جوزي مزق حكايات رومانى مكرم 2

توقفت سيارة الرولز رويس السوداء أمام مدخل القصر المهيب، لكن عقل “ياسمين” لم يكن في الفخامة التي تحيط بها، بل كان هناك.. في تلك الطرقة المظلمة حيث مزق كريم كرامتها قبل ملابسها.

نزل “مراد” وفتح لها الباب، ونبرة صوته كانت تحمل مزيجاً من الاحترام والحزم:

“ياسمين.. القصر ده وقوات الحراسة دي وكل اللي شايفاه، تحت أمرك. المكالمة اللي عملتيها النهاردة رجعتك لمكانك الطبيعي اللي كان لازم تفضلي فيه من سنين.”

دخلت ياسمين الصالون الواسع، وطلبت من مراد طلباً واحداً:

“عايزة ملف ‘الحاج نادية’ بالكامل.. كل قرش دخل جيبها، وكل ورقة وقعت عليها، وكل حد ساعدها تظلمني.. عايزة الكل يتحاسب في وقت واحد.”

في هذه الأثناء، كان البيت القديم يغلي.

كريم جالس على الأرض، يمسك برأسه غير مصدق، والحاجة نادية تروح وتجيء في الصالة وهي تصرخ بصوت مكتوم:

“مين ده يا كريم؟ ومين البنت دي أصلاً؟ إحنا كنا فاكرين إنها مقطوعة من شجرة! إزاي يطلع لها أهل وعربيات وحشم؟”

قطع كلامها صوت خبطات عنيفة على الباب.

فتح كريم الباب ليجد محامياً يرتدي حلة رسمية، وخلفه ضابط تنفيذ.

قال المحامي ببرود:

“أستاذ كريم.. معانا أمر حجز تحفظي على محتويات الشقة، ودعوى تزوير مرفوعة ضد السيدة نادية بخصوص عقود ملكية الأرض. قدامكم ساعة واحدة تلموا فيها هدومكم الشخصية.. الشقة دي مابقتش بتاعتكم.”

انهارت الحاجة نادية على الكرسي وهي تصرخ:

“دي شقتي! أنا شقيت عمري فيها!”

رد المحامي بابتسامة خبيثة:

“الورق بيقول إن الأرض دي تم شراؤها بفلوس والد ياسمين الله يرحمه، والتوكيلات اللي استخدمتيها باطلة.”

في القصر، كانت ياسمين تراقب المشهد عبر كاميرات مراقبة تم تركيبها في دقائق بأمر من مراد. رأت دموع القهر في عين حماتها، ورأت انكسار كريم وهو يخرج من البيت بشنطة ملابس مهلهلة.. نفس المشهد الذي عاشته قبل ساعات، لكن الأدوار تبدلت.

أمسكت ياسمين فنجان القهوة بيد ثابتة، ونظرت لمراد وقالت:

“كده المرحلة الأولى خلصت.. هما دلوقتي في الشارع، والجو لسه برد.. خليهم يدوقوا طعم الرصيف اللي رماني عليه.”

مراد سألها بهدوء:

“والخطوة اللي جاية؟”

ابتسمت ياسمين ابتسامة غامضة وقالت:

“الخطوة اللي جاية هي ‘الضربة القاضية’.. كريم لسه فاكر إنه ممكن يهرب، لكنه ما يعرفش إن المكالمة اللي عملتها، فتحت عليه أبواب جحيم مش هيقفلها غير بموتي أو بموته.”

وفجأة، رن هاتف ياسمين.. كان المتصل “كريم”.

ردت ببرود، فجاءها صوته باكياً:

“ياسمين.. أنا آسف.. أمي هي اللي وزتني.. إحنا في الشارع والبرد هيموتنا، ابوس إيدك سامحيني.”

ياسمين ردت بكلمة واحدة قبل ما تقفل السكة:

“يا ترى يا كريم.. مين من الشحاتين هيرضى يركبكم معاه؟”

قفلت الخط وهي شايفة في الشاشة كريم وهو بيترمى على الرصيف في نفس النقطة اللي كانت واقفة فيها بالشراب.

#الكاتب_رومانى_مكرم

طلعت شمس اليوم الجديد، لكنها ما كانتش شمس عادية.. كانت شمس الحساب.

وقفت “ياسمين” قدام المراية في جناحها الملكي، بتعدل لياقة معطفها الأسود. ملامحها كانت هادية جداً، هدوء ما قبل العاصفة اللي هتحطم كل حاجة باقية من الماضي. “مراد” كان واقف وراها، مد لها ملف أحمر وقال:

“كل حاجة جاهزة.. كريم وأمه دلوقتي قدام المحكمة، مستنيين معجزة تنقذهم من تهمة التزوير والنصب.. بس المعجزات مابتجيش للي بيظلم.”

في ساحة المحكمة، كان “كريم” باين عليه الهزال، دقنه نبتت وهدومه اللي كانت دايمًا مكوية بقت مكرمشة وشاحبة. والحاجة نادية كانت قاعدة على الكرسي، مخبية وشها بطرف شالها، بتهرب من نظرات الناس اللي عرفوا فضيحتهم في المنطقة كلها.

فجأة، الصمت ساد المكان لما دخلت ياسمين.

خطوات كعبها على أرضية المحكمة كانت زي دقات الساعة اللي بتعلن وقت القصاص. ما بصتلهومش ولا لحظة، دخلت قعدت في الصف الأول بكل شموخ.

نادى الحاجب: “محكمة!”

بدأت الجلسة، والمحامي قدم المستندات اللي بتثبت إن كريم وأمه مش بس سرقوا حق ياسمين في البيت، دول كمان كانوا بيختلسوا من حسابات والدها القديمة بتوكيلات مزورة.

كريم حاول يصرخ: “يا سيادة القاضي، دي مراتي.. أنا كنت بحافظ على مصلحتها!”

رد القاضي بحدة: “المرأة اللي بتترمي في الشارع في عز التلج مابتكونش زوجة.. دي بتكون ضحية لواحد معندوش أصل.”

صدر الحكم: “حبس كريم والحاجة نادية 3 سنوات مع الشغل والنفاذ، ورد كافة الممتلكات للسيدة ياسمين مع تعويض مادي كبير.”

في اللحظة دي، ياسمين قامت من مكانها. مشيت ببطء لحد ما وقفت قدام كريم وهو بيتقيد بالكلبشات. عينه كانت مليانة رجاء، لكن عينها كانت مليانة نصر.

قالت له بصوت واطي سمعه هو بس:

“فاكر لفة القفل يا كريم؟ لفة القفل دي كانت بتقفل باب السجن عليك، مش بتقفل حياتي أنا. البيت اللي طردتني منه، أنا ههده وهبني مكانه دار أيتام.. عشان مفيش طفل يطلع في الدنيا دي قلبه جاحد زيك.”

بصت للحاجة نادية اللي كانت بتبكي بحرقة وقالت لها:

“البرد اللي وجع جسمي الليلة دي.. هيفضل واجع قلبك وضميرك العمر كله يا ‘حاجة’.”

خرجت ياسمين من باب المحكمة، والهوا كان لسه بارد، بس المرة دي كان بيحسسها بالحرية مش بالوجع.

فتحت باب العربية الرولز رويس، وقبل ما تركب، بصت للسما واتنفست بعمق.

ركب مراد جنبها وسألها: “دلوقتي رايحة فين؟”

ردت بابتسامة صافية لأول مرة:

“رايحة أبدأ حكايتي.. الحكاية اللي مفيش فيها ‘كريم’، ولا فيها ضعف.. الحكاية اللي أنا فيها وبس.”

اتحركت العربية، وسابت وراها الماضي بكل سواده، لتبدأ “ياسمين” حياة جديدة، كانت مكالمة واحدة في ليلة برد كفيلة إنها تصنعها من جديد.

**تمت**

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *