اكتشفت إن جوزى3
حكايات امانى السيد
رحت للمحامي وأنا مش شايفة قدامي، السر اللي “ليلى” سابته كان هو القشة اللي هتعيد ترتيب كل حاجة. قعدت قدام المحامي، وفتح الصندوق الحديدي الصغير، وطلع منه ظرف مقفول وفلاشة صغيرة.
قال لي المحامي بهدوء:
* “ليلى كانت عارفة إنها بتموت، وكانت عارفة إن أحمد راجل طيب بس منقاد، وخافت على بنتها “هبة” من نفسها ومن أهلها، فقررت تسيب الحقيقة دي عندك أنتِ.. لأنك الوحيدة اللي شافت في عينك الحنية والقوة مع بعض.”
فتحت الظرف، ولقيت “نتائج تحاليل” وصدمة خلتني أسند ضهري على الكرسي وأنا مش مصدقة. “هبة” مريضة بمرض نفسي نادر ووراثي من ناحية أهل أمها، بيخليها تميل للشر والتلاعب بشكل قهري، و “ليلى” كانت بتعالجها في السر عند دكتور متخصص. والأخطر من كده، لقيت ورقة “إقرار” من سميحة أختها، إنها استلمت مبالغ ضخمة من ليلى مقابل إنها تبعد عن البنت، لأن سميحة هي اللي كانت بتغذي الغل ده في البنت من وهي صغيرة.
المحامي كمل كلامه:
* “والفلاشة دي عليها تسجيل لليلى وهي بتقول إن التنازل اللي أحمد مضى عليه لـ “هبة” باطل، لأنها خلت أحمد يمضي عليه تحت تأثير أدوية مهدئة كانت “هبة” بتحطها له في العصير بعلم خالتها!”
أخدت الورق والفلاشة، وحسيت إن في إيدي قنبلة. رحت المستشفى، ودخلت الأوضة لقيت “سميحة” قاعدة حاطة رجل على رجل، و “هبة” واقفة قدام المراية بتسرح شعرها بمنتهى البرود، و “أحمد” نايم زي الج*ثة الهامدة.
أول ما سميحة شافتني قالت بسخرية:
* “إيه يا منى؟ جيتي تلمي هدوم جوزك العاجز؟ الشقة خلاص بقت ملك هبة قانوناً، ويلا خدي بنتك وامشي.”
طلعت الفلاشة والورق وحطيتهم على التربيزة وقلت بصوت هادي ومرعب:
* “الشقة لسه في ملك “أحمد” يا سميحة، والتنازل اللي معاكم ده “تزوير وتدليس” وبشهادة ليلى الله يرحمها. والتحاليل دي بتقول إن “هبة” محتاجة مصحة نفسية مش محتاجة شقة، وإقرار استلامك للفلوس ده يوديكي في داهية بتهمة الابتزاز.”
وش سميحة اصفر، و “هبة” سابت المشط من إيدها وبصت لي بخوف حقيقي لأول مرة. كملت كلامي وأنا ببص لـ “هبة”:
* “أنا كنت فاكرة إنك ضحية يا بنتي، بس أنتِ كنتِ بتسممي أبوكي بالبطيء عشان خاطر حتة حيطان.. أبوكي اللي حبك وظلمنا عشانك.”
“أحمد” فتح عينه فجأة، كان سامع كل حاجة، والدموع نزلت من عينه بحرقة، بص لـ “هبة” وقال بصوت متقطع:
* “أنتِ.. أنتِ كنتِ بتحطي لي المنوم في العصير؟ أنتِ يا هبة؟”
هبة بدأت تترعش وتصرخ:
* “خالتي هي اللي قالت لي! قالت لي إنك لو فوقت هتطردني وتخلي “رباب” تاخد كل حاجة! أنا مكنتش عايزة أأذيك يا بابا!”
سميحة حاولت تهرب من الأوضة، بس كانت الشرطة واقفة بره، لأني كنت بلغت المحامي يتصرف قانوناً بمجرد ما شوفت الورق. أخدوا سميحة للتحقيق، وهبة انهارت تماماً وبقت تصرخ بهستيريا، والدكاترة اضطروا يدخلوها قسم الطب النفسي فوراً للتقييم.
فضيت الأوضة عليا أنا و “أحمد”. قربت منه، كان بيبكي بحرقة ويمسك إيدي ويقول:
* “أنا مستهلش وقفتك دي.. أنا ضيعتكم وضيعت نفسي.”
بصيت له وقلتله بوجع:
* “أنا عملت كده عشان بنتي متكبرش وهي عارفة إن حق أبوها ضاع، وعشان متمشيش في الدنيا وهي شايلة ذنب ظلمك. لكن يا أحمد، “الشلل” اللي في رجلك ممكن يتعالج، بس الشلل اللي حصل في علاقتنا ملوش علاج.”
مر شهر، “أحمد” بدأ رحلة العلاج الطبيعي، والشقة رجعت باسمه، بس أنا كنت قاعدة مع “رباب” في بيت أهلي. وفي يوم، لقيت “أحمد” باعت لي رسالة مع المحامي بيقول فيها:
* “أنا كتبت الشقة باسم “رباب” بيع وشرا نهائي، وكتبت لك “توكيل عام” تتصرفي في كل ما أملك.. أنا مش عايز حاجة غير إني أشوف بنتي مرة واحدة قبل ما أسافر أكمل علاجي بره.”
رحت له ومعايا “رباب”، كانت اللحظة صعبة، “رباب” خايفة تقرب منه، وهو بيبكي ويمد إيده يلمس طرف فستانها. قعدت بعيد وأنا بتابعه، وفجأة تليفونه رن.. كان رقم من المصحة اللي فيها “هبة”.
فتحت الخط، وسمعت صوت الممرضة وهي بتقول بفزع:
* “الحق يا أستاذ أحمد.. “هبة” هربت من المصحة، وسابت رسالة مكتوب فيها: (أنا رايحة لـ رباب.. هي اللي خدت مكاني في قلب بابا، وهي اللي لازم تدفع التمن)!”
وقعت عيني على “رباب” اللي كانت بتضحك في حضن أبوها، وحسيت ببرودة الموت بتسري في جسمي.. “هبة” مريضة ومجنونة، ودلوقتي هي في الشارع، والهدف الوحيد اللي في دماغها هو بنتي!
سحبت “رباب” من حضن “أحمد” بقوة خلت البنت تصرخ وهي مش فاهمة في إيه، و “أحمد” بص لي بذهول وهو لسه على كرسيه المتحرك وقال: “في إيه يا منى؟ خضيتي البنت!”
قلتله بصوت مرعوب وأنا بلملم شنطتي: “بنتك هربت يا أحمد.. هبة هربت ورايحة لـ رباب! البنت مريضة وممكن تعمل أي حاجة!”
“أحمد” وشه بقى لونه أبيض زي الكفن، وحاول يقوم من على الكرسي بس وقع في الأرض، كان بيحاول يزحف وهو بيصرخ: “اقفلي الأبواب يا منى! خدي رباب واستخبي!”
أخدت بنتي وجريت على بيت أهلي، كنت حاسة إن كل خيال ماشي في الشارع هو “هبة”، وكل صوت باب بيتفتح هو إيدها الخبيثة. وصلت البيت وقفتلته بمية قفل، وقعدت في الصالة وبنتي في حضني، وكل شوية أبص من “العين السحرية” وقلبي بيدق طبول.
مرت ساعات والليل دخل، وفجأة.. النور انقطع عن الشقة كلها. ساد سكون مرعب، وفجأة سمعت صوت “خربشة” على باب الشقة.. خربشة منتظمة، كأن حد بيجر مسمار على الخشب.
حبست أنفاسي، وسمعت صوت همس من ورا الباب، صوت طفولي بس فيه بحة تخوف:
* “يا رباب.. افتحي يا حبيبتي، أنا جبت لك التوكة اللي بابا نسي يجيبها لك.. افتحي عشان نلعب زي زمان.”
جسمي كله اتنفض، “هبة” واقفة ورا الباب! مسكت موبايلي عشان أطلب الشرطة، بس اكتشفت إن الشبكة مقطوعة تماماً، كأن فيه حد قاصد يعزلني عن العالم.
الصوت اتغير وبقى أحدّ وأقوى:
* “أنا عارفة إنك جوه يا طنط.. وعارفة إنك أنتِ اللي سرقتي بابا مني. خليه يشوف بقى مين فينا اللي هيفضل للاخر.”
وفجأة، سمعت صوت “تكة” في كالون الباب.. الباب بيتفتح! أنا كنت واثقة إني قافلة بالمفتاح، بس افتكرت إن “أحمد” كان معاه نسخة قديمة في ميداليته اللي ضاعت يوم الحادثة!
الباب اتفتح ببطء، وشعاع نور من السلم رسم خيال بنت صغيرة ماسكة في إيدها حاجة بتلمع.. كانت ماسكة “مقص” كبير من بتاع المطبخ.
وقفت قدامها وأنا بصرخ: “ابعدي عننا يا هبة! أنتِ مريضة ومحتاجة علاج، متضيعيش نفسك!”
ضحكت ضحكة هستيرية وقالت: “أنا مش مريضة.. أنا بس عايزة حقي.”
وهي بتهجم عليا، فجأة ظهر خيال راجل من وراها وسحبها بقوة، ووقعت في الأرض وصوت صرختها ملى المكان. كان “أحمد”! زحف على إيديه من العربية لحد الأسانسير وطلع عشان يلحقنا، كان وشه غرقان عرق ودموع وهو ماسك إيد “هبة” اللي بتخربش فيه بكل قوتها.
“أحمد” صرخ فيا: “خدي البنت واجري يا منى! اطلبي الإسعاف والشرطة بسرعة!”
في اللحظة دي، الجيران طلعوا على الصويت، والشرطة وصلت وقدروا يسيطروا على “هبة” اللي كانت بتضرب في كل اللي يقرب منها وهي بتنادي على أمها اللي ماتت.
بعد اللي حصل، “أحمد” دخل المستشفى تاني بسبب الجروح اللي هبة عملتها له، وضغطه اللي عليّ بشكل خطر. وقفت قدام غرفته في المستشفى، والمحامي جالي بشنطة صغيرة وقال لي:
* “مدام منى.. “سميحة” خالة هبة اعترفت في التحقيقات بحاجة تقلب الموازين. قالت إن “هبة” مش بنت أحمد أصلاً! ليلى كانت متجوزة واحد تاني قبله وحملت منه، ولما مات، اتجوزت أحمد بسرعة ولبسته البنت عشان تضمن لها مستقبل، وأحمد طول السنين دي كان مخدوع!”
وقفت مذهولة، الدنيا لفت بيا.. يعني كل الظلم اللي “رباب” شافته، وكل اللي حصل في بيتي، كان عشان بنت مش بنته؟
بصيت لـ “أحمد” من ورا الزجاج، كان نايم وتعبان، ومش عارف إن الصدمة اللي جاية هتدمر كل اللي فاضل من ذكرياته.
**لكن فجأة، المحامي كمل كلامه بوش شاحب:**
* **”بس المشكلة مش هنا يا مدام.. المشكلة إن تحليل الـ DNA اللي اتعمل لهبة في المصحة، كشف كارثة تانية.. هبة عندها نوع من السموم في دمها مش موجود في أي دوا، وده معناه إن فيه حد تالت كان بيدخل البيت وبيسمم البنت وأبوها مع بعض.. حد إحنا مش عاملينه في الحساب خالص!”**
