيها. الجواز عرفي لأنها قانوناً طفلة، مفيش قسيمة جواز رسمية تتقطع، ومفيش طلاق رسمي يقدر يثبت حقوقها أو يحميها من نظرة المجتمع.

الأب سكت للحظة، ملامحه اتغيرت من الغضب للارتباك، بس رجع صرخ تاني وهو بيحاول يدراي خيبته:

= يعني إيه؟ يعني بنتي هتقعد في البيت لا طايرة سما ولا أرض؟ والناس هتقول علينا إيه لما يعرفوا إنها رجعت بعد شهرين؟

علي وقف بكل حزم، رغبة التكفير عن الذنب كانت جواه أقوى من خوفه من الأب:

= حقوقها هتوصلها لحد عندها يا عمي، ده مش نقاش. بس البنت دي مش هتقعد معايا يوم واحد كمان. أنا هسيبها هنا، وهتتفرغ لمدرستها ودراستها، وأنا متكفل بكل مصاريفها لحد ما تكبر وتختار طريقها بنفسها.

ملك كانت لسه حاطة إيدها على بطنها، الوجع الجسدي مكنش انتهى، بس الوجع النفسي كان أكبر بكتير. بصت لأمها بنظرة رجاء، الأم قربت منها بدموع ونزلت على الأرض أخدتها في حضنها. ملك همست وهي بترتعش:

= يا ماما.. أنا مش عايزة أرجع معاه.. أنا خايفة من طنط (حماتها).. وخايفة من الحقن.. خليني جنبك.

الأم بكت وحضنتها جامد:

= هتفضلي جنبي يا قلب أمك.. سامحيني يا بنتي، ذنبك في رقبتنا كلنا.

علي لَف ضهره ومشي وهو مش قادر يبص في عين ملك. ركب عربيته ورجع بيته، والندم بياكل في قلبه. أول ما دخل الشقة، لقى أمه قاعدة في الصالة، حاطة رجل على رجل وبتشرب شاي بكل برود.

حماته بنبرة لوم:

= أهو.. الباشا رجع! سيبت الشغل وطلعت تجري ورا دلع البنات؟ إيه يعني شوية مغص؟ تلاقيها بتتدلع عشان تهرب من غسيل المواعين.

علي بصلها بنظرة قوية، نبرة صوته كانت غريبة ومخيفة لأمه لأول مرة:

= الجنين نزل يا أمي.. ملك أجهضت.

الأم اتصدمت للحظة، الكوباية اتهزت في إيدها، بس كبريائها منعها تظهر ذنبها، وقالت بلجلجة:

= ج.. جنين؟ وهي كانت حامل؟ طب وأنا إيش عرفني! ما هي اللي فرفورة وما بتستحملش، تلاقيها وقعت من طولها عشان تتبلى علينا.

علي صرخ بأعلى صوته، صرخة طلعت من حرقته:

= كفااااية! كفاية ظلم! البنت كانت هتموت! الدكتورة قالتلي إن جسمها مش مستحمل، دي طفلة يا أمي! إحنا اللي أجرمنا في حقها. أنا رجعتها لأهلها، ومش هترجع هنا تاني.

الأم وقفت بغضب:

= رجعتها؟ أنت اتجننت يا علي؟ طلقتها؟ والناس هتقول علينا إيه؟ يقولوا ابن الحاجة فلانة مراته سابته من أول شهرين؟

علي ساب الشقة وخرج، ومبقاش طايق يقعد في المكان اللي اتهانت فيه براءة طفلة.

في بيت أهل ملك، الأيام كانت بتمر تقيلة. الأب كان معاملته جافة، باصص لملك على إنها “عيب” أو “مشروع فاشل” كسر كلمته قدام أهل المنطقة. أما ملك، فكانت بتقعد بالساعات قدام الشباك، تبص على صحابها البنات وهما رايحين المدرسة الصبح باللبس الكحلي والشنط على ضهرهم، وعينيها بتلمع بالدموع.

بعد أسبوعين، الباب خبط. الأم فتحت ولقت علي واقف، ووشه باين عليه التعب والإرهاق، بس كان شايل في إيده شنطة مدرسة جديدة، وعلبة فيها كتب وأقلام.

الأب خرج على الصوت وهو عاقد حاجبيه:

= عايز إيه تاني يا أستاذ علي؟ مش قولت خلاص وكل واحد من طريق؟

علي دخل بهدوء وبص لملك اللي استخبت ورا أمها أول ما شافته:

= أنا جيت أنفذ وعدي.. دي كتب المدرسة، وأنا روحت لمدير مدرستها القديمة، وبما إن الجواز مكنش رسمي ومفيش ورق حكومي اتغير، قدرت بعلاقاتي وبمساعدة المدير إننا نرجع اسمّها في السجلات وتكمل سنتها الدراسية من الأسبوع الجاي كأن مفيش حاجة حصلت.

ملك عينيها وسعت من الفرحة، طلعت من ورا أمها وبصت للشنطة اللي كان لونها وردي زي ما كانت بتحب.

الأب زعق:

= مدرسة إيه وزفت إيه! البنت دي خلاص اتكتب عليها تقعد في البيت، الناس هتاكل وشنا لو شافوها رايحة وجاية بالشنطة بعد ما عرفوا إنها اتجوزت!

علي وقف قدام الأب وطلع شيك بمبلغ كبير وحطه على الترابيزة:

= ده مصاريف ملك، ومصاريف دراستها، ومبلغ شهري هيوصل هنا لحد ما تكمل 18 سنة. لو الناس اتكلمت، قولهم إن الموضوع مكملش ومحصلش نصيب، والبنت بتكمل تعليمها. بنتك ملهاش ذنب في جهلنا يا عمي.. سيبها تعيش اللي باقي من طفولتها.

ملك قربت من الشنطة بتردد، مسكتها بإيدها الصغيرة وضمتها لصدرها، وبصت لعلي بنظرة شكر حقيقية لأول مرة. علي ابتسم بوجع، وبص للأم وقال:

= خدي بالك منها يا أمي.. وعوضيها عن كل ليلة عيطت فيها بسببي.

علي لَف عشان يمشي، بس فجأة تليفون الأب رن، ورقم غريب كان بيتصل. الأب رد، ووشه فجأة اتخطف ولونه هرب منه، وبص لعلي برعب وهو بيقول في التليفون:

= إيه؟! مستشفى إيه؟ والشرطة طالبانا ليه؟!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *