بنتي قالت إن أخوها الكبير2
### الجزء الثالث: سكرات الندم.. وبقايا البيت المحطّم
توقف النبض تماماً على الشاشة.. وتحول ذلك الصفير المتقطع إلى خط مستقيم وصوت واحد مستمر ومفزع. انهار الأطباء والممرضون فوق جسد منة النحيل، وبدأت عمليات الإنعاش الرئوي والصدمات الكهربائية. كنت واقفة وراء الزجاج، ألطم وجهي وأصرخ بلا صوت، بينما حسن جثا على ركبتيه في ممر المستشفى، يضرب رأسه بالحائط ويبكي بنشيب يقطع القلوب.
بعد دقائق مرت كأنها دهور، خرج الطبيب، مطأطأ الرأس، وعيناه تملأهما الهزيمة. نظر إلينا وقال بنبرة هادئة وقاتلة:
> “شدوا حيلكم.. البقاء لله. النزيف كان حاد، ووظائف الكبد وقفت تماماً.. الجسم مقدرش يستحمل”.
>
ماتت منة.. ماتت الطفلة التي تسببت في خراب بيتنا بكلمة طائشة، وماتت قبل أن يسكن أنين ذنبها. وفي نفس اللحظة التي كانت تخرج فيها ج*ثتها مغطاة بالرداء الأبيض، كانت هواتفنا لا تزال تهتز على مقاعد الانتظار.. آلاف الإشعارات والرسائل التي تلعننا، والناس في الشوارع وعلى الإنترنت يطالبون بمحاسبتنا على ما فعلناه بكريم.
لم نعد نستطيع حتى أن نقيم جنازة تليق بابنتنا. حضر الدفن عدد قليل جداً من الأهل، والعيون كلها كانت موجهة إلينا بنظرات اتهام وقسوة، وكأن الجميع يقول لنا بصمت: **”أنتم من قت*لتموها.. وأنتم من ظلمتم ابنكم”**. حتى مرت أخي، التي كانت معنا في تلك الليلة الملعونة، رفضت أن تواسينا وقاطعتنا تماماً.
عدنا إلى بيتنا، ذلك البيت الذي تحول إلى قبر بارد.
حسن لم يعد ينظر في عيني، وأنا لم أعد أطيق سماع صوته. كل ركن في الشقة يذكرنا بالج*ريمة التي ارتكبناها في حق كريم. سريره الفارغ، كتبه التي بقيت في كرتونة غطاها التراب، وآثار دمائه التي جفت على أرضية الصالة يوم ضربه أبوه.. كل شيء كان يصرخ فينا بالظلم.
بعد أسبوع واحد من الدفن، انهار حسن تماماً. أصيب بجلطة مفاجئة أدت إلى شلل نصفي، وجلس في الفراش لا يحرك ساكناً، يحدق في السقف طوال الليل والنهار وعيناه تفيضان بالدموع، لسان حاله يقول إنه يلقى عقاب رب العالمين في الدنيا قبل الآخرة.
أما أنا، فكنت أسير في الشوارع كالمجنونة، أرتدي السواد، وأقضي الساعات أمام شاشة هاتفي أتابع صفحات كريم. لم يظهر له أي أثر بعد ذلك الفيديو؛ أغلق حساباته تماماً واختفى، وكأنه فص ملح وذاب. كانت رغبتي الوحيدة في الحياة، قبل أن أموت، هي أن أصل إليه.. ليس لأطلب منه كليته أو كبده هذه المرة، بل لأركع تحت قدميه وأقبل تراب حذائه ليغفر لي خطيئتي.
وفي يوم من الأيام، وبينما كنت أنظف بقايا الأوراق في درج مكتبه القديم، سقطت من بين الكتب ورقة صغيرة مطوية، مكتوبة بخط يده منذ سنوات طويلة، قبل الزلزال الذي دمرنا..
تابعو صفحه رومانى مكرم
### الجزء الرابع: قصاص الذاكرة.. والبحث في أزقة الموت
فتحتُ الورقة المطوية بضعف، وكانت أصابعي ترتجف لدرجة أنني كدت أمزقها. كانت رسالة قديمة كتبها كريم بخطه المنمق في عيد الأم قبل الحادثة بسنتين، يقول فيها:
> “أمي الغالية.. أنتي الأمان اللي بيهون عليا أي تعب في الدنيا. لما بكبر وبشوف الدنيا برة، ببقى متأكد إن حضنك هو المكان الوحيد اللي مش ممكن يغدر بيا.. ربنا ما يحرمني منك”.
>
سقطتُ على الأرض وأنا أحتضن الورقة إلى صدري، وأصرخ بصوت مبحوح استهلكته آلاف الليالي من البكاء. الكلمات كانت كالمسامير التي تُدق في قلبي؛ أي أمان هذا الذي تحدث عنه؟ وأي حضن الذي تحول في ليلة وضحاها إلى جلاد يلقي به إلى الرصيف والبرد؟
مرت الشهور ثقيلة، كئيبة، ومظلمة. حسن زوجي جسدٌ بلا روح، يرقد على الفراش وعيناه معلقتان بباب الغرفة، ينتظر معجزة أو يترقب الموت. صرنا نعيش على المساعدات بعد أن بحّ صوتي من الاستغاثة، ولم يعد يدخل بيتنا قادم أو يخرج منه مغادر. تحولنا إلى منبوذين، كأننا مصابون بمرض معدٍ يهرب منه الجميع.
لكن نار الندم لم تكن لتهدأ بداخلنا. قررت أنني لن أستسلم للموت قبل أن أجد كريم. نزلت إلى شوارع الزقازيق، المدينة التي كان يدرس فيها، وبدأت رحلة كعب داير جديدة، لكن هذه المرة بمفردي وبلا مال.
لففتُ على كل المطاعم، المقاهي، وأماكن غسيل السيارات. كنت أُخرج صورته القديمة وأعرضها على العمال والمارة بكسرة عين واستجداء:
**”بالله عليك شُفت الواد ده؟ ده ابني.. ابني وضاع مني”.**
البعض كان ينظر إليّ بشفقة، والبعض الآخر كان يتعرف على وجهي من فيديوهات السوشيال ميديا، فيبصق على الأرض ويمشي تاركاً إياي في حيرتي. حتى وصلت يوماً إلى مطعم شعبي صغير في أطراف المدينة، وأول ما شاهد صاحب المطعم الصورة، تغيرت ملامحه ونظر إليّ بحدة وقال:
> “أنتِ أمه؟ أنتِ الست اللي فضحتيه ورميتيه؟”
>
ارتميت على قدميه وأنا أبكي: **”بوس إيدك قولي هو فين؟ عايش؟ بياكل؟ بيجراله إيه؟”**
تراجع الرجل للوراء بقرف وقال:
> “كان شغال هنا بيغسل أطباق ويمسح الأرض بلقمته عشان يدفع مصاريف كلية الطب اللي حرمتوه منها.. كان بيذاكر تحت لمبة الصالة بعد ما الزباين تمشي ويموت من الساقعة. بس الكلام ده كان من سنة.. بعد الفيديو اللي نزله، جاله انهيار عصبي حاد، وساب الشغل والمحافظة كلها بعد ما الناس بدأت تضايقه وتصور فيه كأنه فرجة”.
>
سألته بلهفة ونفَسي ينقطع: **”ومعرفةش راح فين؟”**
رد الرجل وهو يطردني من المحل:
> “سمعت إنه ساب الكلية خالص.. وشغال فاعل أو أرزقي في المعمار في منطقة عشوائية مقطوعة في القاهرة.. اسمه مات هنا، روحي دوري عليه في مدافن الأحياء لو لسه فيكي عين تواجهيه”.
>
خرجت إلى الشارع، والدوخة تملكني، والدنيا تسود في عيني. كريم.. طبيب المستقبل الذي كنا نتباهى به، أصبح عامل معمار يتنقل بين السقالات بحثاً عن كسر خبز يداري به كرامته المجروحة.
جمعت ما تبقى من مصوغاتي الذهبية القديمة وبعتها، وحزمت حقيبة صغيرة، ونظرت إلى حسن المستلقي في عجز، وقلت له بصوت يملأه اليقين المر: **”أنا مسافرة مصر.. مش هرجع إلا بكريم، يا إما مش هتشوفني تاني أبداً”**.
ركبت القطار المتجه إلى القاهرة.. نفس القطار الذي دهس منة وأنهى حياتها، كان هو طريقي الآن للبحث عن خيط رفيع يقودني إلى ابنٍ مات بالنسبة لنا منذ سنتين، لكنه حيّ في جحيم صنعه له أقرب الناس إليه..
### الجزء الخامس: في مدافن الأحياء.. ورائحة الإسمنت
نزلتُ في محطة رمسيس وسط زحام القاهرة الخانق، كانت المدينة تبدو لي غولاً مخيفاً يبتلع الوجوه. لا أعرف أين أذهب، ولا من أين أبدأ. القاهرة واسعة، وأنا امرأة وحيدة مكسورة، لا يملك من الدنيا سوى صورة قديمة في هاتفها، وحقيبة قماشية، وقلب يتدفق بالندم.
تذكرتُ كلمات صاحب المطعم: “شغال في المعمار في منطقة عشوائية مقطوعة”. بدأت رحلتي التي استمرت أسابيع كاملة. كنت أتنقل بين أطراف العاصمة؛ من عشوائيات الجيزة إلى أطراف القليوبية، ومن قناطر شرق القاهرة إلى التجمعات الجديدة التي لا تزال تحت الإنشاء. كنت أدخل مواقع البناء، وأسير بين السقالات وتلال الرمل والإسمنت، أعرض صورته على مقاولي الأنفار والعمال الصعايدة والمغتربين.
> “يا ابني.. شُفت الواد ده شغال معاكم هنا؟”
> “يا أسطى.. بالله عليك ركز في ملامحه، ده ابني وكريم اسمه كريم”.
>
وكانت الردود دائماً مخيبة للآمال: “المعمار فيه آلاف يا حاجة.. الوجوه هنا شبه بعضها، كلها متغطية بالتراب وعرق الشقى”.
مر شهر كامل وأنا أنام في بنسيونات رخيصة، وآكل لقمة جافة تسد رمقي، حتى نفدت أموالي تماماً ولم يعد معي ثمن تذكرة العودة أو حتى وجبة عشاء. وفي ليلة شديدة البرودة، كنت أجلس على رصيف مجاور لموقع بناء ضخم في منطقة “شق الثعبان” الجبلية أطراف القاهرة، وأنا أبكي بحرقة وأدعو ربي: **”يا رب.. عاقبني بأي شيء، بس وريني وشه ولو لثانية واحدة.. أستحلفك برحمته وريهوني”**.
وفجأة، اقترب مني رجل عجوز يرتدي جلباباً رثاً، يبدو أنه حارس للموقع، ووضع في يدي كوباً من الشاي الساخن وقال بشفقة:
> “يا شملولة.. بقالي يومين شايفك بتلفي على المقاولين بالصورة دي. وريهاني كده تاني في النور؟”
>
فتحتُ له الهاتف وعرضتُ الصورة. نظر إليها العجوز طويلاً، وضيق عينيه، ثم هز رأسه تارة باليجاب وتارة بالتعجب، وقال:
> “الوش ده مش غريب عليا.. بس اللي عندي هنا مسموش كريم.. إحنا بناديه ‘الدكتور’، لأنه واد متعلم ومؤدب، وبيعرف يقرأ روشتات الأدوية للعمال لما حد فيهم يتعب، بس هو شغال في شيل شكاير الإسمنت والخرسانة”.
>
قفزتُ من على الرصيف كالمجنونة، وأمسكتُ بجلبابه وأنا أصرخ والدموع تغرق وجهي: **”هو!! هو يا حج.. هو كان في كلية طب! قولي هو فين؟! وادهوني أبوس رجلك!”**
تراجع الحارس خطوتين ونظر إليّ بريبة وقال:
> “هو دلوقتي نايم فوق في العشة اللي فوق السطوح مع باقي عمال الترحيلات.. هما لسه مخلصين صبة سقف ونازلين هلكانين من الساعتين. بس يا حاجة.. الواد ده مبيكلمش حد، وعايش زي الخيال، وعينيه دايماً فيها حزن يهد جبال.. أنتِ تقربي له إيه؟”
>
خنقتني العبرة، ولم أستطع أن أقول له أنا أمه التي ظلمته وفضحته، فقلت بصوت مرتعش: **”أنا.. أنا فاعلة خير، وجايباله أمانة من أهله”**.
أشار لي الحارس نحو سلم خرساني ضيق ومظلم، لا يزال بلا درابزين، يؤدي إلى سطح المبنى قيد النشاء. صعدتُ السلم ودرجاته الطوبية تجرح قدمي، ونبضات قلبي تكاد تسمع من شدة سرعتها. كان الخوف يتملكني؛ كيف سأنظر في عينيه؟ ماذا سأقول له؟
وصلتُ إلى السطح، وكانت هناك عشة بدائية مصنوعة من الخشب والصاج. دفعتُ الباب الخشبي الموارب ببطء شديد، فنظرتُ إلى الداخل تحت ضوء لمبة سهاري خافتة.
كان هناك أربعة عمال ينامون متجاورين على الأرض فوق مراتب إسفنجية متهالكة. وفي الزاوية البعيدة، كان يرقد جسد نحيل، يلتف ببطانية صوفية قديمة ويولي ظهره للباب. لم أكن بحاجة لأن يلتفت لأعرفه؛ خط كتفيه، طريقة نومه المنكمشة على نفسه من البرد.. إنه هو. إنه كريم.. ابني البكري.
خطوتُ خطوة واحدة داخل العشة، وسقطت دموعي على الأرض لتحدث صوتاً في صمت المكان الخانق. وفي تلك اللحظة، تحرك الجسد المنكمش، وتململ في فراشه، ثم التفت ببطء لينظر نحو الباب ويرى من القادم..
